رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الثلاثاء 30/أبريل/2019 - 10:57 ص

هل ما زال الدين هو أفيون الشعوب؟

هل ما زال الدين هو
الباحثة / فاطمة حسين
aman-dostor.org/20849

تساؤل يطرح نفسه بقوة علي الساحة الآن في ظل موجات الإلحاد التي تعاني منها كل المجتمعات عربية كانت أم غربية وإذا رجعنا إلي الوراء قليلا سنجد كارل ماركس في معرض هجومه علي الأديان عموما كتب عدة انتقادات فلسفية ردا علي كتاب نظرية الحق في فلسفة هيجل.

وكان من بين سطور نقده أن فكرة الإله والدولة والمجتمع كلها من الدين، وأن الدين ما هو إلا وسيلة فى يد الحكام والأغنياء ( الطبقة البرجوازية ) ليثبتوا الفقراء علي فقرهم وليضمنوا الطاعة الكاملة لهم، وعدم إقامة ثورة على هذا الوضع لأنه من صنع الإله، والإله فكرة من صنع الدولة والحكام ودائرة كل عناصرها تدور على بعضها بغرض السيطرة على الفقير ونهب قواه...

وفى عام 1917 تقوم الثورة البلشفية التي طمح فيها الماركسيون والشيوعيون إلى كل الأحلام الوردية التي رسموها حيث المساواة، حيث لا وجود للأغنياء ولا وجود للفقراء فالجميع سواء، وكذلك لا وجود للدين هذه الأداة التي كانت سببًا فى ذل الفقراء.. وبطش الأغنياء والحكام..

وظهرت ( حركة الإلحاد العسكري ): والتى عرفت حينها ب:
‏League of militant atheists
وكان لهذه الحركة المنشورات والمؤتمرات العديدة وممارسة ( الدعوة الإلحادية ).. وكانت هذه الحركة تضم ما يقرب من 3.5 مليون شخص ملحد و96 مكتبا ممثلا في عدة دول لدعوتهم الإلحادية ونشرها فى العالم وذلك فى عام 1941.

وهناك الآلاف الذين تم سجنهم واعتقالهم لتبنيهم أفكار دينية، فكان الإلحاد ليس مجرد فكر أو فلسفة يعتقد فيها من يشاء أو لا يعتقد فيها وإنما كان (إلحادًا عسكريًا)، وطمس أي معالم دينية، ولغوا التقويم المسيحي وكان الأسبوع ستة أيام فقط.

وانتشر هذا الفكر كالنار فى الهشيم، وأصبح الإنسان ما بين الرحي: إما إلحاد متطرف ينكر فيه كل الأديان وكل النبوات ويرفض فيه سلطة الإله الذي يقيده بافعل ولا تفعل، وإما دين متطرف يكفر فيه كل من يختلف معه ويزندق من يعارضه، ويهرطق من يجادله...

وأظن أننا ما زلنا نعيش إلى اليوم بين هذه الرحى..

جدير بالذكر أن الدولة ( الإلحادية ): التي دعاها الشيوعيون هي دولة لا تقبل بأي دين ولا بأي اله ولا بأي فكر يؤدي الى دين، وعلى الرغم من أن ماركس نفسه ضد فكرة (الدولة) التي يرى أنها من صنع الدين والدين من صنع الحكام، إلا أن لينين أقام دولة شيوعية، الشيوعية التي لا تعترف أصلا بفكرة دولة..

وكذلك الحال اليوم نجد الصين تعلن أنها دولة شيوعية والحزب الحاكم بها هو الحزب الأحمر الشيوعي، ومنذ الثورة الصينية الحضارية عام 1961 التي تم فيها حرق الكثير من الكتب الدينية والمقدسة وهدم الكثير من دور العبادة وذلك بقيادة الزعيم الصيني ( ماو زيدونج ) وتعتبر الصين هى الأكبر على مستوى فى العالم فى عدد الملحدين بها.

ويشير معنى ( إلحاد الدولة ) إلى الترويج الرسمي للإلحاد من قبل الحكومة، مع قمع فعلي للحرية الدينية وممارسة الشعائر. وعلى النقيض من ذلك، فإن الدولة العلمانية تهدف إلى أن تكون محايدة رسميا في مسائل الدين، ولا تدعم الدين ولا تعارضه.

وبرز لأول مرة تعزيز الدولة للإلحاد كقاعدة عامة في المقام الأول في فرنسا الثورية بين السنوات 1789 حتى 1799. اتبعت المكسيك الثورية سياسات مماثلة من عام 1917، كما فعلت غالبية الدول الماركسية - اللينينية. كان لكل من الجمهورية الروسية السوفيتية الاتحادية الاشتراكية (1917-1991) والاتحاد السوفيتي (1922-1991) تاريخ طويل من تعزيز الإلحاد في الدولة، على امتداد تاريخ الاتحاد السوفيتي أي بين الأعوام (1922-1991)، قمعت السلطات السوفيتية واضطهدت مختلف أشكال المسيحية والدينية بدرجات مختلفة تبعًا لحقبة محددة. إن السياسة السوفيتية المعتمدة على الأيديولوجية الماركسية اللينينة، جعلت الإلحاد المذهب الرسمي للاتحاد السوفيتي، وقد دعت الماركسية اللينينية باستمرار السيطرة والقمع، والقضاء على المعتقدات الدينية.

وكانت الدولة ملتزمة بهدم الدين، ودمرت الكنائس والمساجد والمعابد، سَخِرت من القيادات الدينية وعرضتهم للمضايقات ونفذت بهم أحكام الإعدام، وأغرقت المدارس ووسائل الإعلام بتعاليم الإلحاد، وبشكل عام روجت للإلحاد على أنه الحقيقة التي يجب على المجتمع تقبلها. ويقدر عدد ضحايا سياسات دولة السوفييت الإلحادية من المسيحيين ما يقرب من 12-20 مليونا.

وكذلك هو الحال الآن في دولة الصين الشيوعية، التي تتجه في سياساتها الداخلية تجاه مواطنيها إلى الإزالة التامة لفكرة الإله الذي يجازى بالثواب والعقاب على الحسنات والسيئات وتكون الدولة هى مكان الإله الذي تعطي للمواطنين المزايا الكثيرة إذا كان مواطنًا صالحًا لا يعارض، ولا منضم لأي فكر أو تيار ديني، وإنه لمن السخرية أننا نجد أيضًا: على سبيل المثال إذا كان المواطن ملتزمًا بقواعد المرور والنظافة ودفع الرسوم والضرائب، ونقاط (رقمية) من خلال الحسابات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي التي تحكم قبضتها الحكومة الصينية، ليصبح المواطن – مواطنًا صالحًا ملحدًا في عين " الدولة الإله ".

وبعد كل هذا الحديث الذي أسردناه نستطيع تفسير عنوان المقال ( الإلحاد أفيون الشعوب ) فكما ادعى ماركس أن الدين هو الأداة التي يستخدمها الأغنياء والحكام لاستغلال وسلب قوت الفقراء، فكذلك الإلحاد هو استغلال لأفكار الحائرين والساخطين والطامحين بوجود خال من العنف والدم واستغلال ادعاء الجهلاء بأن الإله الذي يسمح بوجود سفك دماء على الإرض ليس أهلًا للعبادة أو أنه غير موجود بالاساس، فكيف يكون موجودا ويسمح بكل هذه الفوضى، متناسين في ذلك الإرادة الانسانية التي تجعله هو من يفسك الدماء ويقتل ويدمر نفسه بنفسه، فاستخدام أفكار الإلحاد لتكون مذهبًا سياسيًا ينتحل أصحابه صفة الفكر، وهم يطبقون أطماعهم الشخصية.

إن نسب الالحاد التي تزيد كل يوم مخيفة لدرجة تجعل دولًا تستغل هذه النسب فى دمج الإلحاد بالسياسة، وجعله مذهبًا سياسيًا، وطالما أنه ليس هناك إله فستصبح الدولة هي الاله.

وخطورة هذا الاتجاه تكمن فى عدة مسائل أولاها: لا فرق بين مدعي الدين الذي يحمل سلاحًا ويريد تطبيق شرع الله بالقتل وسفك الدماء وتكفير المجتمع، وبين الملحد الذي يريد تطبيق الحاده بالقوة والعنف وهدم أي معتقد يخالفه، وثان مسألة: إذا كان الدين على مدار التاريخ الانساني كان أداة استغلال فى يد الحكام لإضفاء القدسية على حكمهم، فالإلحاد الآن أداة لفرض وبسط السيطرة على المحكومين وبقبضة الحرية الفكرية فى حين أنه فرض فكر بالقوة.

أما الثالثة: بما أن الاقتصاد الصيني هو ثاني أكبر اقتصاد عالمي بعد الولايات المتحدة إن لم تكن بالفعل هى الأولي في الاقتصاد العالمي، فلا حرج إن قلنا إنه لا يخلو بيت في معظم بلدان العالم من المنتجات الصينية في جميع الأنواع ( أجهزة كهربائية – أدوات منزلية – موبايلات... ) وإن كان الأمر هكذا فنحن أمام الثقافة الإلحادية التي تفرض نفسها بالقوة الاقتصادية، كما فُرضت الرأسمالية والعلمانية التى دعت إليها الولايات المتحدة..

لم يقف الأمر عند هكذا فقط، فهناك الكثير من الأمور التي يطيل شرحها لذلك نود هنا أخيرًا وليس آخرًا أن نوضح نقطة هامة وهي: إن الالحاد والإيمان كلاهما مذهبان فكريان، يهتدي صاحبه لأحد منهما وعندئذ بعد اطلاع وقراءة وتأمل يبدأ بالنقاش والتعبير عن ذلك، فهذا هو مساحة الفكر التي تقتضي مقارعة الفكر بالفكر، أما التطبيقات الخاطئة للدين فليس هو مسئولا عنه، وأما الإلحاد فهو ظاهرة فكرية اتفقنا أو اختلفنا مع أصحابها ولكنه غير قابل للتطبيق الخاطئ المتطرف، فالعنف والقتل غير مقبول إنسانيًا وإجبار الإنسان على اعتناق فكر هو أيضا تطرف.