رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
حوارات
الخميس 21/مارس/2019 - 07:13 م

الأديب العراقي عباس الزهيري يكشف قصة "الطائفة المندائية" وكواليس تجربته العسكرية.. حوار

الأديب العراقي عباس
أحمد الجدي
aman-dostor.org/19495

أدب الحرب "َضروري" لتوثيق الأحداث بشكل صحيح.. وكتبت مذكراتي خدمة لتاريخ العراق


العالم العربي زاخر بكتابه العظام.. ولي 3 أعمال أدبية أتمنى أن يلقوا إعجاب القراء


قدم العقيد العراقي المتقاعد عباس فاضل الزهيري عدد من الأعمال الأدبية الهامة التي توثق تاريخه داخل الجيش العراقي من جهة ومن جهة أخرى توثق قصة الطائفة الدينية التي ينتمي لها وهي الطائفة المندائية التي لا يعرف عنها الناس الكثيرين رغم أن هناك ما يقرب من 60 ألف مواطن عراقي يدينون بها.

عن أدب الحرب والإرهاب الذي تألق فيه العقيد الزهيري، وعن قصة الطائفة المندائية، كان لـ "أمان" هذا الحوار الهام معه فإلى نصه.



ما هي أبرز أعمالك الأدبية في السابق؟

بدأ كلًّ شيء في العراق حينها بدأت بالكتابة، كنت قد كتبت في عمود خاص يُدعى (رقابة شعبية) في (ألف باء) المجلة الرئيسية الوحيدة آنذاك، والتي تصدرها وزارة الثقافة والإعلام العراقية، كما كتبت في مجلة (آفاق مندائية) وهي تصدر عن طائفة الصابئة المندائيين في العراق، وكذلك نشرت ما كنتُ أكتب في بعض المجلات العربية التي صدرت في بعض بلدان الشتات في أوربا، كما كتبت عدة مقالات في جريدة دنماركية، تهتم بموضوع في غاية الأهمية ألا وهو (إندماج الأجانب في المجتمع الدنماركي)، ولقد تسنى لي خلال إقامتي في الدنمارك وبما أملكه من خزين الذكريات بكتابة ثلاث نتاجات أدبية هي (مذكرات ضابط مندائي )، (أوراق من الماضي) و (ليليت .. إمرأة من نار).

حدثنا عن كتبك الثلاثة وما أبرز ما ذكرته فيهم؟

نتاجي الأدبي الأول "مذكرات ضابط مندائي" صدر عن دار شمس في القاهرة، والنتاج الثاني "أوراق من الماضي" صدر عن دار ميزر في السويد، أما الثالث "ليليت.. إمرأة من نار" فهو حالياً تحت الطبع في دار ميزر في السويد أيضاً.

تدور أحداث الكتابين، الأول والثاني عن سيرة حياتي وتجاربي الشخصيّة، والأحداث التي مرت عليَّ وعلى بلدي العراق.

أما كتاب (ليليت .. إمرأة من نار) فهو ثالث نتاج أدبي، وهو رواية تعالج عدة قضايا في آن واحد، أبرزها ثنائية (الحب والحرب)، وكذلك عن مدى إمكانية الإندماج في المجتمع الغربي، الحوار ما بين الأديان والثقافات المختلفة، وأخيراً مسألة الإرهاب الذي ضرب منطقتنا العربية بعنفٍ شديد غير مسبوق، والذي سبب ألماً إنسانياً كبيراً، والأنكى من ذلك أن هذا العنف إنتقل كالوباء إلى باقي بلدان العالم، كما خَلَّفَ مآسٍ مهولة، وإنتهاكاتٍ جسيمة بحق الشعب العراقي بشكلٍ عام والأقليات الدينية والإثنية بشكلٍ خاص، وبالتحديد أبناء الديانة الأيزيدية المسالمة، مُستغلاً إسم الدين الإسلامي بأبشع صورة.

حدثنا عن أعمالك الأدبية المستقبلية وماذا ستتناول فيها؟

لا أخفيك سراً بأني ما أزال في مرحلة المتابعة لطباعة نتاجي الأدبي الثالث، الذي إشتركت به في مسابقة (كاتارا) في قطر ولم يحالفني الحظ في الفوز، ولم أتوقع ذلك لكن كان لفترة الإنتظار نتائج رائعة حيق أُتيحت لي الفرصة وفي فترة التسعة أشهر المنصرمة في إقامة معرضي الفني التشكيلي الأول في الدنمارك، وسأستمر في مجال الفن التشكيلي كي أنفذ معرضي الثاني في كوبنهاكن بالتوازي مع مسيرتي الأدبية؛ فهي طريقي الأول وبه وجدت نفسي.

في ذهني حالياً مشروع خطة لكتابة رواية جديدة قد تكون أيضاً في موضوعة الحب وحوار الحضارات وإختلاف الأديان والثقافات، ولكن بمنظور مختلف قليلاً.

كيف تُقيم الأدب العربي حالياً، وهل ترى تقدماً فيه؟

الحقيقة أن فرص الحصول على الكتب في بلدان المهجر بغية التعرف على مستجدات الأدب العربي في بلداننا العربية صعبة بعض الشيء، لعدم توفر الجديد منها، والمتوفر قليل جداً، وهذا ما نستطيع من خلاله التعرف على ما يصل إليه مستوى الأدب العربي بشكل عام، ولكني أجزم بأنه في كل زمانٍ ومكان، لابد أن يتوفر عدد جيد من الكُتّاب في جميع أنواع الأدب يمكنهم دفع عجلة الثقافة إلى الأمام، والذين يقدمون ما يوكب أحداث المنطقة وحركة الشارع العربي.

حدثنا عن كتابك الأول ( مذكرات ضابط مندائي)، وما أبرز ما تناولته فيه؟ وما أبرز مذكراتك؟ 

ليس بالخافي أو الجديد إن أي كاتب حينما يشرع في كتابة سيرة حياته تأخذ الافكار والذكريات تتصارع في الحصول على الأحقية والأولوية في أخذ الحيز الأكبر في العمل؛ لذا ستجد في أول نتاج أدبي لي، أنه يحتوي على مجموعة من أحداث منفصلة تأريخياً، بعدد تسعة عشر حكاية حقيقية، إلا أن جميعها وبمجملها تتحدث عن أهم مراحل حياتي، إبتداءاً من طفولتي، مروراً بفترة شبابي، وإبتعاثي إلى الإتحاد السوفيتي وتحديداً في أوكرانيا لدراسة هندسة الطيران حتى عملية خروجي من الجيش ولغاية آخر لحظة من عملية هروبي من العراق بجواز مزور.
كذلك يتحدث الكتاب عن أهم فترة في حياتي؛ وهي فترة خدمتي كضابط مهندس بالقوة الجوية في الجيش العراقي، وعن أهم الأحداث القاسية، والتجارب الإنسانية المؤثرة، التي حصلت معي في فترة عملي وخصوصاً في سنين الحروب المتعاقبة. أما عن أبرز مذكراتي فتأتي في حكاية (بين نارين) التي تحكي عن معاناتي الأليمة في دوائر الإستخبارات المقيتة.

لماذا قررت أن تكتب هذا العمل وما هي رسالتك منه؟

لقد سكبتُ في هذا الكتاب شيئاً من تأريخي وتجاربي الشخصيّة، وخبرتي ولحظاتي المُميزة، وجعلته كعصارة لحياتي في كأس مقدس، وقدمته للقاريء، ورغبت بذلك أن أوثق لحظات مهمة منها، مع التركيز على الجوانب الإنسانية، ومن خلال هذا أستطعت توثيق أهم المراحل والأحداث التي مر بها بلدي العراق في أصعب مراحله.

رسالتي هي أن أُخبر الأجيال القادمة ومن ضمنهم أبنائي وأحفادي بما حصل معي ومع جيلنا من أحداث وعبر، وبالوقائع التي مرت علينا في حروب، وكذلك الظروف العصيبة كما لحظات الفرح والإنتصار على الذات، كي تبقى كناقوس يدقُّ ذاكرتهم مدى الزمان.

الكثيرون لا يعرفون من هم الصابئة المندائيون، فهل تشرح للقاريء أكثر؟

الصابئة المندائيون هم طائفة دينية صغيرة، يُقدر عددها الآن بستين ألف شخص، كانوا يعيشون في العراق وجنوب إيران. في العقود الأخيرة رحل معظمهم إلى دول أخرى بسبب الحروب والإضطهاد والإرهاب. ورد ذكرهم في ثلاث سور كريمات مختلفة، وهي سورة الحج والبقرة والمائدة.

معتنقو هذه الديانة يعبدون الله الحي العظيم ويوحدونه ويعظمونه، ولا يشركون به أحداً، ويعتبرونه عِلّة كل الأشياء في الكون. يؤمنون بأن المندائية هي أول ديانة موحدة نزلت على البشرية، وهي عقيدة معرفية، تدعو لتنزيه الذات الربانية، وإن الله واحدٌ أحد، ربَّ عوالم النور كلها.
يتبع الصابئة المندائيون تعاليم آخر أنبيائهم يحيى بن زكريا (يهيا يوهانا) أو يوحنا المعمدان مبارك إسمه، الذي شرّفه الحي الأزلي بأن أمره بــ (تعميد السيد المسيح) عليه السلام، وبأمرٍ مباشر من الحي العظيم بالماء الجاري في نهر الأردن الذي باركهُ الله.
أركان ديانتهم: الشهادة والتعميد والصلاة والصوم والصدقة. وتعتمد على الماء الجاري كأساسٍ للحياة وقيامها وإستمرارها.

ما هو تأثير الحروب التي مرت على العراق وكيف كانت إستجابتك لها من خلال كتاباتك؟

في العراق كنت أكتب في مجلة ألف باء الرسمية لفترة مُحددة، وفي وقتٍ شعرت بأن النقد اللاذع الذي أوجههُ للنظام قد يأتيني بالضرر توقفت عن الكتابة، ولكنني لم أكن قد بدأت رحلة تأليف الكتب أو الرويات بعد.
بصراحة أقول: نعم لقد أثرت عليَّ الحروب بشكلٍ كبير، وبعد أن قررت الكتابة في المهجر، كان تأثير الحروب في أعمالي أكبر وواضح جداً، لذا إستطعت أن أصف بعضاَ من هذه اللحظات القاسية والحرجة وكذلك الإنسانية العميقة منها بشكل حِرَفي ودقيق بعيداً عن التزويق والتنميق.

هل بالإمكان الإشارة إلى أبرز الأدباء الحاليين في العالم العربي؟

أنا أرى أن الوطن العربي دائماً ما يزخر بعدد كبير من الأدباء المرموقين، سواء المشهورين منهم أو الذين لم يحالفهم حظ الشهرة، وعلى سبيل المثل وليس الحصر، يوسف إدريس واحلام مستغانمي والمرحوم حنا مينا وأحمد سعداوي وغيرهم، كما يوجد العديد من الكتاب الشباب المبدعين.

كيف ترى نمو وإزدهار الأدب العراقي رغم الحرب ؟

كان وما زال الأدب العراقي مُؤثراً ومُتأثراً بالواقع العراقي والعربي رغم مآسي الحروب، وما يدور في المنطقة من سوء أحوال وكم هائل من أهوال مختلفة، وإذا ما أخذنا برأي المقولة الشهيرة (مصر تكتب ولبنان يطبع والعراق يقرأ)، فأن العراقيين يحاولون بكل ما أُتوا من قوة أن يوكبوا ركب الثقافة، لاسيما ونحن نرى إزدهار المتنفس الثقافي الأهم في العراق، ألا وهو شارع المتنبي في بغداد، ناهيك عن تزايد عدد المهرجانات الثقافية مثل مهرجان المربد الشعري وغيرها، لذا أن أعتقد بأن الأدب والثقافة في العراق رغم كبوتها المؤقتة، إلا أنها تسير بخط تصاعدي سيفرض نفسه على الوضع السائد في نهاية المطاف.

هل تؤيد ما يُسمى أدب الحرب الذي يوثق ما يحدق في البلاد من خلال روايات وقصص وأشعار؟

نعم أؤيد هذه الفكرة تماماً، وأرى أن الحرب تؤثر بشكل كبير على الأدب بمختلف أنواعه، لأن الأدب يعمل كمرآة تعكس صورة صادقة وجلية حول كل ما يدور في المجتمع من أحداث ووقائع وبالتحديد الحرب، لذا أرى يتولد لدى الأدباء هاجس الوقت الراهن وأقصد به التفاعل مع الواقع المُعاش وصولاً لبلورته بما ينسجم والرؤية الفنية للكاتب أو الفنان من حسٍّ وشعور كرد فعلٍ يدفع بهم إلى التفاعل والتجاوب مع هذه الأحداث حتى يقومون بالكتابة عنها، وهذا بالنتيجة يُعتبر وسيلة صادقة ومُعبرة لتوثيق تلك الأحداث.
وما تراه اليوم من إرهاصات في منطقتنا العربية من حروب وإرهاب، فهي ترتد كالصدى على شكل أدبٍ ومواضيع ثقافة مختلفة المستوى والتأثير، وهذا ما دفعني لكتابة روايتي الأخيرة (ليليت.. إمرأة من نار).

ما هي رسالتك للأدباء الشباب حتى يكونوا على قدر مسؤولية المستقبل؟ 

بعد أن أكملت نتاجي الأدبي الثالث، ونفذتً معرضي الفني التشكيلي الأول، غدوت أمتلك مقداراً لا باس به من الخبرة الحياتية والأدبية، ومن خلال ذلك أستطيع أن أنصح الكتاب الشباب الجُدد بأن يُدونوا الحقيقة الخالصة ببساطة ودون تزويق، وأن يعتمدوا على حِسَّهم الأدبي أولاً، ومن ثم على الوقائع دون مبالغة، وأن يستمعوا لنصائح من سبقهم في هذا المجال، كما عليهم أمن ينصتوا لرأي قُرائهم ويتفاعلوا معه إيجابياً.

كيف يستطيع الأدب العربي العودة إلى ما كان عليه في السابق؟

جوابي لن يكون مختلفاً عمّا أؤمن به؛ فأنا لا أرى أي نكوص أو تردٍ في مستوي الأدب العربي، ففي كل زمان ومكان لابد أن يوجد عمالقة، يرفدون الذائقة العامة بسيل من ماء الأدب والثقافة، الذي لا ينضب معينه ...

ـأخيراً أود أن أشكرك يا أيها الأديب والفنان عباس الزهيري لما أنرت لنا من مسيرة أتمنى أن يستمر توهجها

وبدوري أعرب عن شكري وتقديري لكم على هذا اللقاء الجميل، الذي أتاح لي فرصة التحدث إلى قرائكم الكرام.