رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الثلاثاء 12/مارس/2019 - 02:20 م

عبد الباسط البطل شهيد الأدباء

عبد الباسط البطل
بقلم: ذ. خالد برادة *
aman-dostor.org/19204

ولد الكاتب الكبير الأستاذ عبد الباسط البطل، في قرية (شبرا ملكان) إحدى قرى مركز المحلة الكبرى التابع لمحافظة الغربية بجمهورية مصر العربية، وقد أظهر تمسكا كبيرا بها، مدافعا عنها، معبرا عن حبه لها من خلال أعماله الأدبية؛ ولا غرو فهي مسقط رأسه، وفيها كان نشأته.

تكوينه العلمي

نشأ الأستاذ عبد الباسط البطل شغوفا بالعلم والأدب، وقد بدأ يتحسس طريقه في عالم الأدب مذ فجر عمره، وقد ساعده على ذلك مكتبه خاله مظهر إمام رحمه الله، فقد كان لها أثر واضح في إثراء فكره، وقد لاحظ خاله حرص ابن أخته على قراءة ما تحويه مكتبته، ففتحها في وجهه، ولم يضن بكنوزها عليه، وأهداه عددا من المجلات الثقافية والأدبية، فأتاح له ذلك أن ينهل من ينابيع المعرفة.

فضلا عن أن والده رحمه الله، لم يأل جهدا في مساعدته لما لمس في ابنه مخايل النجابة والذكاء، فرغم أنه كان مزارعا بسيطا، فقد حمل معه عند عودته من مدينة المحلة الكبرى ذات مرة مفاجأة سارة لابنه عبد الباسط، وكان عمره إذاك لم يتجاوز السابعة، ولم تكن المفاجأة إلا ما يحرص عبد الباسط على مطالعته في نهم؛ فقد أهداه والده عددا من الكتب والمجلات اشتراها له، فقد عمل الوالد على أن يتملك ابنه ناصية البيان، لتنموا عنده الملكة الأدبية والفكرية؛ ولذا اقتنى له من أطايب ما عبقت به المجلات المخصصة للأطفال إذاك ما شاء الله له أن يقتنيه، ومن بينها مجلة علاء الدين، ومجلة سمير.. ما جعل الصغير يفرح بالهدايا النفيسة، ويستقبلها بالأحضان.

بعض العوامل التي أثرت في نتاجه الأدبي

روى الأستاذ عبد الباسط البطل في إحدى حواراته عن إحدى العوامل التي أثرت في شخصيته الأدبية، فقال: "جاء دور قصر ثقافة المحلة الكبرى، والذي واظبت على حضور ندواته منذ 1980، وشرفت بالجلوس في حضرة وبجوار كبار الأدباء وقتها، منهم الأستاذ محمد فريد الباز، والمرحوم عبد الحفيظ صقر، الذي أهداني ديوانه خفقات قلب، والأستاذة هناء بلحة، التي أمدتني بالكتب التي رأت أنها تناسب سني، حيث إنها كانت مسئولة المكتبة في هذا الوقت"؛ وهو هنا يظهر خلق الوفاء للأدباء الذين أخذوا بيده إلى عالم الأدب الرصين؛ ويذكرهم عرفانا لهم، وإشادة بهم.

مؤلفاته

لقد أبدع الأستاذ عبد الباسط البطل رحمه الله في الكتابة للطفل المسلم، فقد استهواه أدب الطفل، وكان رحمه الله يدرك مدى خلوّ الساحة الأدبية من الكتابات في هذا الفن، وخاصة الرواية التربوية للطفل، -اللهم إلا القليل من السادة الأدباء، وقد نوّه بهم اعترافا لفضلهم- فعكف على كتابات روايات تربوية، وأخرجها ليستفيد منها النشء، وبذلك يكون قد وضع لبنة في هذا الصرح المهم، فبدونه يبقى الصغار خداج أنظارهم أمام الفكر التربوي، الذي يحملهم على امتثال ما تربوا عليه من السلوك العملي القويم، ونسمعه يقول عن تجربته في كتابة الرواية للطفل وبخاصة الرواية التربوية، فيقول: " أما كتابة الرواية للطفل، وخصوصا الرواية التربوية، استهوتني بشكل غير عادي، فهذا المجال لم يطرقه الكثير من الأدباء، سواء على مستوى العالم العربي أو الأوربي، ومن يكتب في هذا المجال، لم يستطع الاستمرار فيه بقوة، إلا واحد فقط، استمر بقوة، هو الأستاذ علي ماهر عيد، فله في مجال الرواية التربوية خمسة روايات، وبعده الأستاذ أحمد العباسي له ثلاثة روايات، ثم العبد لله، سوف أنتهي من روايتي الثالثة في هذا المجال، بعد روايتي الأولي (قلوب العصافير) والتي تم إجازتها من ضمن قائمة وزارة التربية والتعليم المصرية، الصادرة عن دار المعرفة والبركة، وروايتي الثانية (الأيادي البيضاء).

لقد كان الأديب الكبير عبد الباسط البطل رحمه الله، مدركا أهمية الكتابة للطفل، وكانت رسالته الإيمانية التربوية واضحة في أعماله؛ فقد كان يستكنه سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم العطرة، التي هي نبراس تربوي مهم للمسلمين، فأصدر كتابا عن السيرة النبوية؛ وآخر عن تاريخ الغزوات؛ وقد خصَّ شهداء غزوة بدر مؤلف خاص؛ ولم يفته أن يستخرج من القرآن الكريم أروع ما حفل به من قصص الحيوان؛ ومعلوم أن الطفل تستهويه هذه القصص، وهي منطلق مهم ليتعرف على الإطار القصصي العام في السور القرآنية؛ وكثيرا ما ارتبط اسم نبي من الأنبياء بحيوان ما، كالهدهد مع نبي الله سليمان؛ ولا يخفى أن القصة تبعث الطفل على توطيد صلته بالخالق، والابتعاد عن الطاغوت، وما قصة الهدهد إلا ناطقة حق على ضرورة إفراد الحق بالعبودية؛ ويمكن لك أن تطالع ما كتبه في هذا المجال، بعنوان: (أجمل الحكايات على لسان الحيوانات).

وقد كانت عيناه –بخاصة- على الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، فأفردهم ببعض كتاباته؛ وما روايته التي وسمها بعنوان: (قلوب العصافير)، إلا تعبير صادق عن هذا الاهتمام؛ وهي تعد من الأعمال المهمة التي تمحورت حول طفل يعاني من "متلازمة داون"، ولم تفتر همته عن المضيّ قدما في الكتابة في هذا الفن، الذي هو في حاجة إلى طرقه من لدن الأدباء، وقد كتب رواية أخرى بعنوان "الأيادي البيضاء".

وكان له في فن المسرحية للطفل اليد الطولى؛ فقد أصدر مجموعة من المسرحيات في كتاب واحد ومن هنا ندرك الأستاذ عبد الباسط البطل كاتبا يحمل بين جوانحه قلبا حانيا، يخفق بالحب للأطفال، مساهما في إثراء أدب الطفل؛ ومن هنا فلا بدّ من تعريف الأجيال به وبأعماله المهمة الموجهة لهم، وأراه قد مهّد الطريق لمن بعده، ليحذو حذوه.

وإذا كنا قد أسلفنا القول عن حبه الفيّاض لقريته، التي ملكت عليه مشاعره وأحاسيسه، وبقي وفيا لها وللريف، فها هو يفصح عن هذا الحب الدفين في قلبه تجاهها، في كتابه: (حدث في شبرا ملكان).. سطّر فيه عددا من المواقف الإنسانية الأصيلة لبعض الأشخاص، وما طرأ عليها بفعل التحول الاقتصادي، والمقارنة بين الفترتين؛ وقد عرّف القراء من خلاله على مدى أصالة القرية التي بدت في الاندثار.

وفاته

فُجع العالم الإسلامي في وفاة الأستاذ الكبير عبد الباسط البطل، الذي اختطفته يد المنون إثر الحادث الأليم الذي هزَّ العالم، فقد كان ضمن ضحايا حادث حريق محطة قطار رمسيس في مصر صباح الأربعاء 27 فبراير 2019م، وقد تحمل الإصابة التي جعلته في العناية المركزة، وبعد ستة أيام من الحادث فاضت روحه إلى بارئها صباح يوم الاثنين 27 جمادى الآخرة 1440هـ 04 مارس 2019م؛ ولما علمتُ خبر نعيه وقفت عاجزا في هذا الموقف العصيب، وحقا إن الموت مصيبة تفجع القلوب، في رحيل كل محبوب؛ فقد جمعتني به حوارات مستفيضة من خلال موقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك)؛ فلمست فيه سمت العلماء الربانيين، والدعاة الصادقين المخلصين.

ووارى جثمانه الثرى قبل فجر يوم الثلاثاء 28 جمادى الآخرة 1440هـ 05 مارس 2019م.
رحمك الله رحمة واسعة وأجزل لك المثوبة يا فقيد الإسلام؛ يا من أحييت أدب الطفل، ورويته من ينبوع دماثة أخلاقك، وكنت نعم المربي والمصلح.

وعزاؤنا الكبير لكافة أسرته، ومحبيه؛ وكل شهداء حادث محطة قطار رمسيس في مصر؛ وإنا لله وإنا إليه راجعون.

*كاتب وباحث مغربي