رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الجمعة 08/مارس/2019 - 03:34 م

العلمانية في مصر

العلمانية في مصر
لويس فهيم
aman-dostor.org/19069

اتسم الوضع خلال الحكم العثماني في مصر بالضعف والتخلف وتفشي الفقروالمرض وذلك على مدى مائتين وثمانين عاما بدءا من عام 1517وحتى قيام الحملة الفرنسية على مصر في عام 1798بقيادة نابليون بونابارت.

وخلال الحملة الفرنسية كان أول لقاء بين مصر والغرب بعد فترة العزلة والجمود التي فرضها الحكم العثماني. وتولى محمد علي حكم البلاد عام 1805 ومعه انطلقت مصر نحو بناء الدولة المدنية الحديثة وسبقه في ذلك بونابارت.

وقد عمل الأثنان على احلال القانون الوضعي وتقليص سيطرة الشمولية الدينية والسياسية التي فرضها الحكم العثماني، فيما عدا مايتعلق بقوانين الاحول الشخصية كالزواج والمواريث التي أراد المصريون أن تكون طبقا للشرائع الدينية، وأضاف محمد على التعليم المدني الى التعليم الديني وانتشر التعليم الأجنبي على يد قساوسة ومعلمين أجانب. كما أرسل البعثات للدراسة في الخارج.

وجاء من بعده الخديوي اسماعيل عام 1863 ليكمل بناء الدولة الحديثة بنشر التعليم وتشجيع تعليم الاناث. وأمر بترجمة وتطبيق قانون نابليون في المحاكم المصرية. وهكذا نشأت العلمانية في مصر. ومع تنامي الحس الوطني لدى المصريين قامت ثورة 1919 بقيادة سعد زغلول وحزب الوفد.

ثم جاء دستور 1923 ليؤكد مبدأ المواطنة فنصت مادته الثالثة على أن المصريين سواء لاتمييزبينهم بسبب العقيدة. ورغم أن الدستورنص على أن الاسلام هو دين الدولة لم يؤخذ هذا ذريعة للفرز والتمييز والتهميش الذي تحاول حاليا بعض التوجهات الاسلامية أن تجعله قاعدة سائدة بدعوى أن البلاد ذات أغلبية اسلامية.

ورغم أن ثورة 1919 فتحت المجال امام الممارسة الديمقراطية الليبرالية، الا ان الاسلام السياسي لم يستسلم وحاول فرض أجندته فظهرت جمعية الشبان المسلمين عام 1927 وتنظيم جماعة الاخوان المسلمين عام1928 والتي طالبت بعودة الخلافة وأعلن مرشدها عام 1938 أن الجماعة "دعوة سنية سلفية، صوفية سياسية، ثقافية اقتصادية سياسية" وأن هدفها هو السلطة تحت شعار أن الاسلام عقيدة وعبادة، وطن وجنسية، دين ودولة. وارتكبت الجماعة العديد من أعمال العنف وانتهى الأمر الى ادراجها ضمن الجماعات الارهابية.

وشاء القدر أن تحكم الجماعة مصر مستغلة الفراغ الذي نتج عن ثورة 25 يناير 2011. ولكن الشعب المصري بحسه الوطني واجهها بالرفض.

واندفعت جموع المصريين كأمواج البحر في 30 يويو 2013 في ثورة سلمية عارمة لتعلن رفضها لحكم الاخوان وتبعد شبح الدولة الدينية وقاد هذه الثورة المواطن البطل عبد الفتاح السيسي الذي استطاع أن يطوي صفحة كئيبة من تاريخ مصر لتنطلق نحو المستقبل.

وسبق ذلك وضع دستور 1956 في عهد الرئيس جمال عبد الناصر والذي أكد المساواة بين المواطنين دون النظر الى العقيدة والدين.

ثم جاء دستور 2014 ليقرر أن مصر نظامها جمهوري ديمقراطي يقوم على أساس المواطنة وسيادة القانون كما نص على حظر تأسيس أو قيام أحزاب سياسية على أساس ديني وأن مثل هذه الأحزاب يجب أن تحل ويحاسب القائمون عليها. وفي ذلك تأكيد لمبدأ الدولة المدنية واستبعاد نظام الدولة الدينية بكل تبعاتها. ويمكن تصنيف مصر على أنها دولة مدنية ذات توجه ديني.

وغير خفي أن التيار الاسلامي الراديكالي مازال يحاول فرض رؤيته ويحلم بعودة الخلافة وبناء الدولة الدينية ومازال التيار المتطرف يقوم بتجنيد الشباب فكريا ويحثه على الكراهية ورفض الآخر وممارسة الارهاب ضد المختلفين في العقيدة.

وقد دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي الى تجديد الخطاب الديني كضرورة حتمية لمواجهة هذا التوجه الهدام، ولكن تنقية الخطاب الديني تتعثر بفعل تشدد التيار الديني المحافظ.

كما يتعثر تطبيق مبدأ المواطنة ازاء جنوح التيارات الاسلامية الى ممارسة صنوف الفرز التمييز ضد المختلفين في الدين وفرض ميزات لصالح الأغلبية العددية لدين بعينه.

و ذلك يتعارض مع مبدأ المواطنة التي تعني المساواة والتي تمثل الركيزة الأساسية لقيام الدولة المدنية الحديثة. وهو مسلك يجب مواجهته على جميع الأصعدة اذا اردنا بناء دولة مدنية حديثة.