رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الخميس 07/مارس/2019 - 07:07 م

آفة العقل التجزيئي

آفة العقل التجزيئي
بقلم: أحمد حميدة
aman-dostor.org/19045

مشكلة المشكلات تكمن في طريقة التفكير المجتزأ ، التي تعتبر من الجزئيات إطاراً عاماً تدور فيه كليات هذا الدين ، أو يتم تضخيم هذه الجزئيات حتي ترقي إلي مرتبة الأصول والقواعد العامة الحاكمة ! من ثم تعادي وتوالي علي هذا الفهم وترتب عليه أحكاماً علي الخلق تدعي زوراً وبهتاناً أنها المشرع والدين والسنة !.
ومثل هذه الطريقة في التفكير تعوي بصاحبها إلي منزلق التكفير والتفسيق والتبديع إلي التشدد والتطرف والإرهاب ، ومثل هذا النمط من العقول وطريقة التفكير لا تعترف إطلاقاً بالاختلاف – كنسة من سنن الله تعالي في خلقه – في وجهات النظر وفي فروع الدين ، وليسوا عقلاً واحداً وليسوا نمطاً واحداً في طريقة التفكير ، ولكنها نسخ متعددة في الأفهام والتفسيرات ، وعقولاً متقاربة أحياناً ومتباينة أحياناً كثيرة ، وإنماطهم شتي في طريقة تفكيرهم وإدراكهم للأمور والحوادث ، لذلك اقتضت حكمه الله تعالي أن الخلق جميعهم علاقاتهم مركبة ، وأن بين المخلوقات جميعاً علاقات وحيلات ، لذلك فبين البشر وبين بعض مكونات الكون علاقة هداية في السفر مثلاً ، فقد يهتدي البشر بالنجوم وعلامات الأرض كما جاء في سورة النحل فقال تعالي " وعلامات وبالنجم هم يهتدون " والإنسان يشرب الماء ويأكل النباتات وذلك من خلال عملية معقدة ومركبة من تفاعلات عدة تبدأ بتلقيح النباتات عن طريق الرياح التي تسوقها في الوقت التي تدفع فيه السحاب الذي ينزل الماء " وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه "
وهكذا فالكون كله يعيش في حالة التكامل ومن التوازن.
ولقد ساقني القدر إلي محاورة أحد أصحاب هذه العقول التي تتخذ من التكفير منهجاً ومن القتل والذبح والتفجير شرعة !! وليس من رءا كمن سمع ؟ بداية هو اعتبر نفسه ممثل الإسلام ومتحدثاً باسمه ؟ ثم أخذ يسهب في الحديث ولم يعطي لأحدنا فرصة أن يناقشه ! ومن الواضح أنه يحفظ نصوصاً محددة بتقسيرات محددة ايضاً لمنظري تيارات العنف لا يخرج عنها !! ولما اختلفنا معه في أمر تكفير الحاكم لأنه يعتقد بذلك بأن كل حكام العرب والمسلمين "كفار" ؟! ونحن علي عكسه تماماً ، قال لنا بالنص " أنتم مشركون " ؟! لماذا ؟ لأن من لم يكفر الكافر فهو كافر !! قلت له : ولكن كثيراً من المسلمين في مجتمعاتهم لا يعتقدون بذلك ؟ قال : هم كفار ومشركون ! قلت : هل تعني أن هذه المجتمعات ليست مسلمة ؟ قال هي في جاهلية أشد من التي عاصرها النبي ؟ قلت : إذن أنت تقول أن الأمة الإسلامية ليس لها وجود ؟ قال : نعم ؟!.

وخلال حديثه كله هو يركز علي أمور الجزئيات الصغيرة التي اعتبرها كليات الدين وأصوله ومن تركها أو تهاون فيها " كفر "؟ ومن أحدث أمراً صغيراً كان أم كبيراً خرج من دائرة الإيمان ، ومن لم يحكم عليه بالكفر خرج هو الآخر من دائرة الإسلام ؟.
فهذا وأمثاله كثير ممن ينتمون إلي التنظيمات الإسلامية يبنون شرعية وجودهم ومنظومتهم الفكرية علي تكفير الحكام والمجتمعات ومن ثم قتالهم.
هؤلاء الذين ابتليت بهم مجتمعاتنا ممن يدعون رفع راية الدين ، والسعي لإقامة شرع الله وتوطيد نظامه في الأرض ؟ مثلهم مثل مجموعة أدخلوا غرفة مظلمة وطلب منهم وصف ما بداخلها ، وكان داخلها فيل ! فأمسك كل واحد منهم بجزء من الفيل ثم قام بوصفه علي أنه الفيل ! فلما أعياهم الأمر جاء أحدهم فأضاء شمعة فرأي الفيل !! فمتي تضاء هذه الشمعة لتبدد ليل هذه الظلمات والضلالات والانحرافات ، وهذا الركام الضخم من التصورات المنحرفة والأفهام المغلوطة والأفكار القاتلة ، ليري الناس من حولهم الإسلام علي حقيقته مجرداً من أي أيديولوجيات كثيرة تلتبست به ، وعدها أصحابها أنها هي الدين وهي الإسلام .