رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الإثنين 04/فبراير/2019 - 11:22 ص

الأبعاد الإنسانية بين الهبوط والصعود

الأبعاد الإنسانية
بقلم الدكتور حسام خلف الصفيحى
aman-dostor.org/17742

إن الله خلق الإنسان من طين ثم سواه ونفخ فيه من روحه، وبهذه النفخة العلوية رفع شأنه وأعلى قدره، وكان أمر الملائكة بالسجود له: "وإذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين"، وإضافة الروح إلى الله سبحانه- وهو مالكها وخالقها- تعتبر الإشارة الأولى إلى قيمة الانسان ومكانتها، أما الإشارة الثانية فتأتى عند الحديث عن المهمة التى سيكلف الله بها الانسان حين يخلقه، إذ يجعله خليفة فى الأرض يقوم بعمارتها والانتفاع بما فيها، وهى كذلك منزلة سامية ومكانة عالية.

لكن هذا الانسان الذى رفع الله شأنه وأعلى قدره قد يضل طريقه وينسى مهمته ويفقد بصيرته ويتغلب عليه شيطانه، فيهدم ما سبق أن بنى ويخرب ما سبق أن عمر، بل ربما راح يهدم وهو يظن أنه يبنى، ويسعى فى الخراب وهو يظن أنه يعمر.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الضياع الذى يصيب الانسان فيفسد عليه حياته الدنيوية والاخروية يقول الله تعالى:  "قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا"، لقد تعطلت وسائل الإدراك فيهم فأصبحوا يرون الأشياء على غير حقيقتها.. إن الانسان المصاب بهذا الداء يهبط عن مستوى الإنسانية، فإذا غلبته أدواؤه ازداد هبوطا حتى يتدنى شأنه وتهبط منزلته وتقوده شهوته.

وكلما خبث حركته الغرائز وانطلقت به إلى الدمار الذاتى والنفسى، حتى تصبح تصرفاته مثيرة للعجب ومدعاة للتساؤل، وحتى يقول العقلاء من الناس أهذا هو الإنسان الذى كرمه الله كيف هوى الى هذا المستوى؟

إن الهدف الأسمى فى أبعاد الإنسان  إلى الصعود، القضاء على كل عصبية، والدعوة للتعاون بين الناس، وقد نجحت فى مسعاها، فهؤلاء المؤمنون أخذوا بهذا البعد فتنوعت طبقاتهم واختلفت ألوانهم وتباعدت أعراقهم وأجناسهم وقومياتهم، ولكن البعد التصاعدى غيّرهم فألّف بين قلوبهم ووحد بين صفوفهم، فجمعت بين أبى بكر وعمر وبلال وصهيب وسلمان، هذا عربى وذاك حبشى وثالث رومى ورابع فارسى، وهم ما بين أبيض وأسود، ومن كان حرا ومن كان عبدا لقد زالت هذه الفوارق.

ومن الأبعاد الإنسانية التى تؤدى إلى الصعود تلك اللفتة الكريمة فى حق المرأة المرضع، فقد يستأجر بعض الناس امرأة ترضع لهم طفلهم، إن الإسلام هنا- تكريما لإنسانية هذه المرضع - لا يجعلها مجرد بائعة لبن وإنما يجعلها أما لهذا الرضيع تستحق ما تستحقه الأم من رعاية وبر وتكريم، بل ويجعل أولادها اخوة له من الرضاعة.

ومن الأبعاد الإنسانية التى تؤى إلى الصعود بالإنسان، تلك الوصية الشاملة برعاية كل أصحاب الحقوق، وهم كثيرون، بداية من الوالدين: "وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا"، ومرورا بالأقارب والجيران وإن لم يكونوا مؤمنين، وكذا اليتامى الذين فقدوا عائلهم، والمساكين الذين أسكنهم الفقر والعوز، وكذا الأضياف والرفقاء فى الحضر والسفر، والأزواج، وأبناء السبيل الذين انقطعوا عن مواردهم أو انقطعت عنهم مواردهم.

وتتسع الدائرة لتشمل الكبار والصغار والعلماء وأهل الفضل، قال الرسول: "ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه"، رواه الامام أحمد والحاكم.

إن الأبعاد الإنسانية التى تصعد بالانسان لهى كثيرة، فالرفق فى كل شىء والرحمة بكل الضعفاء.. إن الرحمة لهى صفة بارزة وخلق كريم فاضت على الإنسان والحيوان طمعا فى الحصول على الصعود، وهو مرضاة الله ورحمته، وليس الغرض للدنيا.

إن الأبعاد الإنسانية التى تصعد بالإنسان المسئولية الكاملة وليست مسئولية تخص فئة بذاتها ولا فردا بعينه، ولكنها مسئولية مشتركة بين جميع أفراد الأمة، يتحملها كل منهم على قدر موقعه وعمله واستطاعته.. كما أنه مطلوب من كل إنسان أن يدعو الى الله بقدر ما يحسن، وفى ذلك يقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "بلغوا عنى ولو آية"، جزء من حديث رواه البخارى.

وإذا شاع ذلك بين الناس انزوى المنكر والفساد، وانتشر المعروف والخير بين العباد، ونالت الأمة الفلاح والرشاد.

فعلى كل منا أن يصلح نفسه وأن يدعو غيره، وأولى الناس بدعوتنا وبرنا وحسن توجيهاتنا أهلنا الأقربون، أزواجنا، وأولادنا، حتى نصعد ونبعد كل البعد عن الهبوط.