رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
السبت 02/فبراير/2019 - 11:35 ص

الإسلام سبق كل المنادين بحقوق الإنسان

الإسلام سبق كل المنادين
بقلم زين عبد الحكم
aman-dostor.org/17665

من الملاحظ أن موضوع حقوق الإنسان قد أحدث فى الآونة الاخيرة لغطا كبيرا بين أطراف كثيرة ومتعددة، بل أصبح هذا الأمر مادة دسمة للطرح والنقاش فى مختلف الدوائر الإعلامية منها والسياسية، حتى فى علاقات الدول بعضها ببعض.

ويفاخر الغرب بأنه هو الأسبق من غيره فى تطبيق حقوق الإنسان والمحافظة عليها ومراقبتها، وأنه حامل لواء ذلك فى العالم كله، لذلك أعطى لنفسه الحق فى انتقاد ومحاسبة كل من يرى بأنه منتهك لتلك الحقوق .

هذا بالإضافة إلى الهيئات الرسمية وغير الرسمية، الدولية منها والمحلية، التى اشتغلت بهذا الأمر وجعلته إما مصدر رزق لها، أو سلاح يوجه للبعض حسب المصلحة أو ما تقتضيه أمور جُعلت فى ظاهرها الرحمة وفى باطنها العذاب.

الكل يتشدق بحقوق الإنسان، حكامًا ومحكومين، مفكرين ومؤرخين، كل حسب دوره ومقتضيات أموره، فهى سلعة واسعة الرواج فى هذا الزمان، يتسابق الكثيرون من أجل تصّدر مشهدها وقيادة أمورها .

وعندما ننظر إلى كل هؤلاء فإننا نرى أنهم جميعا يقفون فى مؤخرة طابور المناداة بحقوق الإنسان، حيث إن الدين الإسلامى قد سبقهم جميعا إلى هذا الأمر، وأرسى قواعده ووضع أساسه منذ آلاف السنين .

حيث كُرم الله، سبحانه وتعالى، الإنسان منذ أن خلقه، وهذا يتجلى فى قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـانَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [سورة التين:4]، ومعنى الآية أنه تعالى خلق الإنسان في أحسن صورة وشكل، منتصب القامة سوي الأعضاء، كما جعله خليفته فى الارض.

وزيادة فى التكريم، نفخ الله فيه من روحه، سبحانه، وأمر الملائكة بأن تسجد له، حيث قال تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَـٰجِدِينَ}،  وليس هذا فقط، بل فضل الله، عز وجل، الإنسان على سائر المخلوقات، حيث قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ وَحَمَلْنَـٰهُمْ فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَـٰهُمْ مّنَ ٱلطَّيّبَـٰتِ وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} (الإسراء:70)، هذا بالإضافة إلى أن الله سبحانه قد سخّر كل شىء لخدمة الانسان، قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلسَّمَـاواتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مّنْهُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَـاتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الجاثية:13).

وكفل الإسلام الكثير من الحقوق للإنسان، أولها حق الحياة وهو الحق الأول للإنسان، وبه تبدأ سائر الحقوق، وعند انتهائه تنعدم الحقوق، ويعتبر حق الحياة مكفولا بالشريعة لكل إنسان، ويجب على سائر الأفراد أولا والمجتمع ثانيا والدولة ثالثا حماية هذا الحق من كل اعتداء، ويتضح هذا فى قوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقّ} (الأنعام:151)، وهذا شامل لكل نفس حرّم الله قتلها من صغير وكبير وذكر وأنثى وحر وعبد ومسلم وغير مسلم .

كما أن حق الحرية من الحقوق التى حرص عليها الاسلام، فالإنسان المسلم له حقُّ الاختيار في السلطة التي تَحكمه، وما حدث في اختيار سيدنا أبي بكر الصديق خليفةً المسلمين الأول، وبيعته البيعة الخاصة والبيعة العامة، خير دليل على ذلك، كما أن هناك نوعًا آخر من الحرية التي يتمتَّع بها الفرد المسلم، وردت في آيات عديدة من القرآن الكريم، ويُطلق عليها الحرية الفردية، حيث يقول المولى عزَّ وجلَّ في كتابه الكريم: "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ"، وهذه الحرية لا فرق فيها بين الرجل والمرأة؛ مصداقًا لقول الله: "وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا"، كما أن حرية التعبير ومشاركة الرأى تتجلى فى الإسلام، فى قوله تعالى: "وأمرهم شورى بينهم"، وكان الرسول، صلى الله عليه وسلم، ينزل عند الرأى السديد من أصحابه فى كثير من الأمور، خاصة أمور الحرب، وأيضا يأخذ برأى زوجاته فى أمور تخص النساء عندما كان يُسأل عن تلك الأمور.

كما أن الإسلام كفل للمسلم وغير المسلم حق العمل، وبيّن أنه من حق ولى الأمر المتمثل فى الدولة أن تهيّئ لكل قادر على العمل عملا يُلائمه ويكتسب منه ما يكفيه ويكفي أسرته، وأن يتيسر له من التعليم والتدريب ما يؤهله لهذا العمل، حتى يؤدى بذلك للعامل حقه في تأمين نفقاته العائلية، وأن يُدفع الأجر المناسب له، وعلى قدر العمل بحيث يكفل له ولأسرته عيشة لائقة بكرامة الإنسان، فلا يجوز لصاحب العمل أن يبخسه حقه، ويغبنه في تقدير أجره الذي يستحقه نظير عمله، قال الله تعالى: "وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ"، وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره"، رواه البخاري. 

كما أن الملكية الفردية حق من حقوق الإنسان فى الاسلام، حيث تمتع الأفراد في الدولة الإسلامية بهذا النظام الفريد القويم، مسلمين كانوا أو غير مسلمين، حتى استطاعوا أن يتملكوا الأموال الكثيرة، وحتى كان المدعو "بختيشوع بن جبرائيل النصراني"، طبيب المتوكل الخليفة العباسي العاشر، يضاهي الخليفة في اللباس وحُسن الحال، وكثرة المال، وفي الوقت ذاته ينعم هؤلاء الأفراد بما تفيض به الملكية العامة وما تُوَفِّره لهم.. هذه هي حُرِّيَّة التملُّك في الإسلام، فهي حقٌّ مكفول للجميع، ولكن بشرط ألا يَضُرَّ هذا الحق بالصالح العامِّ، ولا بالمصلحة الفردية أو الشخصية للآخرين، حيث قال الله تعالى: "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ"، فالأنبياء الذين هم أفضل خلق الله قد عملوا، فقد عمل آدم بالزراعة، ونوح بالنجارة، وموسى بالرعي، وداوود بالحدادة، ومحمد برعي الغنم والتجارة. 

والإسلام أول من تكفل بذوى الاحتياجات الخاصة غير القادرين على العمل، حيث ضمنت قوانين التكافل الاجتماعي في الإسلام المواطن عند عجزه أو مرضه نصيبا من بيت مال المسلمين يكفيه، كما ضمن الإسلام للعامل حق رعاية أسرته بعد وفاته، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة ، اقرؤوا إن شئتم: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم}".

ومبدأ المساواة هو مبدأ ثابت فى الإسلام، تجلى فيه أعظم معنى لحقوق الإنسان فى المساواة بين البشر، فكان لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، والناس كلهم سواسية كأسنان المشط، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (سورة الحجرات 13). 

وساوى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بين الغني والفقير، وبين السيد والعبد في المسجد وفي الجلوس معه، وكانوا أمامه متكافئين في الدماء والأموال والحقوق.

فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "يد المسلمين على من سواهم تتكافأ دماؤهم وأموالهم، ويجير على المسلمين أدناهم ويرد على المسلمين أقصاهم"، وكان صلى الله عليه وسلم أول من ألغى التمييز العرقي، خاصة مع الزنوج أكثر المستضعفين في الأرض، فعن ابن عون قال: كلموا محمدا في رجل يعني يحدثه، فقال: لو كان رجلا من الزنج لكان عندي وعبدالله بن محمد في هذا سواء".

وحديث أبى هريرة الذى قال فيه: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم : "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".

ومن هنا نقول: إنه الاسلام هو الدين الذى سبق الجميع فى تطبيق حقوق الإنسان، وإذا كانت الأمم المتحدة قد وضعت الإعلان العالمى لحقوق الإنسان فى عام 1948م، أى منذ 71 عاما فقط،  وجعلته دستورا حقوقيا للبشر تلتزم به كل دول العالم، فإن الإسلام قد وضع دستورا لكرامة الإنسان وحريته وحقه فى الحياة منذ أكثر من ألف وأربعمائة عاما، هذا بالاضافة إلى الوثائق والمعاهدات التى عقدها الرسول، صلى الله عليه وسلم، ومن بعده أصحابه مع أطراف عدة، وأشهرها وثيقة المدينة، ووثيقة عمر بن الخطاب مع أهل بيت المقدس، ووصايا الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، لأصحابه قبل الذهاب إلى الحرب، كل هذه الوثائق والمعاهدات ما هى إلا بنود صريحة للمحافظة على حقوق الإنسان.