رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الخميس 24/يناير/2019 - 02:07 م

سوريا .. اللغز الحائر ؟!

سوريا .. اللغز الحائر
معتز محسن عزت
aman-dostor.org/17333

ماذا بعد قرار ترامب الملغز بترك سوريا ؟

هل هذا القرار هو نقطة الفصل لإنهاء المشكلة المزمنة التي بدأت في ورد الشام منذ مارس 2011 أم نرى في تفاصيله المختبئة من خلف مخالب النسر الأمريكي ، النوايا المبيتة لتصعيد الأمور أكثر مما هي عليه الآن ؟

إن البحث عن إجابات شافية وافية لتلك الإستفهامات لفي حاجة ماسة إلى القراءة الجيدة التي تنقصنا كعرب و هو ما لعبت عليه إسرائيل في وقت حرب الأيام الست كما صرح وزير دفاعها موشيه ديان بأن هزيمة العرب سهلة دون خوف أو تردد لأنهم شعب لا يقرأ.

بناءً على تلك الحالة الإسترجاعية لمعرفة جذور ما نعانيه الآن ، نستطيع أن نفند ما يدور في سوريا عبر حالتها المجهولة الآن ، حيث تناثر الأعداء داخليًا و خارجيًا كمرتع يحتل الأراضي التي شهدت أعظم الأحداث ، و استقبلت ميلاد أكبر الشخصيات التي سطرت لنا التراث الذي يتم محوه من ضمن تلك المقامرة اللاذعة عبر قوى الشر ما بين الداخل و الخارج.

أصبحت سوريا الآن أرض الألغاز بناءً على تلغيز قوى الهيمنة و السيطرة التي تدس نفسها وقت الإعلان الأمريكي للإنسحابسامحةً لها بنشر أذرعها الأخطبوطية على الكنز الإستراتيجي الذي وقف لإسرائيل وقت المقاومة الكبيرة لحزب الله في العام 2006.

من خلال تلك الميزة التي قدمتها سوريا للبنان و المقاومة الفلسطينية شعرت القوى العنكبوتية ، بمدى صلادة هذا الكنز في إجهاض حلم إسرائيل بإقامة مملكتها الكبرى حتى بعد إقتحام العراق من قِبل الغزو الأمريكي في العام 2003 بناءً على حلم بن جوريون بقوله:

(إن عظمة إسرائيل لا تنحصر في قوتها العسكرية و لا ترساناتها النووية بل في القضاء على ثلاثة دول عربية العراق ، سوريا و مصر).

كلمات كتبت من مداد أبو إسرائيل الحديثة في كتابه (الصراع العربي الإسرائيلي) الذي كتبه سنة 1955 مستشفًا من بعيد دون أن نداري على عيوبنا ما يمكن أن يفتت المنطقة من خلافات عرقية ، أيديولوجية و عقائدية و الذي تأكد في العراق و سوريا و أُجهض بمصر.

بدأت المؤامرة على سوريا من خلال أبناءها في العام 2011 ليتم إطلاق الضوء الأخضر لقوى الخارج بالإغارة عليها و جعل أراضيها تجعجع بلا طحين ، أي محاربة طواحين الهواء كملحمة (دون كيشوت) لسريفانتيس عبقري الرواية الإسبانية لتتكرر مأساة الأندلس و التي أسقطت قلعة الإسلام الفكرية و الحضارية لضعف أبناءها من الداخل.

الآن يستلهم ترامب إتفاقية (سايكس بيكو) مجددًا على الخارطة السورية مُشرذمًا قلعة العروبة الحصينة ليُسهل على أبناء صهيون حلم ، مملكتهم القديمة التي خطوها بمداد الحقد و الغل في كتبهم المزعومة بانين أمانيهم على دعم أقطاب الإمبريالية ، بريطانيا قديمًا و أمريكا حاليًا مع الدعم التركي الذي بدأ خفيًا و الآن أصبح جليًا لاتكاء أردوغان على ترامب حيث توحيد الهدف بين حلم القطبية و حلم الخلافة.

ما يتضح لنا ظاهريًا أن دولة الخلافة بتوقيع أردوغان قادمة على الحدود الشرقية مع سوريا ، تحت غطاء مطاردة الأكراد الذين يهددون الحدود التركية ، لكن باطنيًا يقوم أردوغان يتنفيذ لعبة المصالح المشتركة متجنبًا ما حدث لأجداده في الثورة العربية الكبرى التي تفجرت في العام 1916 عبر الرعاية البريطانية الممثلة في لورانس العرب و التي أدخلت تدريجيًا اليهود عبر الفيالق اليهودية الموجودة بجيوش الحلفاء في الحرب العالمية الأولى كتمهيد عملي لوعد بلفور المشئوم الذي صدر في نوفمبر من العام 1917.

قامت إتفاقية الأمس بخلخلة الخلافة العثمانية التي تستعيد أنفاسها من خلال التعاون مع من وئدوها في الماضي مما يثير الشكوك في تسرب فيالق إسرائيلية تحت عباءة القوى الداخلية و الخارجية المتناحرة في سوريا لإستيطان أراضيها و أركانها ، مع السعي للتوغل مستقبلاً في لبنان إن لم يتم تشكيل الحكومة المتعسرة التي تعاني الإرجاء و الإنشقاقات.

فليعلم الجميع بأن قرار الإنسحاب المصطنع سمح لتركيا بجرأة التعامل مع سوريا بإحياء داعش مجددًا من خلال الحيل الإستراتيجية و العسكرية كي تحيا عمرًا طويلاً ينعش الأنياب الشرسة لامتصاصدماء المنطقة كي لا تقوم لها قيامة مجددة ، ما دامت التناحرات قائمة و الصفوف مشتتة على العبثية عنوان العصر المتأزم.

تم إدخال تركيا في الساحة السورية لضرب من ضروب الثأر مما حدث في 30 يونيه من العام 2013 بإجهاض ركنًا من أركان الشرق الأوسط الكبير المتمثل في الإخوان الذين أبيدوا من قِبل الشعب الذي بتر إكتمال حلم بن جوريون الشيطاني.

بعد هذا الإستعراض السريع لملامح اللغز ، هل ستعود سوريا رغم ضبابية المشهد ؟
سوف تعود سوريا إن تم إعادتها مجددًا للجامعة العربية ، و سوف تعود منتعشة إن أنعشنا ذاكرتنا المهتزة من كثرة الضربات المتلاحقة و الصفحات المؤلمة من خلافاتنا التي لا تنتهي ، فإن طوينا الصفحات المتزاحمة بالصراعات و أعدنا الشام لمقعدها الشاغر فسيأتي الأمل على رحيق جديتنا المفقودة منذ عقود.

لذلك فلنبدأ بالخطوة الأولى التي تأتي بالآلاف لتحيا الشام و تبقى بأريجها الفتان الذي تغنى به الجميع حتى و لو في ظلال الرماد و الركام.