رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الإثنين 21/يناير/2019 - 10:28 ص

الحاجة إلى تطوير النظرية السياسية في الإسلام

الحاجة إلى تطوير
بقلم: أحمد حميدة
aman-dostor.org/17231

ثمة جهود بذلت في القرنين الثالث والرابع الهجريين لتحديد معالم "النظام السياسي الإسلامي"، وقد عمد بعض علماء الفقه الأصوليين، بداية من أبوبكر الباقلاني وانتهاء بأبي حامد الغزالي، إلى محاولة إحداث حالة نجاح لتطوير نظرية سياسية تتوافق مع معطيات الواقع، وتناسب الزمان والمكان، وقد أخذت هذه النظرية شكلها المتكامل في كتاب الاوردي "الأحكام السلطانية"، وبقيت هذه النظرية هي الأساس المرجعي لعدة قرون! لتحديد مؤسسات الدولة الإسلامية وطريقة إدارتها واختيار الرؤساء والولاة ونظام الحكم وإدارة الشئون، لكن تحت مطارق الفقه الكلاسيكي، التقليدي، وجموده وعدم تطوره وتجديده وتنقيته ومراجعته أدى إلى انهيار النظام السياسي!! ومع المد الغربي وتطور المجتمعات وتعدد المفاهيم وتجددها أدى إلى إحداث هزة قوية في قواعد الفكر الإسلامي والوعي التاريخي، وأصبح من الواجب إعادة النظر في كثير من ثوابت أسس لها الفقه الكلاسيكي، وإعادة البحث والنظر من جديد عن معالم نظام سياسي يكون مقبولا إسلاميا، قاعدته المواطنة الكاملة، يتوافق على وضع ملامحه العامة الجميع، وهذه الملامح تختزل ما يتفق على الجميع في سياق تعاطيها مع متطلبات المرحلة ويواكب هذا النظام المتغيرات التي برزت على الساحة السياسية نتاج التجربة الغربية، وتأثرت بهذه التجربة بعض العقول المفكرة المعاصرة في بعض المناطق المسلمة فأدت إلى دخول معطيات جديدة في دائرة الوعي، وقد أحدثت هذه المتغيرات تأثيرا بالغا في تطوير الفكر السياسي في بعض مناطق العالم الإسلامي، وأفرز هذا التأثير التمحور حول توجهات ثلاثة:
التوجه الأول: هو تبني معطيات التجربة السياسية الغربية بحذافيرها والرفض المطلق للتراث الفكري الإسلامي. 
التوجه الثاني: الدعوة إلى صياغة الحياة السياسية وفق نموذج الخلافة التاريخية.
التوجه الثالث: إدخال بعض التعديلات على النظرية السياسية التاريخية كي تكون أكثر استجابة للمتغيرات الاجتماعية والسياسية السائدة في العالم الآن.. لكن هذه التوجهات تفتقر جميعها إلى المنهجية العلمية، وإلى نظرية عصرية متماسكة تتوافق مع زمانها، وإلى تأخير مطرد يتسع لحاجات العصر ومتطلبات الدول والمجتمعات!!

• وللحق أقول، فإن التوجه الثالث هو بداية حقيقية لمحاولة تأصيل مدرسة في علم السياسة على قواعد إسلامية، لكنها لا تكفي، وتحتاج إلى مزيد من الدراسة والبحث والتنقيب والتوثيق والتنقيح للاستقرار على قاعدة ثابتة تجعل من الماضي مقيدا للمستقبل، بروح عصرية تستلهم ماضيها لصياغة وصناعة متستقبلها وحاضرها في ضوء السياسة المعاصرة وفق مناهجها وأدواتها.

ولتجاوز الخصوصية التاريخية للنظريات الفقهية الكلاسيكية، التقليدية، وتلافي القصور المنهجي المعاصر، والتأصيل لنظام سياسي يستمد من المجتمع الذي واكب بروز الفقه السياسي القديم، لأن من طرح نظرية عامة للنظام السياسي يتأسس الفعل السياسي فيها على منظومة تتألف من نوعين من المبادئ، الأولى: مبادئ مستقاة من الوحي، الثانية: مبادئ مستقاة من الخبرة التاريخية، فالأولى تتفيأ الضوابط والمقاصد والحكم، أما الثانية فتتفيأ تحديد الآليات السليمة والطرق الناجمة لتحقيق المقاصد وإعمال الضوابط.

فنصوص الوحي هي المصدر الأساسي للتنظير السياسي، وهي قاعدة اعتمدها علماء المسلمين الأوائل، لكن هذه المصدرية لا تعني بأي حال من الأحوال أن يقوم المنظر بانتفاء اتفاقي لنصوص مختارة تدعم مقولاته وأطروحاته ونظريته! ولا يقوم بلىّ أعناق النصوص لتوافق هواه! لكن لا بد من ارتكاز النظرية السياسية على منظومة من المبادئ والقواعد والأطر العامة تستخرج من النصوص من خلال عملية استقراء شاملة لكافة النصوص المتعلقة بالظاهرة محل الطرح والدراسة، يأتي بعد نصوص الوحي المعطيات التاريخية للخبرة الإنسانية، وهي مصدر مكمل لنصوص الوحي، وتستمد هذه الخبرة أهميتها من حقيقتين:

الأولى: إنها تمكنا من فهم المحتوى العلمي للمفاهيم والقواعد النظرية، لأن هذه المفاهيم العامة والقواعد السلوكية لا يمكن أن تظهر وتتضح إلا أن تكون مجسدة في سلوك إنساني.

الحقيقة الثانية: إنها تبين لنا حدود الفعل السياسي، وشروط تحقيق الأهداف والمقاصد، واتباع السنن والقوانين التاريخية التي تحكم تطور البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتحديد الوسائل والآليات الناجحة التي تنظم الحياة السياسية، إلا أن المؤرخين وفقهاء السياسة القدماء ومن المحدثين أيضا قد صبوا جل اهتمامهم على التجربة الراشدية بشكل خاص!.

وانحصر اهتمامهم في دراستهم لهذا النموذج على تحليل السلوك الفردي للصحابة عموما، والخلفاء الراشدين خصوصا! مع تجاهل تام للقواعد والمبادئ والقيم التي تأسس عليها الفعل؟! وفي الوقت نفسه آثروا أن يغضوا الطرف عن ظروف ومعطيات الحياة السياسية في عهد عثمان، وتحليل هذه الأزمة السياسية بين عناصر الأمة، أو عهد علي واشتداد الأزمة وتحولها إلى فتنة تتجرع مرارتها حتى الآن!!
ومما لا شك فيه أن الأمة الإسلامية لها خصائص أخلاقية وأنساق سلوكية تختلف عن غيرها من الأمم من حيث تكوينها وثقافتها وتصوراتها وعقائدها، فلا بد وأن يتأسس الفعل السياسي والنظام السياسي على القواعد الأخلاقية والقيم السلوكية لأبنهائها لكن هذا لا يعني أننا لا نعتبر بالخبرة التاريخية لبقية الأمم!!
فلا بد من دراسة الأنظمة السياسية والخبرات البشرية للأمم من حولنا، واقتباس النافع من أنظمتها السياسية والاقتصادية والإدارية والتنموية والحضارية.
وفكرة المقالة ومرجعها مستقاة من كتاب العقيدة والسياسة لمؤلفه: لؤي صافي.