رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قراءات
الخميس 10/يناير/2019 - 04:04 م

التطرف الديني.. رسالة الإمام جاد الحق علي جاد الحق إلى الشباب

الشيخ جاد الحق شيخ
الشيخ جاد الحق شيخ الأزهر الأسبق
محمد يسري
aman-dostor.org/16926

عندما يتحدث شيخ الأزهر عن التطرف، فلا بد أن تكون تحت يديه الأسانيد التي يمكن أن يبطل بها حجج المتطرفين، لأن ما يملكه يستند إلى الأرضية الدينية التي يحاول المتطرفون انتزاعها انتزاعا من سياقها، وإعادة إنتاجها بتوجيهات جديدة، وعندما يكون بين يديك رسالة بقلم الإمام الأكبر الدكتور جاد الحق علي جاد الحق- رحمه الله- كتبها في وقت من أصعب الأوقات التي مرت على مصر خلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، فلا بد أن تجد لديه الكثير.

تقع الرسالة في حوالي 56 صفحة من القطع الصغير، بعنوان "التطرف الديني وأبعاده أمنيا وسياسيا واجتماعيا" .

أسباب التطرف

في البداية يوضح شيخ الأزهر الأسبق: "إن ظاهرة العنف، وفرض الرأي بالقوة، والتحلل من القيود وترك القيم الأخلاقية والدينية، وقيام صراع مادي ومذهبي رهيب فيما بين المجتمعات، ومرجع الأمر في كل هذه الظواهر هو التغيرات الاجتماعية والفكرية والسياسية التي تتابعت خلال هذا القرن والقرون التي سبقته"

تيارات متناحرة


ويوضح شيخ الأزهر الأسبق- رحمه الله- أن هناك تيارين من التطرف لا يقل أحدهما خطورة عن الآخر، فيقول:

"إن من يتأمل حال بلادنا اليوم يجد تيارات متناقضة يموج بها المجتمع، وهي في ذات الوقت تتجاذب الشباب سعيا لاحتوائه حتى يفقد السيطرة على نفسه، فهذا غلو في الدين وتشدد في فهم أحكامه، وهناك تيار آخر قد تحلل من الدين وتشدد في فهم أحكامه، وذاك تيار آخر تحلل من الدين ومن القيم الأخلاقية.

ولا بد من مواجهة هاتين الظاهرتين أو التيارين معا، وذلك بالكشف عن مدى الخطر الذي يصيب الدين نفسه، ويضر بالأمة كلها من جراء الفهم الخاطئ للدين أو التحلل من تعاليمه السمحة الصحيحة، ولا بد كذلك من الكشف عن المفهوم الصحيح للتدين حتى يكون هذا المفهوم في صفائه ونقائه في ذاته وفي مصدره عامل جذب لكلا التيارين، ومصححا لمسيرتهما في الحياة".

التدين مطلوب والغلو مرفوض

ويؤكد- رحمه الله- أن التدين بمعنى الالتزام بأحكام الدين والسير على منهاجه أمر مطلوب ومرغوب فيه، ومحمود عند الله وعند الناس، يعود بالخير والفلاح على أصحابه وعلى المجتمع، وبهذا يكون التدين ظاهرة إيجابية طالما ظل في إطار من الفهم الصحيح السديد والتمسك الرشيد بالتعاليم الدينية والقيم الأخلاقية، مما يستوجب أن يؤيد ويدعم فلا يناهض ويطارد.

ومن ناحية أخرى، فإن الإغراق الشديد في الأخذ بظواهر النصوص الدينية على غير علم بمقاصدها وسوء الفهم قد يصل بالمرء إلى درجة الغلو المنكور في الدين.

الحروب العقائدية

ويضع شيخ الأزهر الأسبق يده على موطن الداء، وكأنه يعيش بيننا اليوم، فيقول:

"إننا في عصر شاعت فيه حروب العقائد والأفكار والإثارة، وخلق المذاهب والمتاعب بغية السيطرة على الشعوب، لاسيما الشباب، وذلك بوسائل علمية حديثة تسعى إلى التأثير على إرادتهم حتى يدمروا مجتمعهم.

إن إشاعة الفكر المسموم وإذاعته عبر قنوات الإعلام المختلفة من العناصر الهامة لظاهرة الإرهاب، التي من أول أهدافها إثارة الفزع والهلع، وتبني المذاهب والفكر المخرب الممزق للصفوف المستتبع للفرقة والتناحر.

هذا الفكر الذي يتبناه الإرهاب قد يكون منتسبا للدين، وقد يكون عقيدة درست ونسيت، فهو تيار يحيي الموات من الفكر العقدي ليثير الخلاف، ويوحي إلى أوليائه باتخاذ المندوب واجبا والسنة فرضا، حتى تثور الشرور ويستباح المحظور.

ولقد صار من شأن القائمين على هذه الحروب الفكرية والنفسية استخدام وسائل علمية حديثة تتخفى في صور مختلفة للتأثير في بناء الشعوب، قصدا للسيطرة عليها، وللإرهاب الذي يتخذ وسيلة لفرض النفوذ، وخلخلة الصفوف للتمكن من الغير، ثم التحكم في مصيره ثقافيا واقتصاديا أو سياسيا.

لا بد أن نعرف أبعاد الحرب السياسية والفكرية والاقتصادية الناشئة في العالم منذ سنين، حتى ندرك خطورة الحرب الفكرية الموجهة إلينا، عبر الأثير بالإعلام المرئي والمسموع أو المنكر المطبوع".

التطرف كل لا جزء

ويشدد شيخ الأزهر الأسبق- رحمه الله- على أن التطرف كل لا يتجزأ، وينبغي الوقوف ضد طرفيه معا لتتحقق الوسطية المنشودة، فيقول:

"هذه الجولة بين آفاق التطرف والإرهاب قد أوضحت أنه لا ينبغي التركيز على ما سمي بالتطرف الديني فحسب، وإنما يلزم دراسة التطرف الفكري بوجه عام.

والتطرف الديني بمعنى سوء الفهم للنصوص الذي يؤدي إلى التشدد أمر لا يقره الإسلام، وطريق الوقاية منه هو المزيد من الإيضاح لما يثار من قضايا، بالحوار المباشر أو بطريق الندوات الفكرية المذاعة والمرئية، وأن يباشر هذا الحوار المتخصصون في جو من الموضوعية بالقول الحسن والحجة الواضحة".

نماذج من التطرف في عصر النبوة

ويذهب شيخ الأزهر الأسبق- رحمه الله- إلى أن الغلو في الدين ليس أمرا مستحدثا، بل ظهر في القرون الأولى، بل وفي وجود النبي، صلى الله عليه وسلم، فيقول:

"ولقد مر بالأمة الإسلامية في ماضيها بعض واقعات التطرف الديني المتزمت، أو تلك التي أساءت فهما لنصوص الإسلام، بل كان سوء الفهم حتى في عهد الرسول، صلى الله عليه وسلم، كما جاء في السنة الصحيحة من حديث الثلاثة الذين ذهبوا إلى بيوت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يسألون عن عبادته، فلما أخبرهم بها عدوها قليلة، فلما التقى بهم الرسول، صلى الله عليه وسلم، أجابهم عما سألوا عنه، وعما عقبوا به، ثم أوضح لهم أن عمله في العبادة هو سنته التي ينبغي اتباعها ومن رغب عنها فليس من أتباعه.

وبهذا الجواب الواضح من الرسول، صلى الله عليه وسلم، في الحوار المفيد كان الاقتناع من أولئك النفر بالاتباع لا بالابتداع، وهذا ما ينبغي سلوكه الآن.

ولا يخفى أن العالم الإسلامي يموج بتيارات ونزعات مختلفة تحيا بها بعض المذاهب العقدية التي كانت قد انطمست، وبعض الآراء الفقهية المندثرة أو تلك التي لا تعتمد على دليل ملزم.

وإن تلك التيارات قد تتسرب إلينا بوسيلة أو بأخرى، وواجبنا حماية الشباب وحماية كافة أفراد المجتمع منها".

نصيحة للشباب

وفي الختام، يقدم رسالة للشباب فيقول:

"الإرهابي وصف يطلق على من يسلك سبيل العنف والإرهاب لتحقيق أغراضه، وفي ذم الإرهاب- بهذا المعنى- والتحذير من الوقوع في آثامه حتى لو كان على سبيل المزاح، ففي الحديث الشريف عن عامر ابن ربيعة- رضي الله عنه- أن رجلا أخذ نعل رجل فغيبها- أي أخفاها- وهو يمزح، فذكر ذلك لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: "لا تروعوا المسلم، فإن روعة المسلم ظلم عظيم".

وفي حديث آخر، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لمسلم أن يروع مسلما".

وفي حديث ثالث: "من نظر إلى مسلم نظرة يخيفه فيها بغير حق أخافه الله تعالى يوم القيامة".

وفي حديث رابع: "من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه، حتى ينتهي وإن كان أخاه لأبيه وأمه".

وذلك لأن الإسلام حرص كل الحرص في عقيدته وشريعته على أن تقوم العلاقات الاجتماعية بين الناس على المحبة والمودة والتراحم والتعاطف والتعاون على البر والتقوى والابتعاد عن الإثم والعدوان.