رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الثلاثاء 08/يناير/2019 - 09:41 م

الأديان الثلاثة في حاجة لتجديد الخطاب الديني وليس الاسلام فحسب !!!

الأديان الثلاثة في
بقلم الباحثة/ فاطمة حسين
aman-dostor.org/16879

تعلو الاصوات الداعية للعنف يوما بعد يوما ، وتقوي هذه الاصوات ويشتد عودها فى بيئة خصبة بالجهل والفقر والمرض ، فكلما زاد الجهل ـ كلما زاد العنف الفكري والتطرف ، وليس هذا فى ديناً واحداً بعينه ، وإنما فى لغة المتدينيين الاصوليين فى العموم على الثلاث أديان ، فالتطرف اليهودي بلغ ذروته فى اعتبار كل الأغيار – الغير يهوديين – هم أنجاس ويستوجب قتلهم ، وأن الرب حلّ فيهم كشعب الله المختار وأن فلسطين هى الأرض التي حلّ فيها الرب ولابد من أخذها ولو بالقوة ، ولو بطرد شعبها وهدم بيوتهم ، ولو بقتل وسفك الدماء .

وهذا الفكر المتطرف موجود فى المسيحية والمتمثل فى أصحاب الفكر اليميني المسيحي المتشدد فى امريكا ، واعتقادهم بأن العالم سينتهى بمعركة دموية وبالطبع يدعم هذا اليمين إسرائيل فى تطرفها الديني وتأثير هذا التطرف على تناول القضية الفلسطينية ، وتحقيق النبوءة التوراتية .

وحدث ولا حرج عن الفكر الاصولي الاسلامي المتطرف ، فأكم من أقوال الفقهاء الجامدة والتي تدعو لتكفير المجتمع واستباحة قتل الناس وداعش اليوم نموذجاً يكرر التاريخ أمثالهم كل يوم ..

ألا يكفى كل هذا الدمار والقتل باسم الرب وباسم الدين ، ألا يكفى فى تاريخ الانسانية هؤلاء الأطفال الذين يموتون جوعاً وقتلاً باسم الدين وباسم الرب .

إننا نعيش اليوم أسوأ عصور الإنسانية حيث الدمار والقتل ، والغريب فى الأمر عندما نقابل ناس ليس لهم أي علاقة بما يحدث ويؤيد من يقتل وهو جالس فى غرفته أمام صفحته الفيسبوكية ويرتشف قهوته دون مبالاة لخطورة ما ينشره من أفكار تساعد مرتكبي هذه الجرائم بمزيداً من القتل .


والسؤال الذي نرغب فيه : هل الرب سيكون سعيداً بهذا القتل باسمه ؟ كيف لله جل في علاه أن يسعد بالقتل وسفك الدماء ، كيف يتجرأ هؤلاء على النطق باسم الله ، ويتحول الدين إلى عصا يحركون بها الجمهور والغوغاء الجهلاء .


فمن ناحية أولى : نحن أمام حاجة ملحة لتجديد الخطاب الديني ، خطاباً يدعو إلى مزيداً من العيش المشترك وقيم السلام والتسامح ، تحتاج الانسانية لرسالة سلام ، وتجديد الخطاب اليهودي والمسيحي والاسلامي وبدلاً من تصاعد العنف ومقابلة العنف بالعنف ، بل مقابلة الفكر بالفكر ، والظاهر للكثير أن إعمال القوة للأقوياء ، لا بل إعمال القوة للضعفاء الذين لا يقدرون على مقارعة الفكر بالفكر وذلك لضعف حججهم ومنطقهم .

ومن ناحية ثانية : هناك مداخل عديدة فى القرآن والانجيل بعهديه القديم والجديد لقيم العيش المشترك والسلام نحن اليم بحاجة لترديدها على الآذان وتكرارها لفهم العقول المظلمة بظلام الجهل بالدين ورسالته ، فثقافة العيش الآمن هى التي تضبط علاقة الإنسان بعقائده وأفكاره ، بحيث لا تصل إلى مستوى التعصب المقيت الذي يقود صاحبه إلى سفك الدماء وانتهاك الأعراض باسم الدين والعقيدة .

ومعنى العيش المشترك : فالعيش لغة : العين والياء والشين أصل صحيح يدل على حياة وبقاء ، والعيش والمعاش والمعيش والمعيشة : ما يعاش به وما تكون به الحياة ، أما فى الاصطلاح : فالعيش الآمن هو القبول بالتنوع والاختلاف واحترام الخصوصيات بما يضمن وجود علاقة ايجابية مع الآخر ، بغض النظر عن عرقه وعشيرته ودينه وهويته وغير ذلك بما يحقق مجتمعاً آمناً مطمئناً .

فمن ناحية ثالثة : إن قيم العيش المشترك وقبول الآخر لا تعنى فقط احترام الآخر والاعتراف به ، وإنما هى أسلوب حياة تتأسس على نهج ديني معتدل ، ففي المسيحية كانت رسالة المسيح رسالة محبة وليس رسالة عسكرية ، والدخول فى عالم الملكوت الذي دعا إليه المسيح عليه السلام ليس لمن يحمل سلاحا ويسفك دما لاعلاء ملكوت الله على الارض فملكوت الله فى السماء فقط .

وكذلك فى الاسلام فكانت أهم بنود وثيقة المدينة المنورة التي حررها سيدنا محمد صل الله عليه وسلم ( وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين ، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم ) فالاسلام لا ينكر التنوع العرقي والثقافي والعقدي ، بل يعترف به سواء فى إطار الحضارة الاسلامية ، أو فى الدوائر الحضارية الأخرى يعترف الاسلام بهذا الآخر ويتعايش معه لا كمجرد واقع لا فكاك منه وإنما بعد هذا الاعتراف وهذا التعارف سنة من سنن الله عز وجل ، فالاختلاف هو إرادة تكوينية لخالق هذا الكون كله .

ولكننا على الجانب الآخر من الشاطئ نرى المتطرفون من كل دين صوتهم أقوى : فالايمان بعودة السيد المسيح وبأن هذه العودة مشروطة بقيام دولة صهيون ، وبالتالي تجميع اليهود فى ارض فلسطين ، لعب فى الماضي ويلعب اليوم دوراً أساسياً فى صناعة قرار قيام إسرائيل وتهجير اليهود إليها ومن ثم دعمها ومساعدتها ، وكذلك فإن الايمان بأن اليهود هم شعب الله المختار لعب فى الماضي ويلعب اليوم دوراً أساسياً فى إعفائهم من القوانين والمواثيق الدولية ذلك لأن منطق الصهيونية اليهودية – والصهيونية المسيحية معاً يقول إن شريعة الله هى التي يجب أن تطبق على شعب الله .

إن من يختار من المسيحيين مفهوم الشعب المختار ، يختار فى الوقت نفسه مفهوم الشعب الغير مختار ، لقد وقعوا المختار وغير المختار فى نظامهم الايماني الذي يدعو لوجود اليهود فى فلسطين ، وإن الذين يباركون إسرائيل يباركهم الله وإن الذين يلعنون إسرائيل يلعنهم الله ...

والأمر كذلك بذات الخطورة أيضاً عند الاسلاميين الأصوليين فيدعوا لأنفسهم أنهم أصحاب الرايات الالهية التي تحكم على الناس بمثياق الايمان والكفر ، ومن معهم فهو مؤمن ومن ضدهم فهو كافر ويوجب قتله ، ولا يخفي علي القارئ من قيام دولة باكستان فى ظل حرب عنصرية راح ضحيتها الكثير بين المسلمين والهندوس .

وأخيراً وليس آخراً : إننا اليوم بحاجة ماسة لخطاب ديني معتدل فى جميع الأديان ، فالله عز وجل لم يخلقنا بني آدم لكي ندمر بعضنا البعض ، وننهي حياتنا بأيدينا ولكن الله أراد لنا السلام والأمن ، وعبر فى كل كتبه المقدسة عن رسالة السلام العالمي لجميع بني البشر .