رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
السبت 05/يناير/2019 - 07:34 م

وفي ملء الزمان... ولد يسوع

وفي ملء الزمان...
لويس فهيم
aman-dostor.org/16787

كان انتماء يوسف خطيب مريم لبيت داود وبيت لحم يفرض عليه واجبا مدنيا بمناسبة التعداد الذي أجراه قيرينيوس حاكم سوريا.

وارتباط الفرد بموطنه الأصلي فى الشرق قوي جدا، وعند اليهود كانت القبيلة تنقسم الى عائلات كبيرة والعائلات بدورها تنقسم الى بيوت ابوية تتفرع مع الزمن فتهجر موطنها الأصلي الى مناطق أخرى ولكنها لاتنسى أصلها من حيث السلالة البشرية أوالموطن الجغرافي فيعرف كل فرد من هو الجد العاشر أوالعشرين لعائلته ومكان نشأته واقامته وكيف تشعبت هذه العائلة فهاجرت بدورها الى بلدان أخرى، وبناء على هذاالارتباط بالأصل والموطن أجرى قيرينيوس هذا الاحصاء.

وكان لزاما على يوسف أن يتقدم الى مكتب السجل المدني في بيت لحم. التي تقع على مسافة تسعة كيلومترات جنوب اورشليم. واسمها الأصلي بيت لحمو وهو اله بابلي كان يعبده الكنعانيون في تلك المنطقة. وبعد حلول اليهود مكان الكنعانيين تحول الاسم الى اللفظ العبري بيت لحم أي بيت الخبز واستقر فيها ابناء بيت افراته وسميت المدينة ايضا افراته وفيها ولد داود الملك من سبط يسى.

واذا كانت الناصرة قليلة الأهمية وقد أغفلتها المدونات القديمة فلم تكن بيت لحم أكثر حظا. وقد ذكر ميخا النبي منذ القرن الثامن قبل الميلاد بيت لحم على أنها اصغر عشائر يهوذا.

وكانت القرية بما يحيطها من اراض تأوي مايزيد بقليل على ألف ساكن أكثرهم من الرعاة وفقراء الفلاحين.

الا أنها كانت معبرا للقوافل التي تهبط من اورشليم الى مصر. والمسافة بين الناصرة وبيت لحم كانت حوالي 150 كيلومترا تقطعها القوافل في ثلاثة أو اربعة ايام.

وصعد يوسف من الناصرة الى بيت لحم مع خطيبته مريم وهي حامل ليكتتبا. وكان الاثنان قد قررا أن يستقرا بصورة دائمة في بيت لحم موطن بيت داود حيث بشر الملاك مريم أن الله سيمنح المولود منهاعرش داود أبيه.

وسبق أن أشار ميخا النبي الى بيت لحم الصغيرة كمهد لميلاد من سيكون متسلطا على اسرائيل.

وكان السفر مرهقا لمريم وهي في الشهر التاسع من حملها، فالطرق والمسالك وعرة، ومايزيد الأمر مشقة كثرة الوافدين الى بيت لحم للاكتتاب وأغلب الظن أن يكون الزوجان قد استخدما حمارا محملا بعتاد السفروقضيا ثلاثة الليالي أو الاربعة في ضيافة أسرة صديقة أو في أماكن الايواء العامة محاطين بأمتعة القوافل ودوابها.

وفي بيت لحم ازداد الأمر سوءا فقد شغل الوافدون جميع أماكن الايواء بما في ذلك الخان. وهو مكان استراحة القوافل، ولا يجب أن يتوارد الى الذهن أن الخان يشبه من قريب أو بعيد أصغر الفنادق في عصرنا. فهو لايزيد عن كونه مساحة مكشوفة متوسطة الاتساع يحيطها سورمرتفع ولها باب واحد.
وبطول السور أو جزء منه من الداخل تمد عقود يحاط بعضها بحوائط لتشكل حجرة واسعة تقا م في جوانبها حجرات أخرى صغيرة وبينما تتجمع الدواب وسط الساحة ياوى النزلاء الحجرة الكبيرة بقدر ماتتسع ويتوزع الباقون في الاماكن الخالية وسط الدواب. أما الحجرات الصغيرة فيشغلها من لديه من المال لدفع أجرتها، ووسط هذا التجمع من أناس وبهائم كان يتم كل شيئ من تجارة ومعاملات مالية وصلاة وانشاد ومأكل ومشرب وقضاء الحاجة.

وصل يوسف ومريم الى بيت لحم فلم يجدا لهما مكان في الخان وقد أوشكت مريم على الوضع. ولم يكن مستحيلا الحصول على استضافة في بيت أحد الأقارب ولكن هذه البيوت عادة ماتكون حجرة متسعة في الدور الأرضي حيث تنعدم الخصوصية بما لايناسب امرأة تنتظر مولودا بين لحظة وأخرى.. وهذا ماقصده لوقا الانجيلي بقوله " لم يكن لهما موضع.

و"حان وقت ولادتها، فولدت ابنها البكر، فقمطته وأضجعته في مزود".

والمزود يعني انهما أويا حظيرة والحظيرة تعني وجود مغارة محفورة في سفح هضبة على حدود القرية. وهذا يعني أن الزوجين البتولين قد دخلا أول مغارة وقعت عليها أعينهما. فلا وقت للاختيار، ولا بد أنها مغارة مظلمة كئيبة تشغل بعض الماشية حيزا منها، والمهم انها توفر لهما الخلوة المنشودة، وهذا يكفي.

واختار يوسف الركن الأنسب وهيأ بقدرماتوفر مضجعا من التبن والقش. وأخرج من كيس السفر ماتيسر من مستلزمات ومؤن رتبها حول المزود. هذا كل ماتوفر من وسائل الراحة لفقيرين مثلهما.

فالفقر والطهر رصيد ذلك الطفل المضجع في مزود، فقر أبيه الشرعي الذي لايملك من المال مايكفيه لاستئجار حجرة في الخان، وطهر أمه العذراء التي لاترجو سوى أن تتم ولادتها في خلوة وقورة.

ولد يسوع "فقمطته مريم وأضجعته في مزود"، دون معاونة نساء أخريات كما جرت العادة.

هكذا ولدت مريم ابنها البكر الذي بشرها الملاك أنه سيكون وريثا لملك داود أبيه. ولكن هذا الملك يختلف تماما عن غيره من الملوك، فالملك الجديد مملكته اسطبل وعرشه مزود ظللته شبكة من خيوط العنكبوت في سقف المغارة، وقد حل مكان البخور رائحة روث البهائم، أما حاشية الملك فرجل وامرأة بلا مال ولا مأوى.

ولكن علامات غير عادية صاحبت ميلاد وريث عرش داود. فالعائلة الملكية تتكون من ثلاثة أفراد أحدهم يمثل البتولية والثاني يمثل الفقر والثالث يمثل والبراءة والتواضع، وعلى بعد تسعة كيلومترات من هذا المكان كان هيرودس الملك يرتع في مظاهر العظمة والبذخ حيث لامكان للعذرية، والطهر والتواضع مستبعدان. وحل محل ذلك كله التآمر على حياة الأبناء والزنا والسفاح والسادومية،فالمملكتان تفصلهما هوة عميقة على صعيد المبادئ والقيم.

وكان لابد أن تقوم بتكريم وريث عرش داود حاشية من نفس مهنة داود الذي كان راعيا للاغنام، وكان الملاك قد أعلن أن المولود ابن العلي يدعى فكان لابد أن تحتفي به ايضا حاشية من السماء أرسلها العلي.

كانت بيت لحم برية مهملة يستغلها الرعاة في رعي أغنامهم، والمواشي القليلة التي يمتلكها أهل القرية تأوى في الليل المغارات المحيطة بينما تبقى أغلب الأغنام في الخلاء يحرسها الرعاة، ذلك كان الحال خلال الليل والنهار صيفا وشتاء،ولهؤلاءالرعاة سمعة بالغة السوء بين الفريسيين والكتبة، فحياتهم في تلك الأحراش حيث ندرة الماء تجعلهم محرومين من تنفيذ فريضة التطهر بغسل الأيدي وأواني الطعام واختيار الأطعمة طبقا للشريعة.

فهم يمثلون بالدرجة الأولى"شعب الأرض" وهي التسمية التي أطلقها الفريسيون على من ليس منهم من اليهود وهم موضع ازدراء واحتقار. كما ان هؤلاء الرعاة في نظرهم لصوص ينصح بعدم التعامل معهم وعدم شراء مالديهم من البان وأصواف باعتبارها اشياء مسروقة. ولاتقبل شهادتهم في المحاكم كما اللصوص وقطاع الطرق. وهم بدورهم وبحكم معيشتهم ذوو جلد أقوياء متحفزون وقد لايترددون في تحطيم رأس فريسي أو كاتب يحاول تشكيك ضمائرهم.

ولكن هؤلاء المنبوذون المبعدون عن ساحات المحاكم قدر لهم أن يدخلوا ضمن الحاشية الملكية للملك المولود بدعوة من الحاشية السماوية المرسلة من العلي.

وتبث الأناجيل الرواية حية مضيئة: " فحضرهم ملاك الرب وأشرق مجد الرب حولهم، فخافوا خوفا عظيما. فقال لهم الملاك "لاتخافوا هااني أبشركم بفرح عظيم يكون فرح الشعب كله. ولد لكم اليوم مخلص في مدينة داود، وهو المسيح الرب.

واليكم هذه العلامة: ستجدون طفلا مقمطا مضجعا في مزود". وانضم الى الملاك بغتة جمهور الجند السماويون يسبحون الله فيقولون:" المجد لله في العلى والسلام على الأرض للناس فانهم أهل رضاه".
ويدل المشهد على أن يسوع ولد ليلا حبث ظهر الملاك للرعاة ليلا.

وبعد تمجيد الله في العلى اعلن الملائكة السلام على الأرض.

صحيح أن السلام كان يعم الامبراطورية الرومانية ولكنه سلام هش لن يمتد لفترة طويلة اختار المسيح الرب، الماسيا المنتظر أن يولد فيها، ولكن سلام الماسيا الذي أعلنه الرعاة سلام مرتبط بشرط جديد.

بينما سلام تلك السنين القلائل منوط بالامبراطورية الرومانية وتسهر على توفيره 25 فرقة عسكرية ستكون غير قادرةعلى تأمينه، فان سلام المسيح منوط برضا الله.

فالذين سينعمون بالسلام هم المستحقون لرضا الله نتيجة أعمالهم الصالحة. فهؤلاء هم "صانعوالسلاام" اوهم بنوالله يدعون.

أدرك الرعاة بعد بشارة الملاك لهم أن الماسيا المنتظر قد ولد. كانوا أناسا بدائيين أجلافا ليس لديهم معرفة بعلوم الفريسيين المعقدة ولكنهم كاسرائيليين بسطاء كانوا على علم بالماسيا الذي وعد به الأنبياء.

ولا بد أنهم تبادلوا الحديث كثيرا عن ذلك خلال سهرهم ساعات الليل حول قطيعهم، والرعاة هنا في مغارات البرية الواسعة هم في بيئتهم الطبيعية، وكم من مرة لجأوا اليها هربا من المطر والبرد.

وقد يكون بعضهم آوى امرأته احدى تلك المغارات لتضع مولودها في مزود، وقد علموا من مصدر لاغش فيه أن الماسيا المولود هو في نفس بيئتهم ونفس حالتهم. لذلك هرعوا مسرعين،كمن يرتاح الى شيئ قريب الى قلبه، وقد يمتنعون عن الذهاب الى قصر هيرودس لو أن المسيح ولد فيه.

ووصلوا الى المغارة فوجدوا مريم ويوسف والمولود. وعاينوا في دهشة دون أن يطلبوا شيئا أو يعطوا شيئا، ثم عادوا الى قطيعهم مسبحين ممجدين الله على كل ماسمعوا ورأوا". " وكانت مريم تحفظ هذه الأمور وتتأملها في قلبها".

واصبح ميلاد يسوع بداية للتاريخ ومحط أنظار العالم. 

وفرحا عظيما لجميع السكونة.