رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الأربعاء 02/يناير/2019 - 10:44 ص

قسم الأخوات.. ما بين التطرف الفكرى والسلوك العدوانى

قسم الأخوات.. ما
دينا محسن
aman-dostor.org/16671


لابد من إطلاق العنان للمرأة المصرية لتقود الحراك الفكرى ولتعد ولتنهض من حقبة الاضطمحلال إلى هالة المستقبل المضئ

لقد كافحت المرأة المصرية عبر عقود طويلة وواجهت الاستعمار وانخرطت فى أتون معارك التغيير، ساهمت فى معارك البناء والإنتاج وامتد نضالها ليربط بين قضايا المجتمع بشكل عام وقضايا النساء والفتيات بشكل خاص، فالنساء مُكوّن أساسى فى مشهد الحركة الاجتماعية وحركة تغيير المجتمع التى لا تنقطع، إلا أن هناك تغيّر تاريخى ومفصلى شاب وشوّه تلك الحقبة المضيئة، حينما تسرطنت أفكار وأدمغة مجموعات نسوية من داخل النسيج النسوى المصرى بأفكار مستوردة، وحاول ذلك السرطان والفيرس التغلغل فى باقى أرجاء الفكر الجمعى النسوى واصطياده بسهام مسمومة، لكن كانت هناك دومًا حوائط صد وطنية وجدران مانعة تحول دون انتشار تلك الأمراض العابرة للحدود والبحار والقارات، ألا وهى الوعى المستنير والجين الحضارى المتأصل فى تكوين المرأة المصرية العاقلة الناضجة المتزنة الواعية.

وتعتبر الفترة فيما بين 1923- 1939 م المرحلة الأولى من الحركة النسوية فى مصر، حيث شكّلت الزعيمة السابقة للجنة المرأة بحزب الوفد " هدى الشعراوى " الإتحاد النسوى المصرى، وقد أدى ذلك لاشتراكها فى مؤتمر نسوى دولى بروما، ومنذ عودتها قامت مع نبوية موسى وسيزا نبراوى ومجموعات نسائية أخرى بحراك تنويرى ضد حِراك الظلام والتخلف الذى كانت تقوده جماعة المرأة داخل تنظيم الإخوان المسلمين أو ما كان يُطلق عليه قسم "الأخوات ".

كرّس الاتحاد النسوى المصرى نفسه لخدمة قضايا التعليم والرفاه الاجتماعى وإحداث تغييرات فى القوانين المجحفة، وإحداث تطوير كامل وشامل فى مفاصل حركة الفكر وتوعية النساء وتحريرهم من قبضة السلطة الذكورية المتسترة خلف غطاء الدين والسلطات الربانية التى يحمل مفاتيحها الرجال.
واعتبر الاتحاد أن المشاكل الاجتماعية فى مصر كالفقر والدعارة والأمية والحالة الصحية المتردية ليست ناتجة عن خلل اجتماعى اقتصادى بعينه، ولكن بسبب إهمال الدولة العثمانية الحاكمة فى ذلك الوقت لمسئولياتها تجاه شعبها، بجانب بعض المفاهيم الخاطئة التى كانت شائعة فى المجتمع المصرى آنذاك والتى كانت ناتجة عن ميراث من العادات والتقاليد المتوارثة دون وعى ودون مواكبة التطور العالمى، وقد رأى الاتحاد أن على الدولة مسئولية تجاه حفظ أخلاق الشعب تمامًا كسعيه لتحقيق الرفاه دون النظر لفكرة ماهية الدين.

بدا ذلك واضحًا فى مجلة L'Egyptienne (المصرية) النسوية التى أصدرها الإتحاد فقد كانت تُكتب وتُنشر باللغة الفرنسية، وكانت الجريدة متاحة فقط للمصريين المتحدثين باللغة الفرنسية، والذين كانوا فى الأغلب من الطبقات العليا، ورغم ذلك فقد كانت القضايا التى تُناقش فى المجلة تتضمن الإصلاحات تجاه المرأة والتى أثرت على النساء المصريات والإسلام، ونصت محررة المجلة " سيزا نبراوى " عام 1927 م على " أننا النسويات المصريات، نحترم ديننا بشكل عميق، وهدفنا أن نراه يُمارس بروحه الحقيقية "، ثم صدرت بعد ذلك جريدة أخرى عام 1937 م وسُميت بـالمصرية لتكون منبرًا باللغة العربية موجهة لجموع النساء المصريات.

فى حين أنه تم عرقلة صعود نجم النسوية فى مصر نظرًا للتوجهات النخبوية والتحيزات الطبقية المتبقية لديها، فلم تكن النسوية ممثلة بشكل منصف للقطاع العريض من النساء المصريات، حتى إنه يُرى أن الحركة النسوية (اتبعت الممارسات السياسية لغالبية الأحزاب فى مصر فيما بين العشرينات والثلاثينات، والتى اعتبرت السياسة امتيازًا للنخبة المتعلمة)، فقد بدأ النشاط النسوى فى التباطؤ نظرًا للمناخ السياسى والنقد الذى زاد تجاه الحركة. وأثناء الثمانينات تكونت مجموعات نسوية جديدة لمواجهة الأصولية الدينية مثل حركة " المرأة الجديدة " فى القاهرة، والتى ركزت على دراسة التاريخ النسوى للبلاد بهدف تحديد برنامج جديد لإتخاذ آخر ما توصلت له الحركة النسوية كنقطة انطلاق جديدة، وتشكلت منظمة أخرى وهى " لجنة الدفاع عن النساء وحقوق الأسرة " عام 1985 م، حيث تكونت تلك اللجنة بهدف دعم حملة تعديل قانون الأحوال الشخصية.

من هنا نجد بدء الحِراك المستتر تحت غطاء الدعوة الدينية من قِبل قسم المرأة داخل تنظيم الإخوان المسلمين أو ما يُطلق عليه " جماعة الأخوات " التى بدأت فى حمل راية العصور الظلامية، وقد تم تجنيدها من أجل طمس هوية المرأة المصرية العظيمة التى امتدت قوتها لتقود نساء الإقليم فى حقب تاريخية سالفة، ثم بدأ التمويل البريطانى والعثمانى يتوغل داخل رقع الشطرنج التى كان يراهن عليها قادة التنظيم فى استقطاب العديد من النساء الفقيرات التى لم تكن تملك من الوعى حظًا وافرًا لتجابه به تلك النسوة التى أصابها شره الطاعة العمياء للقائد الأعلى للتنظيم " المرشد العام ".

بدأت جماعات الأخوات المشاركة فى التنظيم من خلال أعمال متنوعة " كالكتابة والصحافة والدعوة والتبشير والتجنيد وتعليم القرآن "، واقتصر الأمر على ذلك حتى بعد فترة الثمانينيات وحتى أواخر التسعينيات، ولكن نجد أن مع بداية القرن الحادى والعشرين تحولًا جذريًا فى عقيدة وممارسات الأخوات السياسية والفكرية والدينية، فلأول مرة يتم الدفع بالأخوات داخل المجرى السياسى لتقوم بمناحرة النساء المعتدلات المتنورات الوطنية داخل الأحزاب والبرلمان والمجالس المحلية ووسائل الإعلام والتمثيل الدولى والدبلوماسى، وكان هذا لافتًا للنظر، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل أصبح هناك ترويج لفكرة الأخوات المثقفات من خلال الإنتاج الأدبى الغزير الذى بدأ يٌطل علينا من خلال دور الطباعة والنشر والتوزيع التابعة لتنظيم الإخوان ليس فقط داخل مصر، بل وخارجها أيضًا.

وخلال عقود سريعة ليست بالكثيرة رأينا تحولًا دراماتيكيًا فى فكر وسلوك الأخوات، تحول التطرف الفكرى تدريجيًا لمسلك عنيف يعتمد على استخدام الجسد وليس الفكر فقط، ليتحول بذلك الفكر المتطرف إلى سلوك عنيف مفاجئ يصعب السيطرة عليه، حيث كانت بداية بذرة العنف مع فكرة استخدام التنظيم الإخوانى المرأة كدروع بشرية للتمويه فيما يخص العمليات الإرهابية النوعية التى يقومون بها ضد قوات الشرطة والجيش، ليس هذا فقط بل لأول مرة تحمل سيدة مصرية حزامًا ناسفًا لتفجر به نفسها، وعلى الجانب السياسى نجد لأول مرة مسيرات ومظاهرات تنظمها وتقودها وتدافع عنها الأخوات، ولأول مرة نجد مجموعات منظمة من الطالبات الأخوات تقوم بضرب أستاذة جامعية تحت منزلها ضربًا مبرحًا ذلك فقط لأنها اختلفت فكريًا مع الأخوات، وهناك العديد والعديد من الحوادث الفردية والجماعية التى تعتبر مؤشرًا خطيرًا على تحول النهج الفكرى المتطرف إلى عنف سلوكى ممنهج يكسر قواعد القانون والدولة، ويرسخ لفكر قديم بات منتهيًا صلاحيته بحكم التطور والتحديث ألا وهو فكر العصابات والهمجية المنظمة والعشوائية الجماعية.

جاءت ثورة 25 يناير لتؤكد على فكرة التغيير إلى الأفضل ولكن لسوء الحظ أن من اقتنص الثورة وتكالب عليها كان ذلك التنظيم الدموى الرجعى المتحالف مع الشيطان من أجل مصالحه الذاتية مصالحه فقط، وبدأ التمويل ينهال عليهم من كل حدب وصوب وكانت النسبة الأكبر تأتى من الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا وقطر، وبدأت الأخوات فى تنشيط أنفسهن وفق الأوامر العليا التى كانت تأتيهن من المرشد قائدهم، ورأينا كل ما رأينا من مظاهر رجعية وتطرف حتى قالت المرأة المصرية الناضجة الوطنية الأصيلة كلمتها بعد عامين من الفوضى الفكرية والسلوكية والأخلاقية، وكانت ثورة 30 يونيه نموذجًا لتجلى إرادة الشعب المصرى كافة والمرأة المصرية خاصة التى قادت المسيرات السلمية ضد التطرف والرجعية، ليذهب التنظيم ولتذهب الأخوات إلى حيث اللارجعة بين جموع الشعب، ولكن يبقى الخطر كائنًا طالما أنه لم يتم استئصال الجذور كلها من منبتها وطالما أن آلة ضخ الأموال مازالت تعمل فى الخفاء...

لذا وجب التنويه على أن الحل الأمنى والمخابراتى وحدهما لم يعدا كافيان، وأن الحل الأمثل هو مواجهة الفكرة بالفكرة والحجة بالحجة، وأن رفع راية التنوير هو بمثابة درع الحماية للنسوة المصرية، لابد من إطلاق العنان للمرأة المصرية لتقود الحراك الفكرى ولتعد ولتنهض من حقبة الاضمحلال إلى هالة المستقبل المضىء.