رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
تقارير وتحقيقات
الثلاثاء 01/يناير/2019 - 12:25 م

القضاء العراقي يعلن "الدكة العشائرية" عملًا إرهابيًا

القضاء العراقي يعلن
عمروعبد المنعم
aman-dostor.org/16651

أنهي القضاء العراقي باب النهاية لإحدى العادات القبلية التي شكلت تهديدًا لأمن المجتمع، بعد أن اعتبر "الدكة العشائرية" فعلا إرهابيا يحاسب عليه بموجب قانون مكافحة الإرهاب.

لكن ما هي "الدكة"؟.. هى عمل يتلخص بقيام أفراد من عشيرة معينة بتهديد مواطن من عشيرة أخرى، من خلال إطلاق أعيرة نارية على منزله، كتحذير شديد لدفعه إلى الجلوس والتفاوض لتسوية الخلاف بينه وبين عشيرة أخرى، وفي حال عدم موافقة الطرف المستهدف، تتطور الأمور لتؤدي إلى وقوع ضحايا من الطرفين.

وأخذت "الدكة العشائرية" منحىً خطيرًا بعد أن انتشرت في المدة الأخيرة بشكل غير مسبوق، إذ لم يعد هذا العمل مقتصرا على إطلاق نار فقط، بل وصل مرتكبوه إلى استخدام أسلحة متوسطة، كالرمانات والقاذفات المضادة للدروع، ما أدى إلى سقوط ضحايا وقتلي جراء هذه الأعمال.

وطالب عدد من القيادات الأمنية، القضاء، بإبداء رأي بشأن تشديد عقوبة المتهمين بهذه الأعمال، وبانعقاد جلسة مجلس القضاء الأعلى الدورية، أصدر قراره الفصل باعتبار "الدكة العشائرية" إرهابًا وفق المادة الثانية من قانون مكافحة الإرهاب رقم (13) لسنة 2005، التي تنص على أن "التهديد الذي يهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس، أيًا كانت بواعثه، يعد من الأفعال الإرهابية".

أجتماع القضاه والداخلية
أجتماع القضاه والداخلية للقضاء علي الدكة

قانون لمواجهة الدكة العشائرية 

وتوّج هذا القرار سريعًا باجتماع لعدد من القضاة العراقيين مع قيادات وزارة الداخلية، وبحضور وكيل وزير الداخلية لوضع آلية تطبيقه، وبجهود قضائية استثنائية، وبالتنسيق مع الأجهزة الأمنية، نفذت أغلب قيادات العمليات عددا من أوامر القبض بحق من خالف القرار.

هذا ما أعلنت عنه محكمة الاستئناف العراقية أثناء نظر أقوال (44) متهما بالـ"دكة العشائرية"، وفق المادة الثانية من قانون مكافحة الإرهاب، ما أفضى إلى انحسار هذه الأعمال هناك بصورة كبيرة، وصلت إلى نسبة الـ90%، حسب القاضي سعد سبهان.

وقال سبهان، وهو قاضي أول محكمة تحقيق، إن "أعمال الدكة العشائرية انخفضت إلى نسبة 90% في مناطق من المحافظة وانقضت نهائيا في أخرى، إذ صدقت محكمة تحقيق العمارة وحدها أقوال (30) متهمًا، وأصدرت (17) أمر قبض".


وفيما نوه بأن "محافظة ميسان شهدت مثل هكذا أعمال بكثرة كونها أكثر محافظات العراق التي تصطبغ بالطابع العشائري"، أشاد بقرار مجلس القضاء الأعلى و"التكييف الجديد الذي أصدره ودور الأجهزة الأمنية في تطبيقه لما حققه من نتائج مرضية على أرض الواقع".

وبدا الحماس واضحًا على الأجهزة الأمنية وقيادات وزارة الداخلية العراقة لتطبيق القرار، كما أكد المتحدث الرسمي لمجلس القضاء الأعلى، القاضي عبدالستار بيرقدار، في تصريحات إلى الصحف العراقية، الأسبوع الماضي، الذي حضر اجتماعا للقضاء ووزارة الداخلية لتحديد آليات التنفيذ.

ويقول بيرقدار لـ"القضاء": "تلمسنا في الاجتماع حماس واستعداد قيادات وزارة الداخلية لتطبيق هذا القرار، إذ جرى خلال الاجتماع الاتفاق على تحديد مراكز معينة لإيداع المتهمين بعيدا عن مراكز الشرطة في المناطق للتخلص من الضغوط التي يمكن أن تؤثر على سير التحقيق".

العشائر تتفاوض بعد
العشائر تتفاوض بعد الدكة العشائرية

القانون يدخل حيز التنفيذ

وأضاف بيرقدار: "جرى التأكيد على الأجهزة الأمنية بإلقاء القبض مباشرة على من يقوم بهكذا أعمال، دون الحاجة لإصدار أمر قبض، باعتبار الدكة من الجرائم المشهودة"، لافتا إلى أن "سبب إصدار مجلس القضاء الأعلى قراره بتحويل تكييف جريمة التهديد بالدكة العشائرية من المادة (431) من قانون العقوبات إلى المادة الثانية من قانون مكافحة الإرهاب، هو تنامي هذا النوع من الجرائم في الآونة الأخيرة، ومطابقة التكييف الجديد لنص المادة الثانية من قانون مكافحة الإرهاب".

واضاف بيرقدار أن "التكييف وفق قانون مكافحة الارهاب تترتب عليه آثار عدة، ضمنها عدم إمكانية تكفيل المتهم، كما اعتبرها جريمة مخلة بالشرف، وقد يصل حكمها إلى الإعدام"، لافتا إلى أن "قانون مكافحة الارهاب يعامل كل من شارك وحرض على الفعل معاملة منفذ الفعل، إضافة إلى شمول القانون كافة الأعمال التي تثير الفزع في نفوس المواطنين، بضمنها الكتابة على جدران المنازل بعبارات التهديد، وكل من شارك بالفعل الإجرامي".

وتابع المتحدث الرسمي أن "الأرقام الواردة إلى مجلس القضاء الأعلى أكدت انحسار هذه الظاهرة الجرمية بشكل ملحوظ بعد صدور القرار".

التهديد فعل إرهابي
التهديد فعل إرهابي

الفعل الإرهابي

في بغداد، أكد من جانبه أحمد الميراني، قاضي تحقيق المحكمة المركزية، أن "أغلب مناطق العاصمة انخفضت فيها أعمال الدكة العشائرية بعد صدور قرار مجلس القضاء الاعلى باعتبار هذا العمل إرهابا".

وأوضح الميراني أن "هذه الجرائم تعتبر ضمن الجرائم المشهودة، وللقوات الأمنية إلقاء القبض مباشرة على كل من شارك في العمل"، لافتا إلى أن "هذا الإجراء يشجع المواطن المجنى عليه على تحريك الشكاوى دون تردد أو خوف من التهديدات، إضافة إلى قيام المواطنين فعليا بتقديم شهاداتهم بصورة طبيعية، ما أنتج إجراءات تحقيقية سريعة لإحالة هذه الدعاوى إلى المحاكم المتخصصة"، لافتا إلى أن "القرار أعطى أفراد الأجهزة الامنية القوة الكافية لفرض القانون على أيٍّ كان، وإبعادهم عن كل الضغوطات التي تقع عليهم من بعض دخلاء العشائر".

وكشف قاضي تحقيق المحكمة المركزية عن أن "معلومات استخباراتية دقيقة أكدت، في الآونة الأخيرة، انتشار مكاتب تتاجر وتتسلم أموالا مقابل قيامها بتهديد أحد ما أو دك منزله لغايات محددة"، مؤكدا أن "العشائر العراقية الأصيلة لا تقوم بهذه الأعمال الإرهابية، وأنها عشائر ذات تقاليد وعادات أصيلة".

اسلحة الدكة العشائرية
اسلحة الدكة العشائرية

فعل التهديد لا يختلف عن عمليات الإرهاب 

وبالحديث حول الدعم والتأييد الوارد إلى قرار مجلس القضاء، من جانبه أفاد القاضي بيرقدار بأن "المرجعية العليا في النجف أعلنت تأييدها قرار مجلس القضاء، وإنهاء ما يسمى بـالدكة، ونعتتها بالعرف السخيف، كما وردنا بالوثائق تأييد أغلب محافظات العراق وعشائره الاصيلة هذا القرار، معتبرين إياه الخطوة الجادة على طريق تعديل وتشذيب العادات العشائرية، وتوجيهها نحو الأفضل".

الدكة العشائرية لا تختلف كثيرا عن أعمال التهديد التي تقوم بها بعض العصابات الإجرامية، سواء لبعض المسئولين أو ما يطلق عليه البعض "القاتل المأجور المحترف"، الذي ينفذ بعض أعمال الثأر والانتقام لصالح أطراف أخرى تعمل من أجل المال والنفوذ.