رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الإثنين 31/ديسمبر/2018 - 02:47 م

كيف بنى المسلمون مجدهم

كيف بنى المسلمون
بقلم الدكتور حسام خلف الصفيحى
aman-dostor.org/16627

ذكر التاريخ فى أنصع صفحاته ذلك المجد الذى بناه المسلمون فى مطلع فجرهم ومشرق شمسهم. وكتب بمداد العجب والفخار عن تلك الهمم العلياء التى دفعت بالمسلمين الى جوب البقاع والوهاد وطى المهامة والفيافى واخضاع الممالك المترامية الأطراف فى أقل من ربع قرن من الزمان.

ولقد بينت الحوادث الخالدة أن ذلك المجد لم يكن وليد الحظوظ ولم تسقه المصادفات ولكنه كان محفوفا بكثير من المخاطر مقرونا بشتى المتاعب والمصاعب.

ولو لا الثقة بالنفس والاستهانة بالحياة لوقف المسلمون حيث بدءوا وماتوا حيث ولدوا وبادوا حيث وحدوا.

واذا كان الانسان كبير النفس وثابا الى المعالى فأنه يحلق فى الأفاق بأجنحة من الفخار ويبنى مجده على هامة الوحود.

اعتقد المسلمون فى مبدأ أمرهم أنهم خلقوا للكفاح والعمل وان الدين يتقاضاهم واجب الدفاع عن الوطن فهبوا عاملين لا يرهبون الموت ولا يتهيبون المنايا ولا يحرصون على البقاء حتى حققوا المجد العريض وأدركوا الشرف الرفيع.

لقد أحبوا الموت فوهبوا الحياة وباعوا القليل بربحوا الكثير وهجروا الأكواخ فسكنوا القصور وشقوا زمنا قليلا فسعدوا دهرا طويلا وذلك شأن العاملين ومأل المخلصين ونهاية العاملين.

ذلك كان شأن المسلمين أيام كان المسلم يعلم عليه واجبات يتقاضاها منه ربه ودينه ووطنه وأمته فيبادر الى قضائها مبادرة الظامىء الى ورد الماء ويندفع الى أدائها اندفاع السيل فى مجراه والسهم صوب مرماه.

كانت النفوس اذ ذاك ملتئمة والقلوب متصافية والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا فعلا شأنهم ونبه ذكرهم واستقام أمرهم وتلفتت نحوهم الأبصار والعيون وتضفى عليهم الاكبار والاجلال.

مضى ذلك العصر بخيره ومضى معه ذلك التراث الذى خلفه الأباء وكان مثار الاعجاب وموضع الفخار حقبا من الزمان.

مضى ذلك من يوم أن احتل البغض فى قلوب موضع الحب والشتات والفرقة موضع الاتحاد والألفة والتدابر والتقاطع موضع التواد والتواصل.

(واذا انفرط عقد الأمة وسرت فيها روح التخاذل فقد أفل نجمها وغابت شمسها وطويت صفحتها).

نعم ضاع ذلك المجد التليد من يوم أخذت الأمة بتلابيب الانفراط وأقام أفرادها من أنفسهم أمما متشعبة هم الواحد منهم أن يكون لنفسه عونا وللغريب على أمته ساعدا وعضدا ونسوا أن الأمم تحيا وتموت بأفرادها وترجح وتخف كفتها بأبنائها فأذا أخذتهم الغيرة عليها وأشربت قلوبهم محبتها وعلموا أن المجموع هو الفرد المتكرر استطاعوا أن يبقوا أمتهم على الدهر تنصرع تحت أقدامها خطوبة وتنهار أمام قوتها صروفه وتتمزق بسطوتها أحداثه.

واذا ركبوا أهواءهم ولم يرعوا لأمتهم كرامة ولم يروا لها حرمة فقد سلموها الى الفناء ورموها بأيديهم فى مكان سحيق.

بالأمس وقف الاسلام وقفة كان ملء عين الدهر وبصره وتلا على الشعوب كتاب القوة من مبتدئه الى خبره وخط فى أفق الوجود سطورا من الحكمة وعتها الأمم المعادية له وحذقتها واسترشدت بها واستضاءت بنورها.

أما أبناؤها فقد استناروا بها حينا من الدهر بلغوا فيه أوج السعادة ثم طاف بهم طائف من التفريط شأن كل غالب يرتكز على قوته ثم يهمل أمرها ويعتمد على ظفره دون أن يرعاه بالحيطة.

طاف بهم ذلك الطائف وهم فى نشوة النصر وسكرة الظفر وقد نسوا أن هناك أمما مقبورو بسيوفهم وعروشا مثلولة برماحهم وأن الموتور لا ينام عن وتره وأن ضعيف اليوم ربما يكون قويا غدا.

نسوا ذلك فكان المصير ما نراه وكان المأل تلك الحسرة التى تحترق بنارها قلوبنا حزنا على ما فقدناه من مجد بناه الأباء بلبنات من فلذة الأكباد.