رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
حوارات
الأربعاء 26/ديسمبر/2018 - 03:26 م

عزوة السادات.. أحمد نعينع: كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان بجنوب سيناء.. وسجل القرآن الكريم كاملًا بصوته(2)

عزوة السادات.. أحمد
عبير جمال
aman-dostor.org/16501


٣ مرات فقط استمع فيها الرئيس الراحل محمد أنور السادات إلى صوت القارئ الدكتور أحمد نعينع، كانت كافية لاتخاذه قرارًا بتعيينه قارئًا لمؤسسة الرئاسة، بل طبيبًا خاصًا له، بدأت تحديدًا عندما كان «نعينع»، أثناء قضائه فترة تجنيده فى الجيش ضابطًا احتياطيًا، يقرأ القرآن فى أحد احتفالات القوات البحرية بالإسكندرية.

 

هناك فى عروس البحر المتوسط، على رصيف ٩ خلف يخت «المحروسة» الذى نقل الملك فاروق إلى منفاه فى إيطاليا عقب ثورة ٢٣ يونيو، كان الرئيس السادات يحضر الحفل فلفت نظره صوت يشبه القارئ الكبير مصطفى إسماعيل، الذى كان يعشقه جدًا، ليفاجأ الحضور بالرئيس يقول: «برافو برافو».

فى المرة الثانية، كان «نعينع» يقرأ القرآن فى احتفالية «عيد الصيادين» بالإسكندرية أيضًا، بحضور الرئيس السادات، فزاد تعلق الأخير بصوت الشيخ، أما المرة الثالثة فكانت فى احتفالية «يوم الطبيب»، التى تزامنت مع اتفاقية «كامب ديفيد»، وحالة الجدل المثارة حولها آنذاك، وقرأ خلالها «نعينع» ما اعتبره «السادات» مباركة لتوقيع الاتفاقية: «فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِين».

 

 

قرأت له «توكل على الله» قبل «كامب ديفيد».. وعَيّننى قارئًا للرئاسة براتب 83 جنيهًا

 

يروى الدكتور أحمد نعينع قصة اختياره قارئًا للرئاسة من قِبل الرئيس محمد أنور السادات، عقب احتفالية «يوم الطبيب»، فيقول: «نقيب الأطباء آنذاك الدكتور حمدى السيد طلب منى المشاركة فى احتفالية يوم الطبيب، وكانت من عادتى قراءة ٥ أجزاء من القرآن الكريم يوميًا من الذاكرة، عملًا بنصيحة شيخى الذى قال لى (من قرأ الخمس لا ينسى)، وفاضلت فى هذه الأجزاء الخمس بين ١٢ موضعًا فى القرآن، حتى استقريت على موضع فى سورة النمل، لأنه كان يتناسب مع الأحداث وقتها».


الآيات التى اختارها «نعينع» لمناسبتها فترة ما قبل توقيع اتفاقية كامب ديفيد، هى «إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِى إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنتَ بِهَادِى الْعُمْىِ عَن ضَلَالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ (٨١)».


ويضيف: «رغم أنى طبيب ومذيع الحفل أيضًا كان طبيبًا، فإن الدكتور حمدى السيد شدد على عدم مصافحة الرئيس، لذا أنهيت قراءتى ونزلت، فسمعت صوت الحرس يقول لى: (ارجع ارجع)، فالتفت لأجد الرئيس واقفًا وفاتحًا ذراعيه لى قائلًا: (برافو برافو.. الآيات دى منين؟ أنا قارئ قرآن لكن حاسس إن الآيات دى لسه نازلة من السماء حالًا.. أنت جسمتها تجسيم)».


وحسب «نعينع»، فإن الرئيس السادات سأل الدكتور حمدى السيد: «هل اخترت له هذه الآيات؟»، فنفى، ليتدخل «نعينع» قائلًا: «اخترتها من ١٢ موضعًا ضمن ٥ أجزاء أقرؤها يوميًا»، فما كان من الرئيس إلا أن قال: «أنا حابب أسمعك»، فقال له «نعينع»: «يشرفنى القراءة أمامك» فرد الرئيس: «خلاص إنت معانا».


يقول «نعينع» إنه لم يفهم قصد الرئيس بـ«خلاص إنت معانا» إلا بعد علمه بتحرى مؤسسة الرئاسة عنه، كما أن عثمان أحمد عثمان الذى كان متزوجًا من ابنة «السادات» قال له: «الرئيس قالى هو الشيخ مصطفى إسماعيل رجع تانى؟»، تعبيرًا عن إعجابه بصوت «نعينع»، مشيرًا إلى أنه بعد الانتهاء من التحريات والتأكد من استيفائه الشروط تم تعيينه قارئًا لرئاسة الجمهورية براتب ٨٣ جنيهًا، ومن وقتها لا يفارق الرئيس فى كل المناسبات وبأماكن إقامته، سواء فى القناطر أو الجيزة أو ميت أبوالكوم.


ويشير إلى أن الرئيس كان يستمع إليه بإنصات ويحييه بعد انتهاء قراءته بقوله: «الله.. الله»، مضيفًا: «كنت أحرص على اختيار الآيات التى أتلوها حسب المناسبة، فالآيات التى تتلى فى عيد العلم غير عيد النصر، خاصة أن الآيات التى قرأتها فى يوم الطبيب كانت من أسباب اختيار الرئيس لى».

 

 

كثير الصوم وشرب الشاى.. لا يأكل غير الطعام الصحى.. ويمارس الرياضة بانتظام

 

يكشف «نعينع» عن أن الرئيس الراحل أنور السادات كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان فى «وادى الراحة» بجنوب سيناء، داخل بيوت خشبية متواضعة أنشأتها شركة «النيل للكبريت»، حيث كان يسكنها مثله مثل الجميع، مضيفًا: «كان يقوم الليل ويقرأ القرآن بصوته حتى إنه سجله كاملًا بصوته، وهذه التسجيلات توجد مع أسرته».


ويقول إن «السادات» كان كثير الصيام، وحينما كان الفريق الطبى الخاص به يعترض على ذلك يرد: «بس يا ولد.. أنا مرتاح كده»، أما الأيام التى لا يصوم فيها فكان يكثر من شرب الشاى ولا يأكل إلا قليلًا، لكنه بشكل عام كان يتناول طعامًا صحيًا غير ضار، ويمارس الرياضة بشكل منتظم، لافتًا إلى أن الفريق الطبى للرئيس وأسرته ضم ٤ أطباء: هو، والدكتور إبراهيم بطاطا، والدكتور مصطفى بيومى، والدكتور طه عبدالعزيز، ومهمتهم ليس توقيع الكشف الطبى على الرئيس فحسب بل توفير الأطباء المهرة فى مختلف التخصصات إذا تطلب الأمر.


ويشير إلى أن الرئيس الراحل كان «يدخل المسجد قبل الصلاة بـ٤٥ دقيقة كاملة، وفى إحدى المناسبات الرسمية وقبل الصلاة بأكثر من ساعة ونصف الساعة قال لضابط حراسته توفيق قورة: (خلى نعينع يسبقنى على الجامع)، وبالفعل ذهبت قبل الصلاة بساعة ونصف، قبل كل القيادات ومحافظ الإسماعيلية الدكتور عبدالمنعم عمارة، الذى حضر بعد حضور الرئيس واعتذر له عن التأخير، معتقدًا أن الأمر لن يمر مرور الكرام، لكنه فوجئ به يقول: (اقعد يا منعم.. أنا جاى أسمع نعينع)».


موقف آخر يتذكره «نعينع»: «طلب من ضابط الحراسة توفيق قورة بأن يسبقوه إلى عزبة الصيادين.. توجهنا إلى المسجد الخاص بالمنطقة وانتظرنا الرئيس، لكن المفاجأة أنه مر بسيارته الفولكس السوداء التى كان يقودها بنفسه دون أن يقف أمام المسجد، فهرعنا خلفه حتى وقف أمام مصرف وكوبرى متهالك ونحن معه، ثم عبره وهو مستند على عصاته».


ويضيف: «دخل مسجدًا صغيرًا، زاوية مليئة بالتراب والذباب ومنبرها متهالك مصنوع من أخشاب صناديق الصابون، فدخلت وراءه لقراءة القرآن، وفى المسجد الصغير تجمع عدد من أهالى القرية وحاولوا تنظيف الفرش ورش مبيد حشرى، وقاموا بذلك بالفعل والرئيس يقف ينتظرهم والتراب والرش يتناثران على وجهه حتى انتهت الصلاة».


بعد الصلاة، والحديث لا يزال لـ«نعينع»، سأل الرئيس أحد أهالى القرية عن شخص يعيش هناك كان أكرم الرئيس أثناء فترة سجنه، فدلوه على منزله، حيث كان يجلس رجل مسن يبدو عليه المرض، فجلس معه وطلب أن يشرب شايًا على «الراكية»، ودار حديث بينهما، ثم نادى فوزى عبدالحافظ، سكرتيره الخاص، وقال له: «يا فوزى يحج هو وزوجته وتجهز ابنته ويبنى منزله بالطوب الأحمر، وكله على حسابى».


ويتذكر «نعينع» موقفًا قبل اغتيال الرئيس بعدة أشهر: «سافرنا إلى الإسكندرية بالطائرة، ونزلنا فى استاد طنطا لزيارة السيد أحمد البدوى، ثم استقل الرئيس القطار إلى كفرالشيخ لافتتاح مؤتمر كان من المقرر أن أفتتحه أنا بقراءة القرآن الكريم، لكن الرئيس لمح مقرئًا على المنصة غيرى، فنادانى وقال لى: «نعينع اقعد هنا جنبى وخلى الشيخ يقرأ حتى لا نقهره أمام أهله ونعرضه لموقف محرج. كان اسمه الشيخ عبدالفتاح صالح، الذى أصبح صديقًا لى بعد ذلك». وأثناء دفن الرئيس بعد اغتياله، قرأ «نعينع» قول الله تعالى «لا تقولوا لمن يُقتل فى سبيل الله أمواتًا بل أحياء ولكن لا تشعرون»، ثم نزل إلى قبره بطلب من السيدة جيهان السادات، رفقة نجلها جمال السادات، لافتًا إلى أنه بكى وهو يقرأ القرآن حزنًا عليه.