رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
حوارات
الأربعاء 26/ديسمبر/2018 - 03:26 م

عزوة السادات.. شقيقه محمد: أعد لنفسه قبرًا مترين فى مترين.. ووصيته: «بلاش سياسة» (1)

عزوة السادات.. شقيقه
عبير جمال
aman-dostor.org/16500

كشف اللواء محمد عفت السادات، شقيق الرئيس الراحل، العديد من الأسرار عن مجموعة من أهم المواقف التى زخرت بها حياة «بطل الحرب والسلام»، بدءًا من خطة الخداع الاستراتيجى، وصولًا إلى مظاهرات عام ١٩٧٧، بجانب ما عُرف باسم «اعتقالات سبتمبر».

وخلال حديثه مع «الدستور»، تطرق اللواء السادات إلى جانب إنسانى خفى فى حياة الرئيس الراحل، أبرز مشاهده إعداده قبرًا «مترين فى مترين» لنفسه، قبل أن يكرمه الله بالشهادة ويُدفن فى ضريحه الحالى، بجانب علاقته المميزة مع أشقائه، وكيف كان «يدلع» كلًا منهم باسم خاص به.

«اعتقالات سبتمبر» كانت تكتيكًا لاسترداد طابا.. وأمر الإفراج عن المسجونين صدر قبل اغتياله

بدأ اللواء محمد عفت السادات، شقيق الرئيس الراحل، حديثه لـ«الدستور» بالإشارة إلى ما قاله المستشار الألمانى الأسبق هيلموت شميت عن «السادات»، ردًا على سؤال وُجّه له خلال لقاء صحفى عن «عظماء القرن العشرين»: «جاد الله على البشرية فى النصف الأول من القرن العشرين بعبقرية تشرشل، وفى النصف الثانى بالسادات»، فسألوه: «وأنت؟»، قال: «يأتى دورى بعد السادات»، ويضيف «عفت» أن «أوروبا قالت إن المصريين لا يستحقون هذا الرجل، وفرطوا فيه بسهولة، وقتلوه».

كما استنكر اللواء السادات تشكيك قادة الدول المقاطعة فى العقيدة الوطنية للرئيس الراحل، متذكرًا مقولته الخالدة «إن أرضنا لا تقبل المساومة وإن التراب الوطنى والقومى يعتبر لدينا بمنزلة الوادى المقدس طوى الذى كلم الله فيه سيدنا موسى، ولا يقبل أى منا أن يتنازل عن شبر واحد منه، وإن هناك أرضًا عربية احتلتها إسرائيل بالقوة المسلحة، ونحن نُصر على الانسحاب الكامل منها بما فيها القدس العربية». وفى إطار التشكيك أيضًا، تذكر الأحداث التى عُرفت باسم «اعتقالات سبتمبر»، وشملت ما يزيد على ١٥٣٦ من رموز المعارضة السياسية فى مصر حينها، إلى جانب عدد من الكتاب والصحفيين ورجال الدين، وعلق قائلًا: «الرئيس السادات كان إنسانًا رحيمًا وحنونًا، وبالإضافة لذلك فتجربته فى السجون كانت تجربة قاسية، دفعته إلى أن يؤمن بأن السجن يجب أن يكون مناسبًا لآدمية الإنسان، رغم حملة الهجوم العنيفة ضده، وما قيل عنه بأنه فرعون ومفترى وظالم». وأضاف: «أشهد الله على أن ما أقوله سمعته من فم الرئيس، إذ قال لى نصًا: (اسمع يا كومندام، بلغنى أن مناحم بيجن بيقول إن مصر فوضى، مفيش فيها قيادة ومفيش حد مسيطر على البلد، مع مَنْ نتعامل ومع مَنْ نلتزم باتفاقية؟ إحنا مش هنسلمهم طابا، عشان كده الاعتقالات دى كانت لازمة عشان أثبت لهم أن مصر مش فوضى، وأننا ملتزمين باللى اتفقنا عليه معاهم، لحد ما ناخد آخر حتة من أرضنا)».

وتابع: «الرئيس أعطى التعليمات للنبوى إسماعيل، وزير الداخلية حينها، بأن يفرج عن المحبوسين، عصر اليوم الذى نستلم فيه طابا، ولهذا أتحدى لو واحد من الذين سجنهم السادات حينها، شعر بالإهانة حتى لو بكلمة، وللأسف لم يمهل القدر السادات، ليكمل ما كان يخطط له، وتم اغتياله بعد هذه الأحداث بشهر واحد، وبالفعل لم نسترد طابا إلا بالتحكيم الدولى بعد وفاته».


كان يدلع أشقاءه بـ«كومندام والغلباوية والبشمهندز»

كشف اللواء محمد عفت السادات عن أن الرئيس الراحل قال له فى آخر لقاء جمعهما قبل سفره إلى فيينا عام ١٩٧٩، إنه لا يريد أن يعمل أحد من أسرته فى السياسة، بل كتب ذلك بوضوح فى وصيته، وأبلغها لكل أفراد الأسرة، حتى أولاد شقيقه محمد عصمت، الذين صمموا على خوض العمل السياسى، وأشهرهم طلعت السادات وعفت السادات ومحمد أنور السادات وزين السادات.

وعن الأسباب التى دفعت «السادات» لهذه الوصية، قال اللواء عفت إن «الرئيس كان يرى أن عمل أحد أفراد الأسرة بالسياسة، سيكون استثمارًا لاسم الرئيس، وبالطبع سيرتكب أخطاء تنال من هذا الاسم».

ورغم أن اللواء عفت كان من المقربين للرئيس السادات، وكان أيضًا ضابطًا بالمدفعية، فإنه لم يعلم أى شىء لا بالتلميح ولا بالتصريح عن نية الرئيس للحرب إلا وقت الإعلان، لكنه يتذكر لقاء رتّبه الرئيس مع الأدباء، واستطلع آراءهم عن إمكانية دخول مصر فى حرب جديدة، ويتذكر أيضًا تعليمات أعطاها له بإبلاغ أشقائه بتشوين العدس والزيت والسكر، دون إبداء أى أسباب، ثم علم بعدها أن ذلك كان ضمن خطة الخداع الاستراتيجى، حتى يحدث حالة تشويش للعدو بأننا نستعد لحرب ثم لا يحدث شىء.

وأضاف: «كما أعلن تعبئة للجيش مرتين، دون أى تحرك هجومى، وذلك ضمن خطة الخداع، لذلك قال موشيه ديان، وزير الدفاع الإسرائيلى، لإيلى زعيرا، رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية: (اوعى تفتكر إن المصريين هيحاربوا دول بتوع قصص السندباد البحرى والشاطر حسن)».

ويبتسم اللواء عفت وهو يتحدث عن السادات الأخ، قائلًا إنه كان بارًا بوالديه وبإخوته، فكان يعتبر نفسه والدنا، وليس أخينا الأكبر، وتحمل الكثير رغم ضيق الظروف التى مررنا بها، وتجلى بعد نظره فى الألقاب التى أطلقها علينا «كان مسمينى كومندام وطلعت ظابط، ومسمى سكينة الغلباوية وطلعت صحفية، وزين البشمهندز وطلع مهندس».

ويتذكر «السادات» حينما استرد الرئيس جثمان شقيقهم «عاطف»، الذى استُشهد خلال الضربة الجوية الأولى فى الحرب، ويقول: «أصر على دفنه فى مدفنه الذى اشتراه لنفسه، وبعد ذلك اشترى لنفسه قبرًا مترين فى مترين، لكن الله أراد أن يُدفن فى مكان آخر كشهيد».

لولا معارضيه لأصبحنا مثل «النمور الآسيوية»

ينتقل شقيق «بطل الحرب والسلام» فى حديثه إلى ١٧ يناير عام ١٩٧٧، حين اتخذ «السادات» مجموعة من القرارات الاقتصادية، من بينها رفع الدعم عن مجموعة من السلع الأساسية، بما يعنى ارتفاع أسعار رغيف العيش والسكر والشاى، ويقول: إن «تلك القرارات كانت محاولة من السادات لإنقاذ الاقتصاد المصرى حينها، إذ عانت مصر من أزمات ما بعد الحرب، خاصة بعدما أرسل صندوق النقد الدولى مذكرة للحكومة المصرية يطلب فيها بشكل مباشر رفع أو تخفيض الدعم على بعض السلع كشرط لإقراض مصر ٢٠٠ مليون جنيه».

وعزا تراجع «السادات» عن هذه القرارات، وفرضه حالة الطوارئ، إلى ما حدث من تظاهرات وأعمال شغب، أطلق عليها البعض «انتفاضة الخبز»، بينما سماها الرئيس الراحل «انتفاضة الحرامية» بسبب أعمال السرقة التى استهدفت المجمعات الاستهلاكية.

وربط اللواء عفت ما فعله «السادات» عام ٧٧، بما يفعله الآن الرئيس عبدالفتاح السيسى، قائلًا: «رفع الدعم أمر حتمى، وربما هو الحل الوحيد للأزمات الاقتصادية التى تمر بها مصر، ولو كنا بدأنا هذه الخطوات حينما أعلن عنها السادات، لكنا فى مكان آخر غير الذى نقف فيه الآن، وكنا أصبحنا من الدول المتقدمة مثلنا مثل النمور الآسيوية، ولكن ما حدث من اليساريين والشيوعيين حينها، أدى إلى فوضى عارمة فى مصر، وحال دون تنفيذ ما كان السادات ينتويه، ولكن الأيام تثبت بُعد نظر السادات وفراسته، أنه كان على حق والآخرين على باطل».

وتابع: «أما الآن فالشعب المصرى لا يفكر بشكل شخصى، بل بشكل موضوعى وبإيثار، وتحمل الظرف الذى يمر به، حتى يبنى مصر من جديد»، مستشهدًا بمقولة رئيس وزراء المملكة المتحدة ونستون تشرشل، بعد الحرب العالمية الثانية: «نحتاج إلى سنوات من الجوع والفقر والدموع والعمل حتى نبنى بلدنا».