رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الخميس 20/ديسمبر/2018 - 11:49 ص

النبش فى الأمجاد

النبش فى الأمجاد
معتز محسن عزت
aman-dostor.org/16349

إن أردت أن تهدم أمة، فعليك بتراثها وحضارتها أي في قوتها الناعمة التي تُبقي عليها حتى لو عانت من أزمات شتى، لأن الخلود هو سر البقاء والبقاء يأتي من التراث والتراث يتكون من كلمات ونغمات وهمسات، تعطي للأجيال القادمة وصفة البقاء السحرية المختزلة في الحفريات، الجداريات، الرقوق، البرديات وغيرها من الوسائط.

الحضارة هي بطاقة التعارف بالإنسان وبدون الإنسان لا توجد حضارة، وبدون الحضارة لا يبقى الإنسان، نستخلص هنا تلك المعادلة البسيطة العميقة في أوقاتنا الحساسة المترعة بالحروب والصراعات والأحقاد، بأن الحضارة والإنسان وجهان لعملة واحدة في الإبقاء على الإنسانية جمعاء.

تتراقص تلك الكلمات المكتوبة بارتعاش وتوجس مما يحدث في تراث الإنسانية في شرقنا المأزوم، الشرق الذي له الفضل في ديمومة البشرية في مجالات شتى ما بين العلوم، الفنون، العسكرية والسياسة، فبدون الشرق ما كان لكرتنا الأرضية دوام الوجود لإيمان الشرق الصميم بأن بالأخلاق توجد الحضارات ويستمر الإنسان دون البناء على أنقاض الآخرين.

هذا الدرس الصميم تعلمناه من ألواح بابل المسمارية وبرديات كيمت العتيقة، ونفحات اليود المتطايرة من موانئ فينيقيا الساحرة، مع وجود أكثر من ذاكرة حية تنبض فيها الحياة عبر تماثيل رموزها، الذين أمنوا بالإنسان قبل الإيمان ببناء الإمبراطوريات والصروح الشاهقة.

لهذه الأسباب اشتعلت نيران الحقد الحضاري في قلب الغرب وأبنائه الذين تواروا وقت تلك العصور العتيقة في غيابات النسيان والمجهول وعند اقتراب النور من أراضيهم وقت أفوله عن أراضي الشرق، أرادوا أن يقفزوا أشواطًا شاهقة لتقليص المسافة الشاسعة بينهم وبين الشرق، وقت ترجمتهم لهذا الإرث العريق، فلامست الأحقاد قلوبهم من بقايا الظلام المعشش في أفئدة تتعجل التميز والتقارب من أبناء الأمجاد العريقة.

هذا هو السر في هدم المكتبات والمتاحف والمعابد وكل ما تبقى من نفحات العصور العتيقة، كي لا يسترجعها البشر كطوق نجاة من آسرِ المعاصرة ببريقها الخادع المتشدق بالقيم والمبادئ التي تدون بدماء ودموع الآخرين من شعوب فقدت المقاومة والمواجهة لإقتلاعها من جذورها اليانعة تحت مسميات العصور اللامعة بذهب كاذب لم يصل حتى لمرتبة النحاس.

نجح الغرب في أن ينبشوا في تراثنا العريق فكانت البداية بسواعدهم، عبر إبادة صروح العلم والمعرفة والتنوير المساند للبشر وقت الأزمات والاضمحلال، لعل هذا ما أوحى للرشيد بتلك الفكرة النيرة التي عرضها على وزرائه متلمسًا ما تدخره الأزمان من غدر وخديعة.

قال الرشيد لقواده أمام نموذج التصميم للخزانة الوارفة عند سؤاله عن سر تلك الأقفاص:
رُب علم ثمين يُسرق أكثر من الذهب واللألئ.

صدقت يا من أفتُري عليك من نابشي الأمجاد تحت مسمى الاستشراق، ذلك يوم هجوم هولاكو البغيض بجعله تلك النفائس جسرًا لخيوله الجامحة سعيًا منه في ألا تقوم قومةً أخرى لتلك البلاد.

تكررت البربرية مجددًا في بغداد قلعة الوجود وكعبة المجد والخلود، كما قال عنها الشاعر الكبير محمود حسن إسماعيل في العام 2003 بعد قرابة ثمنمائة عام من هجمات هولاكو التترية ولكن بتترية عصرية تنتمي لجورج بوش الابن الذي بدأ عند دخوله بغداد بتحطيم نفائس العراق العامرة بالمكتبات والمتاحف والصروح الشامخة سر بقاء سومر وأخواتها في بلاد الرافدين.

يعتبر التحطيم السر الأكبر في الفناء والزوال، هذا ما جعل أوباما يسير على نفس المنوال لكن هذه المرة بسواعد أبناء تلك الأمجاد نابشين فيها تحت لواء الدين والصيحات الجهادية، التي تطيح بالأصنام وعابديها من خلال تنظيم داعش الذي حطم متحف نينوى، مكمن الرسالة السامية لذي النون عليه السلام.


تتطور المأساة بقتل الأثري الكبير خالد الأسعد كدليل قاطع على ملاحم داعش البربرية بفرماناتها التي تطلق من فوهة القرون الغابرة لتخترق قلب القرن الحالي بحجة عمل الأثري الكبير في إحياء ذكرى الأوثان والأصنام !!

تتواصل الملاحم الحارقة لنرى في مصرنا من يدَّعون التقدمية والعصرية يبيدون ظلال القديم الوارفة من أجل كسر تابوهات الرجعية التي أوقفت الركب التقدم، ويتكرر المشهد أكثر دموية ونارية في اليمن عند حرق الجماعة الحوثية لمتحف تعز عاصمة اليمن الثقافية الحامل في جعبته ذاكرة اليمن السعيد سابقًا التعيس حاليًا !!

هل توقف النبش في صفحات الخلود الآن ؟!

لا يزال العهر الحضاري المعاصر مستمرًا في سوريا عبر قوات التحالف الدولية بإبادة ما تبقى من ذكريات قد تعيد الأمة لأمجادها بطرق شتى عبر بيع الآثار وتحطيمها وحرقها أو التزييف فيها لخدمة الأهواء الصهيونية الماسونية لإكمال إسرائيل بناء مملكتها المحرفة في كتبها الزائفة.

إن لم ننتبه لما يحدث في ثوابتنا وأسسنا فلا نلومن إلا أنفسنا لاكتفائنا بالمشاهدة كحنظلة ناجي العلي الذي يقف مكتوف الأيدي في انتظار الفرج الذي لن يأتي إلا لمن يسعى وبأخذ بالسببية لكي تقام حضارتنا القادمة على المنطقية والإيمان الحقيقي.