رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الجمعة 14/ديسمبر/2018 - 01:40 م

صور من بلاغة الرسول صلى الله عليه وسلم

صور من بلاغة الرسول
بقلم الدكتور حسام خلف الصفيحى
aman-dostor.org/16204

لقد ذكر أبوعلى البغدادى، فى أماليه أن النبى صلى الله عليه وسلم كان جالسا بين أصحابه، فنشأت سحابة فقالوا: يارسول الله هذه سحابة فقال: كيف ترون قواعدها؟ قالوا: ما أحسنها وأشد تمكنها قال: وكيف ترون رحاها؟ قالوا: ما أحسنها وأشد استدارتها.قال: وكيف ترون برقها أو وميضا أم خفيا أم يشق شقا؟ قالوا: بل يشق شقا.فقال: فكيف ترون جونها؟ قالوا: ما أحسنه وأشد سواده فقال صلى الله عليه وسلم: الحيا فقالوا: يارسول الله ما رأينا الذى هو أفصح منك.قال: وما يمنعنى؟ فأنما أنزل القرآن بلسان عربى مبين.

والقارئ الكريم يستطيع أن يفهم من هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو تلميذ القرآن وخصيصه وصفيه ونجيبه كما يقول، وما منعنى فإنما أنزل القرآن بلسان عربى، وهذا الكتاب نعم المؤدب والمهذب وللقارئ فيه من العلم والأدب والبيان واللسان بمقدار ما له فى القارئ من تفرغ واتجاه، وهل كان إلا للقرآن يتعهده ويهذبه ويعلمه البيان.

وفى هذه الناحية وهى مدارسة القرآن موضع التفرد فى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد اصطفى له ما شاء من صور البيان كما اصطفاه على جميع الأنام وكانت له بلاغة: (سجدت الأفكار لأيتها وحسرت العقول دون غايتها بألفاظ يعمرها قلب متصل بجلال خالقه، ويصقلها لسان نزل عليه القرآن بحقائقه فهى إن لم تكن من الوحى ولكنها حادث من سبيله وإن لم يكن لها منه دليل فقد كانت هى من دليله.

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم موجز اللفظ، يقصد إلى الهدف ويهدى إلى الجادة فى القول كما هدى إليها فى الفعل وهى من خصائص النبوة وآيات العبقرية.ولهذا وصفت البلاغة بين الأدباء بأنها الإيجاز لأن كل متكلم يستعين على الإفهام ويردد فى سياق الكلام لقص عليه بحاجة السامع وعدم اطمئنانه إلى أنه وفى. ولهذا نكثر الإطالة فى كلام الأعاجم ومن على شاكلتهم، فأما العرب الخلص فيتنافسون فى لمحة دالة وكلمة جامعة.

وهذا ما جعل الرسول صلى الله عليه وسلم يتحدث بنعمة الله عليه فيقول:( أوتيت جوامع الكلم اختصر لى الكلام اختصارا) وجوامع الكلم غير الاختصار كما يتوهم.

وكان صلى الله عليه وسلم يقول:( نحن معاشر الأنبياء بكاء) لأنهم يكرهون الفضول ويقصدون إلى الأهداف ويعمدون إلى الصراحة.

ولما نصح جرير بن عبد الله قال له (إذا قلت فأوجز وإذا بلغت حاجتك فلا تتكلف) .ولهذا قال(أبغضكم إلى الثرثارون المتفيهقون).

وقد أحصى العلماء كثيرا من الكلام المفيد السامى الذى يشتمل على كلمتين من كلامه كقوله (الإيمان يمان) ،(والدين النصيحة)،( الدين المعاملة)،(والعدة دين) ،(السماح رباح) وما إلى ذلك من الكلام العذب المغدق الخصيب المتحلى بمحاسن البديع الطبيعى.

وفى كلام النبى صلى الله عليه وسلم نوع من الإطناب يسمى( التوشيع) وقد تردد كثيرا فيها بجمال فاتن إحسان عظيم، لأنه يتفق مع الاجمال، ثم التفصيل لزيادة تقرير المعنى، وإيصاله إلى السامع وهو إحكام لصنعة البلاغة ولهذ كان صلى الله عليه وسلم يقول الكلمة ثلاثا لنفهم عنه ولم يكن يسرد كسرديا.

وفى كلام النبى صلى الله عليه وسلم الإيجاز فى غير تكلف ولا عناء، مع بلوغ الغاية كان إعجاب الأصحاب به وتعجبهم من مسلكه، وفى الحق أن ذلك ناحية الامتياز الكبرى فى بيانه صلى الله عليه وسلم، فإن اجتماع الكلام بقلة ألفاظه مع اتساع معناه وأحكام أسلوبه فى غير تعقيد واطراد ذلك فى كل معنى وفى كل باب شىء لم يعرف لأحد قبله.

فأما غيره فإنه يستهلك بالاختصار معنى الكلام ويستولى عليه بالتكلف.ومن شاء فلينظر فى المختصرات ومختصرات المختصرات فيما بين أيدينا من الكتب ليرى كيف يصنع الاختصار من تشويه الحقائق وتكلف ما يحول دون الفهم وتظل بلاغة وفصاحة الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال:( أنا أفصح العرب بيد أنى من قريش واسترضعت فى بنى بكر بن سعد).. وكما قال له أبو بكر ذات يوم : لقد طفت للعرب وسمعت فصحاءهم فما سمعت أفصح منك فمن أدبك؟ فقال صلى الله عليه وسلم:( أدبنى ربى فأحسن تأديبى).