رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الخميس 13/ديسمبر/2018 - 11:35 ص

الارهاب ... من أين والي أين؟!

الارهاب ... من أين
بقلم / لويس فهيم
aman-dostor.org/16182

نتحدث عن الإرهاب وكأنه شبح غامض ووحش يهددنا لا نعرف له  أصلا أو مصدرا، ولكنه ليس كذلك.. فالإرهاب الذي يعمد إلى القتل والحرق وتفجير الكنائس والأسواق والمتاحف والمطاعم والمنتديات معلوم المصدر والهوية.

إنه ببساطة نتاج الفكر الديني المتطرف، والتكفير الرافض للآخر والداعي إلى تصفيته، وهو ينتمي إلى تيار متطرف لا صلة له بالإسلام الوسطي المعتدل الذي ينتمي إليه الغالبية العظمى من المسلمين.

وهذا التيار يستخدم لتنفيذ أهدافه الإجرامية شبابا مغررا بهم، يوهمهم بنوال الشهادة إذا ما جعلوا أنفسهم أداة للقتل والحرق والتفجير، وأنهم لو فجروا أنفسهم في سبيل ذلك فإنهم يجاهدون في سبيل الله، والجنة في انتظارهم، وأنه لا قيمة للحياة الدنيا مقارنة بالجنة التي يعدونهم بها.. إن أصل الإرهاب هو التطرف الديني المتسربل برداء الدين، وهو منه براء.. وصناعه ومنفذوه هم أفراد وجماعات تشعبت وتطورت وأصبحت ظاهرة تهدد كيان المجتمع.

يغررون بالشباب مستغلين مشاعره الدينية لتحقيق أهدافهم الإجرامية التي تتنافى مع مبادئ الدين القويم، الداعي إلى التراحم والتقارب حتى مع المختلفين في العقيدة.. "لكم دينكم ولي دين"، "ومن أراد أن يؤمن فليؤمن ومن أراد أن يكفر فليكفر"، "ولست عليهم بمسيطر".. إنها أحاديث نبوية يتجاهلها هؤلاء لأنها تتعارض مع فكرهم وأهدافهم.

وقد حرص الكثيرون على إبعاد الدين عن دائرة الإرهاب باعتباره تفسيرا خاطئا للإسلام الصحيح، وهو ما تقره كثير من الدوائر الغربية التي تشدد على أنه يجب الفصل بين الإسلام الوسطي المعتدل الذي ينتمي إليه سواد المسلمين، والتيار المتشدد الذي يدعو إلى التطرف والعنف، ومؤيدوه قلة منحرفة لا بد من مواجهتها بالفكر والحجة، وبالمحاسبة ايضا.

والتكفير الذى يمارسه المتطرفون المتأسلمون موجه في المقام الأول إلى المسيحيين شرقا وغربا الذين هم في رأيهم كفار محللة دماؤهم وأموالهم وأرضهم وعرضهم وكنائسهم.. وقد تصدت جريدة "الدستور" مؤخرا لكتاب  للشيخ أحمد الدمنهوري، الإمام العاشر للجامع الأزهر، والذي تولى الإمامة في عام 1768، وقد أعيد طبع الكتاب لقصد مشبوه في عام 2013.

ويدعو إلى هدم الكنائس وعدم ترميم الموجود منها، كما يقر بأن المذاهب الإسلامية الأربعة تؤيد ذلك، ويقول أتباع المذهب المالكي: "إن المسيحيين بمثابة عبيد للمسلمين وليس لهم عهد يوفى لهم به".

وقد ترجم هذا الفكر إلى أفعال ينفذها الشباب المغرر بهم من تفجير كنائس وقتل من فيها، إلى الهجوم على المارة في الشوارع وعلى البارات والمطاعم والمتاحف والاسواق في العواصم الغربية، وآخرها حادثة ستراسبورج في فرنسا، حيث قام أحد الأصوليين المتطرفين بإطلاق النار على رواد أحد البارات، فقتل وأصاب العديد.. وهذا ما يتكرر سنويا في فرنسا وغيرها من الدول الغربية خلال فترة التسوق، قبيل أعياد الميلاد المجيد.

والشباب المدتثر حزاما ناسفا، والذي يحمل سكينا أو خنجرا، ليس إلا أداة في يد هؤلاء التكفيريين الذين هم الإرهابيون الحقيقيون.. ومنهم مشايخ مدعون وأفراد يحتمون بالمساجد والزوايا والشقق المستترة، يبثون السموم وينشرون العنف والقتل والتدمير دون ملاحقة احترازية فعالة، كفيلة بإجهاض خططهم في مهدها.

ويبرز هنا سؤال يفرض نفسه، وعجت به الساحات والمنابر: كيف نقتلع جذور هذا الارهاب؟

لجأ الكثيرون من محترفي التوريب والمواءمة إلى إرجاع هذا النوع من الارهاب إلى الفقر والظروف الاجتماعية.

وهذا غير صحيح.. فهذه عوامل مساعدة ولكنها ليست هي الأصل.

والدليل على ذلك أنه في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي كانت الطبقات الفقيرة والمحرومة أكثر بكثير مما هي الآن، ولم نسمع وقتها عن تكفير أو إرهاب باسم الدين، ما عدا ما ظهر على يد الجماعة المتطرفة المعروفة باسم "الإخوان المسلمون".

وجاء تعهد الرئيس السيسي بأننا سنقتلع الإرهاب من جذوره.. وأطلق مبادرة تجديد الخطاب الديني.

فاقتلاع هذا النوع من الارهاب لن يتم إلا بمواجهة الفكر بالفكر، وليس بالفكر وحده، بل وأيضا بمحاسبة دعاة الفكر المتطرف وعناصره، أفرادا وجماعات.. فتكفير الغير والحض على الكراهية والتمييز جريمة، وإذا كان القانون الجنائي لم يتناولها بالقدر الكافي، فقد آن الأوان لوضع قانون جنائي يشمل هذه الجرائم تفصيلا.. وقد طال الحديث عن تجديد الخطاب الديني ليلائم العصر ويتفق مع مسلمات الدين القويم.. وتكون البداية بتنقية المناهج الدراسية وإلزام الأزهر بتقويمها.. وقد طالبت لجنة الشئون الدينية بمجلس الشعب بإعادة النظر في مناهج الأزهر، والعمل على تنقيتها من الأفكار التي تحرض على العنف والارهاب.. وجاءت زيارة البابا فرنسيس الأخيره لمصر لتؤكد ضرورة قبول الآخر ونبذ الكراهية باسم الدين. وإذا لم يتحرك أصحاب القرار لتحقيق ذلك، فإن جهودهم ستذهب أدراج الرياح.

ونذكر في هذا السياق، ما نشرته وسائل التواصل الاجتماعي من أن الشيخ القرضاوي، في أعقاب تفجير كنيستي طنطا والإسكندرية، بدلا من أن يعزي عائلات القتلى والمصابين كما يوصيه الإسلام، صرح من مقره في الخليج بأنهم- يقصد دعاة التكفير والعنف- سيستمرون في قتل مسيحيي مصر ما دام السيسي موجودًا.. فلنبدأ بمحاسبة هذا وأمثاله.

وبغير ذلك سيستمر مسلسل الإرهاب والعنف، لأنه لم يجد من يقتلعه من جذوره.

وجذوره هي الفكر التكفيري المتطرف الرافض للآخر.