رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الأربعاء 12/ديسمبر/2018 - 12:58 م

لماذا اختار البنا الإسماعيلية ؟! (2/2)

لماذا اختار البنا
معتز محسن عزت
aman-dostor.org/16152

عُرف حسن البنا منذ نعومة أظافره بطموحه الشديد لتزعم كل من يطوف حوله تحت لواء الزعامة ، خاصةً لو كانت في ثوبها الديني لتضفي عليه القدسية والتحصين من المعارضة والمجابهة ، لإحتواء الكلمات المقدسة لأهدافه التي خطط لها عبر سنوات طفولته كبذرة أولية للمستقبل الحافل الذي ينتظره عَبر تعرجات التاريخ.

عند تعيينه بالإسماعيلية سنة 1927 وجد ضالته بعد أن عانى الرفض والتحفظ من قِبل أهالي بلدته المحمودية وقت اللعب بلعبة تبتعد عن رحيق الطفولة وهي لعبة المؤمنين والكفار ، مصنفًا حسب هواه كل فريق ، كنواة أولية للمستقبل المنتظر عقب ستة عقود لما سمي بجماعة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وهو الاسم الذي وضعه في جمعيته التي حلت محل جمعية (الأخلاق الحميدة) التي لم ترضي هواه ليظهر لنا مارده الغاضب كتهيئة مبدئية للتنظيم السري.

رُفض البنا بأفكاره من أساتذته بالمحمودية والإسكندرية والقاهرة لنبرته المتوهجة بنارية الخطابة ونفحات الوعيد لمن لا يؤمن بالخلافة في عودتها مجددًا رغم أنف العلمانية وأخواتها ، مما وضعه في بوتقة المتعصب المُدخر لغضبه خلف ستار الإصلاح والذي فُهم جيدًا عبر فطاحل الأزهر وكبار المفكرين مما أرجأ مشروعه الذي وجد التشجيع والتأييد من محب الدين الخطيب صاحب المطبعة السلفية ومحمد رشيد رضا تلميذ الإمام محمد عبده إلى أن تحين الفرصة المنتظرة.

هكذا عُرف عنه الصبر والجلد اللذان توارثتهما أجيال الجماعة عبر العصور، محملقًا في السماء منتظرًا رحمات الأقدار لإخراج الحلم المؤجل من رحم اللوح المحفوظ بناءً على توائم االمصير مع ما يجيش في صدره كاتبًا اسمه بحروف حائرة بين النور والنار، حسب حكم المتلقين لمشروعه الكبير المتأهب للظهور.

في هذا الجو الزاخم بحرارة التفاصيل وجد البنا في الإسماعيلية ما إفتقده في الأماكن الأخرى لتحين له الفرصة عبر معانقة الأقدار لرغباته الجامحة في اعتلاء التميز والقيادة بعد إكتشافه خلو الساحة من التنافسية الفكرية و الدينية التي شكلت عقبة كبرى لإكمال ملامح حلمه ، واجدًا هجران المساجد لطبيعة الحياة الأوروبية بها مع قلة أئمتها، ناشرًا شباكه المتعطشة للظهور.

لجأ البنا إلى ما لجأ إليه أنصار المذهب البروتستانتي الذي عانى الرفض بألمانيا وبريطانيا وهولندا من قِبل الكاثوليك ليهاجروا بأراضي أمريكا الشمالية التي إستوطنوها سياسيًا لتهيئتها دينيًا . نفس الشيء ينطبق على اليسوعيين بإسبانيا الذين هاجروا من التعنت الكاثوليكي باستيطان أراضي أمريكا الجنوبية بتوليفة سياسية ممزوجة بالدين.

لعب البنا نفس اللعبة كي لا يرى أصواتًا رافضة لمشروعه الأكبر مستغلاً عذرية المكان من التلاحمات الساخنة بادئًا سطوع جماعته عَبر المساجد والمقاهي عن طريق طلبة الأزهر ودار العلوم ، ململمًا شتات من يحمل في المدينة أهداف القضاء على التيمة الأوروبية بها ، ملتقيًا بنواة جماعته وهم (حافظ عبد الحميد – أحمد الحصري – فؤاد إبراهيم – عبدالرحمن حسب الله – إسماعيل عز – زكي المغربي).

تم اختيارهم من بين أبناء المدينة المنتمين لمهنٍ مختلفة غير ملاصقةٍ للدعوة على المستويات الرسمية لتكون المهمة أكثر يسرًا وسهولة ، مستفيدًا من سنوات الإخفاق و التأخر ليتزامن الميلاد مع رغبة القوى الإمبريالية في اصطياد الوليد الجديد مطوعًا إياه لخدمة أغراضه الاستعمارية لضرب الحركة الوطنية بالحركة العقائدية عبر الرعاية الإنجليزية الفرنسية من خلال أموال شركة قناة السويس.

أختزل البنا أهداف جماعته يوم التأسيس في 22 مارس 1928 بتلك الكلمات :

إن الإسلام عقيدة وعبادة ووطن وجنسية ودين ودولة وروحانية ومصحف وسيف.

من خلال تلك الأحداث الكبرى، جمع البنا بين متناقضين حسبما تقضي المصلحة للإبقاء على جماعته ، صفة العالم الجليل الذي استلهم روح السيد الأحمد البدوي الحاكم الرمزي وقت المعركة ضد الحملة الصليبية بقيادة لويس التاسع ، كمباركة روحية تساعد على النصر بإحياء الخلافة التي سقطت على يد الذئب الأغر مصطفى كمال أتاتورك سنة 1924.

الصفة الثانية ، صفة راسبوتين القس الروسي المجنون الذي خلط قدسية الكنيسة بدهاليز السياسة ، ليكتب اسمه بأحرف نارية تجعله في مصاف المشاهير بناءً على الدعم البريطاني له في ضرب القيصرية الروسية وقت الحرب العالمية الأولى طمعًا في العرش الروسي عبر ظلاله الكهنوتية ، لكن ما أغدر الدنيا التي أوقعته في شر أعماله بقتله في العام 1916 على يد أفراد القصر القيصري بعد أن كشفوا خيانته لبلاده.

لاقى البنا نفس المصير بعد أن حول بوصلة تنظيمه السري من قتل جنود الاحتلال بنيرانه الصديقة إلى قتل كل من يقف ضد جماعته، ليكون الاغتيال يوم 12 فبراير من العام 1949 النهاية الطبيعية، لتسدل الأيام الستار على قصته مع الخلافة المؤجلة التي شهدتها الإسماعيلية بدايةً ونهايةً أولى بمقتل لغز التاريخ الحائر.. حسن أحمد عبد الرحمن محمد البنا الساعاتي.