رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الإثنين 10/ديسمبر/2018 - 11:12 ص

أزمة التنظيمات الإسلامية

أزمة التنظيمات الإسلامية
بقلم: أحمد حميدة
aman-dostor.org/16084

العنوان أعلاه عنوان كتاب د. جاسم سلطان، هذا الكتاب الذي أحدث لي هزات فكرية عنيفة وصدمات للوعي متتالية، وأحدث تحولات جذرية في مسيرتي الفكرية، وله الفضل بعد الله سبحانه في أن أتحرر من سجن التنظيم إلى حياة الحرية.. وهو كتاب سلط مؤلفه الضوء على أهم الإشكالات في فكر الحركات الإسلامية عموما وحركة الإخوان المسلمين خاصة، لأنه من رحمها خرجت كل الجماعات والتنظيمات، وحدد فيه ما الذي يحول بينها وبين أن تكون رافعة اجتماعية للتقدم! وهو يطرح سؤالا كبيرا: ما الذي يجعل الحالة الإسلامية تصل إلى الطريق المسدود المرة بعد الأخرى؟! وهو كتاب كتب للحالمين بغد مختلف.. ينتفع به من غادر مقاعد التلقين وأراد أن يطرح على نفسه السؤال بجرأة.. هو لمن أراد أن يدرس وأن يتعلم وأن يتفكر.

أما من كان غارقا في دهاليز الأفكار المصمتة لا يريد أن ينظر خارجها، فهو ليس معنيا بهذا الكتاب ولا موجها له، فدراسة نظام الأفكار غرضها الرئيسي تحرير الأجيال القادمة من أسر الأفكار التي أفقدت الإنسان المسلم القدرة على رؤية العصر، ومعرفة شروط انجاز المشاريع الوطنية، وشروط الاستقرار، وجعلته يدور حول نفسه في تجارب عقيمة لا يكاد يخرج من أزمة إلا ليدخل في أكبر منها، والعالم الإسلامي والعربي يمر بأزمة متعددة الوجوه، وهي تشمل قطاعات واسعة من المجتمع السياسي والديني، موسومة بثلاثة تحديات، هي: الفكر الشمولي، الرغبة في السيطرة، قصور المعرفة بالواقع، وحدد الكاتب أن إصلاح المجتمع إنما يقع علي جميع مكوناته لأنهم جميعا معنيون بإصلاحه واستقراره، فمشكلة المجتمع لا تتم بإصلاح الحالة الإسلامية وحدها، ولكن بمراجعات شاملة تقوم بها الفئات صاحبة المصلحة في المجتمع.

مطلب استقرار المجتمعات واقع على كل مكونات المجتمع وليس لفئة من دون فئة، وأوضح أن أفهام الناس للقرآن تفاوتت ومعها تصوراتهم عن الدولة والعلاقة بالمختلف دينا، وعن وظيفة المؤمن في الكون، ومعها ولدت مختلف التجاذبات في الساحة الإسلامية، ومن ثم تتوالى الكوارث التي لا تهدد الإسلاميين فقط ولكن المجتمعات بأسرها، وتكلف الوقت والجهد والمال والأرواح وفرص التقدم على المجتمعات، ومن هنا يبرز حاجز "الأيديولوجيا"، وهذه الإيديولوجيا والحزبية الضيقة قادرة على حرف أي حوار عن مساره، وذلك بنقل الموضوع المباشر إلى مواضيع فرعية، وهي قادرة على خلق المبررات!!.

وتحت عنوان "تحديات أمام الفكر الإسلامي"، وأطلق عليها مصطلح "قضايا السطح"، أوضح أن منحني الانحدار الطويل للحضارة الإسلامية لم يكن خطا واحدا ولكنه عدد من الخطوط، فمن زاوية الفتوحات إلى مشعل الحضارة إلى الخط العلمي في الطب والفلك والرياضيات والفلسفة والتاريخ والدين، إلى الخط السياسي أو إدارة الدولة، إلى الخط الاجتماعي الذي أنشأ الأوقاف والمدارس والمستشفيات وشق الطرق وأوجه العمران، إلى الركود الشامل في العقل المسلم الذي توقف عن التفكير والاجتهاد، إلى آخره، فلحياته مع بداية ضعف الدولة العثمانية 1566 م، مع أن إعلان وفاتها سنة 1924 م، ومن رحم هذا المخاض ولدت حركة "الإخوان المسلمين" عام 1928، التي أسسها حسن البنا، وصاغ لها نظرية مضطربة ومربكة!!

صنع البنا للأيديولوجيا الجديدة عضلات تنفيذية، ومنه تعلم الجميع صناعة العضلات التنفيذية والفكرة المركزية التي أسس عليها البنا جماعته هي فكرة أن الإسلام نظام شامل، لكن المؤلف طرح فكرة أخرى مضادة، وهي أن الإسلام منظور شامل، فكلمة "نظام" هل يقصد بها وجود قيم ومبادئ عامة في الإسلام تخص المجالات المختلفة؟ أم وجود نظم محددة المعالم بالمعني الحديث للنظم؟! فقضية مثل "الشوري" لكي تتحول إلى نظام سياسي لا بد وأن تخرج من "مستوى الفكرة المجردة إلى البحث الفلسفي العميق، ثم تنتقل بعدها إلى مبدأ حياة، ثم يتحول هذا المبدأ إلى آليات وإجراءات، ثم إلى آلية حماية ، ثم تتطور مع التجربة وتصل الحركات الإسلامية إلى السلطة بهذا التصور والزعم بأنها تمتلك أنظمة جاهزة للعمل والتنفيذ، ثم تجد نفسها فارغة اليدين من النظم بل حتى من استعداد المجتمع لتطبيق القليل من النظم!! بل إن ما تملكه ببساطة هو منظومة قيم ونصوص توجيهية كبرى في مواجهة الواقع العملي، وهي تشكل منظورا شاملا، ولكنها لا تشكل نظما في وضعيتها الخام، ومن فكرة "الإسلام الشامل" ولدت فكرة "التنظيم الشامل" الذي يسعي للتمكن من المجتمع وإحكام السيطرة عليه وليس تمكينه، وذلك من خلال محاولات بسط النفوذ عليه واحتوائه والوصاية عليه.

وعند حديثه عن "الدولة" التي هي معضلة العضلات عند الإسلاميين، أوضح أن الإشكالية بين الإسلاميين وغيرهم ليست في رفضهم الدين؟ ولكن بعض القضايا التي تمت الإشارة إليها أيقظت هواجس يخافها المجتمع عن جريمة الدين التي يراد حقن المجتمع بها، فسؤال الدولة وجرعة الدين التي يجب ضخها فيها هو أكثر الأسئلة تكلفة من حيث المآسي التي يقود إليها ويسببها، والنزاعات التي يثيرها! والقرآن الكريم من فاتحته إلى خاتمته لم يشر صراحة ولا ضمنا إلى إقامة "دولة"، فالقضية تصور حالة مثالثة يكون المسلمون فيها متفقين على شكل معين اسمه، الدولة الإسلامية، ومتفقين على شخص ما أو سلطة ما يعطونها الطاعة اسمها، ولي الأمر، وأن المجتمع إما نقي ليس فيه إلا المسلمون، أو أن به غير مسلمين خاضعين بالقوة أو بالتراضي لإكراهات المسلمين، وسقف المساواة الذي يفرضونه عليهم، فالمجتمعات في تطور، والحياة في تقدم وتجدد، ووعي الإنسان الحقوقي والاجتماعي والسياسي والثقافي قفز قفزة نوعية في اتجاه الفهم العميق للواقع مما أصبحت معه أدوات الفقيه غير كافية لمواجهة تطور الإنسان! وأن طبيعة الدول قد تغيرت فتحولت من دولة المساكنة، التي هي تصور ما قبل العصور الحديثة، إلى دولة المواطنة، التي أساسها عقد اجتماعي بين مكونات المجتمع، تكفل صياغة هذا العقد قيم الحرية والعدالة والمساواة، حيث أوضح أن متطلبات الدولة المعاصرة هي ثلاثة متطلبات "متطلب الوجود، متطلب الاستقرار، متطلب التنمية".

إن الانتقال إلى عصر جديد في موضوع "الدولة" لم يعد أمرا ممكن التأجيل، وهو يحتاج إلى تغييرات كبرى في فضاء الفكر الإسلامي، وهي: "الإيمان بأن وظيفة الدولة هي حماية حق التدين للجميع، وتحديد الحدود الدنيا التي يتطلبها الدين من الدولة، وتسكين هذه المطالب في العقد الاجتماعي التوافقي الذي يراعي مطالب مختلف المكونات، وكلها غير متوافرة حتى اللحظة عند الفقيه المسلم، وبالتالي عند الناشط الإسلامي في الغالب؟!.

ثم تناول المؤلف تراث "البنا" ومقولاته التأسيسية نقدا وتحليلا ومراجعة، وبيان أوجه القصور فيها، وأوجه الخلل، وكيف أنها أربكت الحالة السياسية والاجتماعية، فمن مقولات "نحن أصحاب رسول الله، نحن الإسلام، الجماعة التي وقع عليها اختيار القدر لإنقاذ العالمين، دعوة القرآن الحق الشاملة الجامعة، دعوة الإسلام في القرن العشرين"، إلى غير هذه الأوصاف والمحاكاة للماضي والتماهي معه حد التطابق! وبالتالي فالوضع الطبيعي لهذا التصور ألا يعتبر نفسه إلا قائدا لحركة الجموع وليس شريكا في صنع المستقبل.. وبالتالي تتولد إشكالية عدم الثقة التي تتعذر باستمرار من خلال احتكاك الآخر الذي ربما اعتقد أنه لحظة ما قادر على الدخول في شراكة متكافئة مع الجماعة، فتأتي الحوادث لتثبت أنه واهم، فالبنية العميقة لفكرة تجعل أي نوع من الشراكة هو التحاق بالفكرة الكاملة، وليس شراكة في صناعتها، وهو أمر ربما لا تشعر به الجماعة ولكن تمارسه لأنه جزء من منظومتها "الفكرة الأعمق"، ورغم الصدامات التي دخلتها الجماعة أيام "البنا" فلم يدع مجالا للسؤال عن قصور النظرية وخطأ المنهج والأفكار، فقد قطع الطريق على أي تساؤل من هذا النوع، بقوله إن من لا يؤمن بهذا المنهاج فهم "القاصدون الجبناء"، والضعف والوهن الذي خيم على القلوب، وهو خراب القلوب من الإيمان ثم الانزلاق إلى قضية التكفير "لاحظ له في الإسلام"!!

لقد قاد كلام البنا إلى نهاياته الطبيعية، فالصدام مع المجتمع والدولة، والعالم أصبح أكثر حدة وصدامة، فهم ليسو مؤمنين ولم يفهموا الفهم الشامل، ولكنهم في الجاهلية.. هكذا دفعة واحدة.