رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الجمعة 07/ديسمبر/2018 - 11:03 ص

لماذا اختار البنا الإسماعيلية ؟!(1/2)

لماذا اختار البنا
معتز محسن
aman-dostor.org/16010

لا زال في جعبة التاريخ الكثير من التساؤلات الحائرة التي تتعطش للإجابات القطعية كي لا تحتار الأجيال القادمة في لعبة الكراسي الموسيقية التي تحدث بين الأيديولوجيات المختلفة في كتابة صفحاته، ذلك العلم المثير المدهش المحير في التعريف بقوام الأمم عبر عصورها المختلفة، متأرجحًا بين أقلام أبنائه حسب امتطاء رجال العصور في كل مرحلة.

هنا لم يُحير التاريخ، على مدار العصور والأزمنة في كتابة تفاصيل عصره ومآرب أحداثه ونفحات قراراته، أكثر من حسن البنا ذلك المرشد ذو الألف وجه منذ نعومة أظافره بالمحمودية بمحافظة البحيرة، وهو يسعى في صباه للزعامة حتى في أوقات اللعب متأملًا مع نفسه كيف يكون الطريق المحفور في صفحات التاريخ حتى ولو بأحرف من نار.

في أوقات الهيمنة البريطانية والفرنسية على الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا، بدأ التيار الوطني في تلك البلاد ينهض عبر أبناءه الذين تذوقوا العلم والثقافة سواء في أوطانهم أو في الخارج مساهمين في إنهاض شعوبهم من قيود الاستعمار عبر الزعامات المتنوعة ما بين الثقافية، العسكرية، المدنية، التنويرية وغيرها من الزعامات المختلفة.

في الهند ظهرت زعامات عديدة قامت بإنهاض الهنود من سنوات التعتيم والتضليل من قِبل بريطانيا فكان طيلاق ذلك الهندوسي المتعصب الذي وضع بذرة النهوض بالأمة الهندية مجددًا وترعرعت الوطنية الهندية وأصبحت أكثر شموخًا وقوةً، من خلال أسطورة الهند الأبدية وقديسها في القرن العشرين المهاتما غاندي ليعاود الهنود سؤالهم مجددًا:

لماذا لا نحصل على إستقلالنا من أنياب الأسد البريطانى؟

شعر البريطان بالخطر جراء نهضة أبناء الهند الوطنية لإزاحة حوافرهم عن أرض أم العجائب، فكان للمخابرات البريطانية الدور الأكبر والأبرز في التنقيب عن ثغرات تلك الحركة الوطنية الممثلة في الخلافات الدائمة بين المسلمين والهندوس، وشعور المسلمين الهنود بالإضطهاد لغويًا وعقائديًا وعرقيًا.

كان للعام 1906 الدور الأبرز في ظهور رابطة عموم مسلمي الهند التي عرفت فيما بعد بـ(رابطة عصبة الإسلام) والتي تأسست على يد أحمد خان ومحمد إقبال وتولى رئاستها فيما بعد محمد على جناح، أبو الباكستان المستقبلي.

تناحرت الحركة الوطنية مع الحركة الدينية وأصبح حزب المؤتمر الهندي المؤسس على يد غاندي ورفاقه، في مواجهة مباشرة وحامية مع رابطة عموم مسلمي الهند ليكون الصراع متمركزًا على هوية الهندية بين الوطنية والعقائدية التي ظلت مستمرة في لهيبها حتى جاء الإستقلال الهندي في العام 1947 مبتورًا بفصل الهند بين الهندوس والمسلمين، ليكون للهندوس الهند وللمسلمين الباكستان حلم الأجيال بدءً بأحمد خان وإنتهاءً بجناح.

نستنبط من تلك المقدمة الضرورية ما يراد به في هذا المقال عن إستلهام تلك التجربة بإستنساخها مجددًا في العام 1928 وقت عنفوان الوطنية المصرية عبر حزب الوفد الذي قطف ثمار الكفاح اليانعة من خلال جهود الحزب الوطني بزعامة مصطفى كامل ومحمد فريد، فكان للكفاح الوطني الدور الأكبر في تكوين هوية مصر الحديثة.

شعر الإنجليز بخطورة الصحوة المصرية التي خرجت من قمقم الكبت والكتمان عبر ثورة 1919 وبعد وفاة زعيم مصر الكبير سعد زغلول سنة 1927 وتولي النحاس لواء الوطنية، تمسك الشعب بقوام الوفد أكثر من قبل، لتكون للمؤامرة الدور الخفي في إخماد الصحوة المصرية كما حدث للصحوة الهندية، فكان الوقت المنتظر من رحم الأقدار لخروج لغزها المحير.

إستعان الأسد البريطاني بملفات سقوط الخلافة العثمانية على يد ذئب تركيا الأغبر أتاتورك سنة 1923 بإسقاطه الخلافة الإسلامية وضربها بالقومية التركية سنة 1924، لتعيد إلى الساحة مجددًا الحلم الذي تحطم بين أنيابها باختيار رجل المرحلة المطلوبة مدرس الخط واللغة العربية الباحث عن المجد المنتظر.. حسن البنا.

لعب حسن البنا دورًا كبيرًا في إحياء النزعة الدينية بالإسماعيلية عند إنتقاله لتلك المدينة الهادئة المفرنسة المجلنزة معيدًا للمساجد أرواحها التائهة، ململمًا شتات القلة الملتزمة لتعود للحياة مجددًا عبر من يوقظ صحوتها الغائبة من خلال التبرعات والأعمال الخيرية والطواف على المقاهي من أجل الوعظ والإرشاد لأمور الدين.

السؤال هنا ملحًا على سببية الإسماعيلية في أن تكون مكمن تلك النقطة التحولية الكبرى في التاريخ المصري الحديث والإجابة بأن البنا لجأ لتلك المدينة الهادئة لكي تشهد دعوته دون وجود تيارات تعارض طريق حلمه مع بغضه للتيمة الأوروبية في ملامح المدينة، لتجد بريطانيا وفرنسا ضالتهما في الإبقاء على مصر عامةً وقناة السويس خاصةً.

و للحديث بقية....