رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
تقارير وتحقيقات
الخميس 06/ديسمبر/2018 - 04:03 م

الثوابت الدينية.. بين الإثبات والإنكار

الثوابت الدينية..
أحمد ونيس
aman-dostor.org/15992

الثوابت الدينية.. بين الإثبات والإنكار
مفتي الجمهورية يرى أن هناك ثوابت دينية يجب الحفاظ عليها
وباحث سعودي: عبارة "الثوابت الدينية" غير منضبط
وعضو فتوى الأزهر: شريعه الإسلام بها ثوابت ومن يقول عكس واهم وجاهل



خلال البحث عن الأزمة الأخيرة التي وقعت في تونس متأثره بقانون مساواة المرأة بالرجل في الميراث، وجد تصريح لأحد الباحثيين في شؤون الجماعات الإسلامية، لإحدى القنوات الفضائية، يقوله فيه "إن الدين ليس به ثوابت"، على الفور تركت ما يحدث من جدل في الأجواء التونسية، للبدء في مرحلة بحث جديدة حول هذه المقولة وهل بالفعل الدين ليس به ثوابت؟

وعلى الفور بدأ "الدستور"، في محاولة للإجابة عن هذا السؤال، حيث كانت البداية مع رد الدكتور شوقي علام مفتي الجمهورية، في حوار له يعود إلى عام 2014، هاجم وقتها المطالبين بتغيير بعض المسائل الفقهية "هذه الضجة المثارة تدل على جهل مثيرى الفتن"، بهذه الكلمات كان الهجوم على المطالبين.

أم عن قضية الثوابت الدينية فقال في رده: "هذا الجدل لن يعود على المسلمين بأى نفع بل بالعكس سيكون سببًا فى إثارة القلاقل والفتن، ويُغذى التطرف والتشدد الديني، ويُشوه صورة الدين الإسلامى أمام العالم، وهذه الضجة المثارة تدل على جهل مثيرى الفتن وذلك لأنهم لا يطعنون فى ثوابت الدين فحسب، بل يؤدى إلى حالة من البلبلة للناس، وبالتالى الأمر يتطلب وقفة صارمة لردع هؤلاء الناس الذين يفتقدون أدوات الفهم الجيد للنصوص التراثية ويفتقدون العلم الذى يؤهلهم لتناول مثل هذه القضايا التى تبعث على الفتن التى كثيرًا ما حذرنا منها النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هذه الفتن لا تصيب الظالم وحده بل تأخذ فى طريقها الجميع، (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً)، هذه الفتن تحرق العقل والدين والبدن وكل الخير، والقضايا المثارة حاليًا هى قضايا قديمة حديثة وقتلت بحثًا وردًّا، ومن يثيرها اليوم كان يكفيه أن يراجع أقوال العلماء الثقات فيها ليزول عنه الشك بدلًا من إثارة القلاقل والفتن".

فيما اختلف معه أحمد السيد عطيف الكاتب السعودي والباحث في الشؤون الدينية، بقوله: إن استخدامنا لعبارة "الثوابت الدينية" غير منضبط، ويغدو أكثر خطورة حين توجه التهمة إلى أحدهم بأنه قال أو فعل ما يعتبر مساسا بالثوابت الدينية.

وأضاف عطيف، في مقال نشره بجريدة الوطن السعودية مطلع العام الماضي، أن "ترد كلمة ثابت في العربية بمعان عدة تدور كلها على الاستقرار الذي هو ضد الاهتزاز أو الحركة. فالثابت في كل شيء هو المستقر الذي لا يتحرك أو لا يقبل الحركة والاهتزاز. أما الدين نفسه فهو خيار شخصي، فمعتنق الدين، أي دين كان، يلزم نفسه بعناصر يراها غير قابلة للنقاش منها دينه ومنها بعض عناصر دينه، وهي ما يقول عنها ثابتة. لكنها قد تختلف مع ثوابت غيره من معتنقي الدين نفسه. كالفرق بين ثوابت السلفية العلمية والسلفية الجهادية، أو كالفرق بين الثوابت عند الشيعة وعند السنة".

وأوضح أنه "بما أن الدين خيار شخصي فهو ثابت نسبيًا، أي بالنسبة لمعتنقه لكنه غير ثابت لمن لا دين له. وكذلك رموز هذا الدين هي ثابتة لمعتنقه لكنها ليست ثابتة عند من لا يعتنقه. نحن مسلمون، أي أن الإسلام ثابت بالنسبة لنا ما دمنا مسلمين لكنه ليس ثابتا لغيرنا من خارج المسلمين".

وأشار إلى أن "تتردد عبارة الثوابت الدينية كثيرا في أحاديثنا وأدبياتنا (عدم التعدي على الثوابت... المساس بالثوابت...تجاوز الثوابت... التشكيك في الثوابت) لكن لم يحدث أن حصرناها أو اتفقنا على حصرها، لا نحن فعلنا ولا أي جهة دينية أخرى فعلت. فما هي الثوابت الدينية لدينا؟

وتابع: "في القرآن الكريم نرى اقترانا دائما بين «الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح»، والحقيقة أن هذا هو جوهر الدين ومعناه ورسالة كل الأنبياء. بعض العلماء أكد أن مصطلح الثوابت مصطلح حديث ولا يوجد في التراث الفقهي".

حول قضية الثابت والمُتغيِّر اكد الداعية الإسلامي الشيخ محمد دحروج الباحث في شؤون الحركات الاسلامية أن القضية مطروحة منذ زمن بعيد ولها شواهد كثيرة الأدبيات الإسلامية، فالعلماء تكلَّموا عما يتغيَّر من الأحكام وما لا يتغيَّر. ويكفينا أن نتمعن القاعدة الأصولية الشهيرة" لا يُنكَر تغير الأحكام بتغير الأزمان، وأن ما بُني على الأعراف يتغيَّر بتغير الأعراف، وكذلك ما بُني على المصالح وما بُني على العلل وهكذا.

واضاف أما الثابت والمُتغيِّر باعتبار المصادر، فالقرآن ثابت بلا منازعة، ونقول لهؤلاء الطاعنبن أننا إذا نفينا قطعية وثبوتية القرآن فإننا نفيت الإسلام كله، وهذا لايستقيم.
واكد لكن الآن بعض مَن أُصيبوا بخبل في عقولهم باسم التجديد والاجتهاد يُريدون أن يُطرِّقوا الشك في نفوسنا إلى القرآن الكريم وخاصة في صدقيته وثبوته عن رسول الله، وهذه مُحاوَلة فاشلة، "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ"، زُهاء ألف وأربعمائة سنة والتاريخ يُصدِّق هذه القولة الإلهية، فلم يستطع أحد أن يُغيِّر فيه حرفًا. فالقرآن مصدر ثابت، وكذلك السُنة مصدر أيضًا وستظل مصدرًا رغم أنف القرآنيين، فلا يُمكِن الاكتفاء بالقرآن وحده وإلغاء السُنة جُملةً وتفصيلًا، فهؤلاء الحمقى المتعالمين أعطوا لأنفسهم الحق فى تفسير كتاب الله وويريدون أن ينفوا هذا كحق إلهى لصاحب الرسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي على قلبه أُنزِل هذا الكتاب، كأن ليس له الحق في فهم كتابه الذي أُنزِل عليه.

وأوضح أنه على عكس ما يروجونه من أننا نقبل كل السُنة من صحيح وضعيف ومكذوب وما إلى ذلك، فهذا غير حقيقى وغير منصف فمناهج علم الحديث تقبل النقد والاجتهاد لكن لمَن كان أهلًا.

واتفق معه صالح الأزهري عضو لجنة الفتوى بالأزهر الشريف، بقوله: إن "من يدعي ان شريعه الإسلام ليس بها ثوابت لاتقبل الاجتهاد فهو واهم وجاهل بأحكام وثوابت تلك الشريعه الغراء".

وأضاف الأزهري في تصريح خاص، أنه "من المعلوم ان الله عزوجل لما جعل شريعه الاسلام خاتمه الشرائع السماويه جعل لها نصوصا قطعيه وثابته للأسس والأركان التي يبني عليها هذا الدين والتي لاتقبل التغير او الاجتهاد البشري، أما التفصيلات فمتروكه للادله الظنيه في ظل المبادي العامه والقواعد الكلية وبهذا جمعت شريعه الاسلام بين الثوابت والأسس التي لاتقبل التغيير او التبديل وهي بمثابه الهيكل العظمي لهذه الشريعة".

وأشار إلى أن هذا الثوابت التي لاتقبل التغيير أو التبديل أو الاجتهاد أو التجديد مثل تلك النصوص القطعيه في كتاب ربنا، وأيضا تتمثل في الكليات العامة والمبادي العامة التي تتمثل في تحريم القتل والسرقة واكل الربا وظلم الانسان اوالتعدي علي ماله وعرضه، حتي أن القوانين البشرية تتفق اتفاقا تماما مع ماجاء في شريعه الاسلام من ثوابت وأسس.

واختتم بقوله: "وهذه الثوابت والأسس وتلك القواعد الكليه باقيه إلي ان يرث الله الأرض ومن عليها لأن الله هو العليم الخبير بأحوال عباده ومايصلح شأنهم".