رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الأربعاء 05/ديسمبر/2018 - 01:15 م

ظواهر في فكر البنا.. ظاهرة التناقض (4)

ظواهر في فكر البنا..
محمد أحمد عابدين
aman-dostor.org/15951

«لم يكن حسن البنا نبيًا يوحى إليه، ولا عالمًا يوتَنسُ بعلمه، ولا فقيهًا يستنبط الأحكام، ولا واعظًا يمتلك الرشادة، ولأنّ كلًا وجب الأخذ منه والرد عليه، فتلك قراءةٌ لفكر الرجل توجب على أتباعِه وغيرِهم إعادة قراءته».

في المقال السابق والمعنون بـ«3 – ظاهرة التناقض»، قدّمنا قراءة تحليلية لأحد نصوص البنا في رسائله حول «أمام الخلافات الدينية» تحت عنوان «نجمع ولا نفرق»، دون استكمال النص في تحليلنا له، واليوم نعيد كتابة النص مع إكمال التحليل، ليتواصل معنا القارئ، يقول البنا «اعلم ـ فقّهك الله ـ أولا: أن دعوةَ الإخوانِ المسلمين دعوة عامة لا تنتسب إلى طائفة خاصة، ولا تنحاز إلى رأي عرف عند الناس بلون خاص ومستلزمات وتوابع خاصة، وهي تتوجه إلى صميم الدين ولبه، وتود أن تتوحد وجهة الأنظار والهمم حتى يكون العمل أجدى والإنتاج أعظم وأكبر، فدعوة الإخوان دعوة بيضاء نقية غير ملونة بلون، وهي مع الحق أينما كان، تحب الإجماع، وتكره الشذوذ وإن أعظم ما مني به المسلمون الفرقة والخلاف، وأساس ما انتصروا به الحب والوحدة.

ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، هذه قاعدة أساسية وهدف معلوم لكل أخ مسلم، وعقيدة راسخة في نفوسنا، نصدر عنها وندعو إليها».

خلصنا إلى التناقضات التالية فيما يقوله البنا، ومايفعله على أرض الواقع:

التناقض الأول:

يقول مخاطبًا عضو الجماعة «فقّهك الله»، بينما هو في ركن البيعة الأول أو ما يسميه «الفهم»، يملي عليه فهمه قائلًا: أن تفهم الإسلام كما نفهمه.

التناقض الثاني:

يزعم أن الجماعة لا تنتمي إلى طائفة ولا تنحاز إلى رأي، بينما هو بدعواه وجماعته ينتمي إلى طائفة من خوارج الأمة، إذ خرج على الدين والمجتمع والحاكم، وهو ما فعله الخوارج الأوائل حين خرجوا على الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وجيشه وبالتالي خرجوا على المجتمع الذي يحكمه أمير المؤمنين، وعلى الدين بمخالفة قول الله تعالى «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا»، آل عمران: 103.

التناقض الثالث:

رغم أن جماعته، أو دعوته، تتوجه إلى صميم الدين ولبّه بينما هي خارجة على المجتمع والحاكم والدين، وتدمر صميمه ولبّه أو كما نسميه «جوهر الدين» وهي تحقيق فضائل الأخلاق ومقاصد الدين، إذ تلجأ الجماعة إلى الكذب لتحقيق أغراضها وتخالف حفظ الدين بمخالفة الاعتصام، وتقوم الجماعة بقتل الناس فتخالف مقصد حفظ النفس وتسلب عقول الأعضاء عبر «ركن الطاعة» فتخالف مقصد حفظ العقل وبالخروج على المجتمع فتخالف مقصد حفظ الدين.

ونتابع في هذا المقال بقية التناقضات من خلال النص المعروض وحده.

التناقض الرابع:

يقول البنا «وتود أن تتوحد وجهة الأنظار والهمم حتى يكون العمل أجدى والإنتاج أعظم وأكبر».
يريد البنا أن يجذب الجميع لدعوته أو جماعته من جماعات أخرى، كما يريد أيضًا جذب الشعب كله لجماعته سالبًا حق الشعب في البقاء معتصمًا لا ينتمي لأية جماعة، وإن كان توجهه بالأساس للجماعات النظيرة، راغبًا في توحيد الجماعة لغيرها من الجماعات متناقضًا مع الدين أولًا الذي يحض على توحيد الصف كله فلا يمرق أي أحدٍ عن اعتصام المجتمع، كما يتناقض ثانيًا مع قوله، هذا لأنه يعلم أن كل جماعة ترى أنها على الحق وغيرها على الباطل وتريد ضم الجماعات الأخرى إليها.

التناقض الخامس:

يقول البنا «فدعوة الإخوان دعوة بيضاء نقية غير ملونة بلون، وهي مع الحق أينما كان، تحب الإجماع، وتكره الشذوذ»، كيف يصدق عاقل أن دعوة الإخوان بيضاء نقية رغم ما أسالت من دماء عبر تاريخها، وسوف يرد البعضُ بأن تاريخ الدماء كان بعد ذلك، ونذكر من يرد بأن الجماعة اغتالت في عهد البنا مسؤولين مصريين، ورد البنا بالبيان الشهير «ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين»، حيث لم يكتفِ بالنفي عن انتماء القتلة للجماعة بل إنه كفّرهم، وطوال الوقت تتناقض أقواله مع أقواله وأقواله مع أفعاله، ويرى أنّ جماعتَه محبة للإجماع كارهة للشذوذ.

وهذا تناقض آخر حيث لا يرى خروجه بعيدًا عن السواد الأعظم – أي الغالبية - التي أمر الرسول ﷺ بالانضمام إليها ساعة الفتنة، والرجل جاهلٌ بالتاريخ بامتياز أو بجاحة، إذ لم تنجح جماعة واحدة منذ عهد الخوارج في الاستمرار وكسب الأنصار.

التناقض السادس والأخير:

يقول البنا «وإن أعظم ما مني به المسلمون الفرقة والخلاف، وأساس ما انتصروا به الحب والوحدة»، وهنا يكشف البنا، عن جهلع الفاضح بعلوم الدين، وجهله الواضح بالتاريخ، من خلال ربطه بين أوائل الأمة وأواخرها، ولنذكّر الإخوان الحاليين من الأتباع أن أوائل الأمة كانوا على غير ما ذكر البنا، حيث لم يكن أبو كر الصديق مرشدًا لجماعة، ولا عمر بن الخطاب نائبًا لمرشد جماعة، ولا كان عثمان عضو مكتب إرشاد الجماعة، ولم يكن على بن أبي طالب عضو مجلس شورى لأيةِ جماعة، ولم يكن أي صحابي من صحابة رسول الله ﷺ

وأعضاء بأية جماعة تشتت شمل الأمة وكذلك لم يكن القادة العسكريون ولا علماء الأمة، لذا كان حالهم صالحًا، أمّا صلاح آخر الأمة أيها البنّا فلا يكون -حتمًا- بجماعة أو فرقة أو تنظيم أو تيار أو حركة.
قاتل الله الفُرقة ولعنها، «وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ»، آل عمران: 105.

* إعلامي مصري وباحث في فقه وتاريخ الجماعات الإسلامية