رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الإثنين 03/ديسمبر/2018 - 08:28 م

الفقر .. الواقع المر

الفقر .. الواقع المر
بقلم الباحثة فاطمة حسين
aman-dostor.org/15909

برغم أننا نعيش في عالم تملآه رؤوس الاموال الكبيرة والضخمة، والشركات متعددة الجنسيات والعابرة للقارات، وبرغم المؤسسات الدولية العملاقة والمعنية في أهدافها بالقضاء على الفقر ، وبرغم البرامج الوطنية والدولية لمساعدة الفقراء و إعانتهم على الخروج من دائرة الفقر ، إلا أنه ما زال هناك فقر مدقع في كثير من البلدان، ما زال هناك من لا يملك قوت يومه ويموت جوعاً .

ما الذي يفسر هذه الفوارق والاختلافات الكبيرة في معدلات الفقر و الازدهار وأنماط النمو؟ ولماذا بدأت دول أوروبا الغربية والمناطق الاستعمارية التابعة لها المليئة بالمستوطنين الأوروبيين في النمو منذ القرن التاسع عشر؟ وما الذي يفسر التصنيف الثابت والمستمر لعدم المساواة والتكافؤ الموجود في الأمريكيتين؟ ولماذا تفشل دول أفريقيا ودول الشرق الأوسط في تحقيق النمو الاقتصادي الموجود في أوروبا الغربية، في حين أن الكثير من دول شرق آسيا قد شهدت تحقيق معدلات مذهلة من النمو الاقتصادي؟ ولماذا هذه الهوة الكبيرة بين الفقراء والأغنياء في بلاد ما بين النهرين ؟

تساؤلات عديدة تحتاج الي تفسيرات قد يرى البعض أن سبب هذه الهوة في النمو والفوارق ربما _ تعود للمواقع الجغرافية للدول فمثلا تدرج معدلات الدخل في نطاق الأمريكتين أو الفوارق طويلة المدى والحادة بين أوروبا والشرق الأوسط يمكن أن يتم تفسيره عن طريق الموقع الجغرافي الثابت ، ولكن الأمر ليس كذلك، فالانماط الموجودة في الأمريكيتين من غير المحتمل أن تكون خاضعة لتأثير العوامل الجغرافية فقبل عام ١٤٩٢ كانت الحضارات الموجودة في وسط وادي المكسيك، وأمريكا الوسطى ، ومنطقة الانديز هى التي كانت تمتلك تكنولوجيا أعلى ومستويات معيشة متميزة عن أمريكا الشمالية أو مناطق مثل الارجنتين وشيلي في أمريكا الجنوبية في حين أن جغرافيا المكان ظلت كماهي لم تتغير بالطبع
إلا أن المؤسسات التي فرضها المستعمرون الأوروبيون قد أحدثت حالة من انعكاس الثورة الاقتصادية .

كما إن جغرافيا المكان ليست باستطاعتها أن تفسر لنا حالة الفقر الموجودة فى الشرق الأوسط لأسباب مشابهة ، لقد كان للشرق الأوسط دور الريادة في العالم خلال ثورة العصر الحجري الحديث، وكانت المدن الأولى قد أنشئت في العراق وقتها كما تم صهر الحديد لأول مرة في تركيا .

بل إن العصور المظلمة في أوروبا كانت في المقابل عصوراً ذهبية في الشرق الإسلامي، وفي أواخر العصور الوسطى كان الشرق الأوسط فعالا ومتقدما في التكنولوجيا والاختراعات والتقدم الاقتصادي والعلمي اللافت للنظر، ولم تكن جغرافيا المكان في الشرق الأوسط هى التي جعلت ثورة العصر الحجري الحديث تنتعش وتزدهر بالطبع .

وكذلك الحال عندما نتحدث عن المناطق الريفية في البلدان النامية كمصر ومقارنتها بالمناطق المدنية ، هل الموقع الجغرافي لتلك القرى والمدن هو سبب الفقر والتفاوت في الدخول ؟ أيضا سنجد ذات النتيجة السابقة، فنجد في ذات القرية الواحدة رجل صاحب أطيان وبيوتاً ويقطن ذات القرية التي بها الأرملة التي لا دخل لها ولا قوت لأولادها، بل إن داخل المدينة أو المحافظة الواحدة كمحافظة الجيزة تفاوتاً ملحوظاً في الدخل والمستوى المعيشي.

واذا وضعنا فرضية أخرى في تفسير أسباب التفاوت وهى فرضية الثقافة فهل تعطينا تفسير لذلك ؟ ما زال الكثير من الناس يعتقدون أن الافريقيين فقراء لانهم يفتقدون لأخلاقيات العمل المناسبة ، وأن أمريكا اللاتينية لن تصبح غنية أبداً لأن سكانها في الأصل يغلب عليهم الإسراف والترف، وكذا الثقافة الصينية في الوقت الحاضر ، بمثابة المحرك لعجلة النمو الاقتصادي في الصين وهونج كونج وسنغافورة وينادى بها بأعلى صوت .

لذلك نجد أن معيار الثقافة مثل معيار الموقع الجغرافي لا يعطينا تفسير في سبب التفاوت ووجود الفقر المدقع، فمثلا هناك فوارق بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، ولكن هذه الفوارق تعد نتيجة لوجود المؤسسات والمسارات التاريخية المؤسسية المختلفة في كلا المكانين والتي ترتبت عليها ذلك التفاوت.

وحتى لا نطيل بتحليل أسباب تفاوت الدخول والهوة الكبيرة بين الفقراء والأغنياء في العالم ، دعونا نسأل سؤالاً آخر هاماً وهو كيف نصل إلى سبل حقيقية تحارب الفقر وتعين الفقراء ؟ كيف يمكن إنقاذ أسر فقيرة من سقف حجرة سيقع عليهم أثناء نومهم في وقت الشتاء البارد ؟ كيف يمكن إنقاذ أماً تموت جوعاً وهى ترضع وليدها؟ إنها ليست جملاً تعبيرية نرددها في المحافل الثقافية ولكنه ويا للأسف واقعاً مراً تعيشه الإنسانية في صمت وعجز فادح .

والصدمة أن قلمي توقف عن الكتابة حين كتبت وسألت عن الحل ، فتركت طاولتى واتجهت لمكتبتي المنزلية الصغيرة لعل وعسى أجد بين دفتى الكتب الاقتصادية حلاً .. ففجأة كل الحلول التى كنت قرأتها من قبل تسربت من مخي ، ولا أعرف من أين يبدأ الحل ؟ هل من الفرد الذي يخرج من ماله الخاص ليساعد الفقير ؟ أم من المؤسسات التى تعمل على مكافحة الفقر ببرامج كثيرة ؟ أم من المؤسسات الدولية بتضافر جهود الدول جميعاً ؟

إننا نجادل من أجل فهم حالة اللامساواة التي تسود العالم، ولكن ما الذي يجعل بعض المجتمعات تقوم على نظم غير فعالة وناجحة بدرجة كبيرة وعلى طرق غير مقبولة من الناحية الاجتماعية.

إن الأمم تملك القدرة في بعض الأحيان على تبني وإقامة مؤسسات فعالة وناجحة على تحقيق الازدهار .

والمعيار الأساسي لتحقيق ذلك هو " الإرادة الحقيقية " للتقدم والنمو الاقتصادي ومع الإرادة الحقيقية نحتاج اليوم من علم الاقتصاد أن يدرك الكيفية التى تؤثر في الأنماط المختلفة من السياسات والنظم الاجتماعية على المحفزات والسلوك الاقتصادي .