رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الخميس 29/نوفمبر/2018 - 10:06 م

تلك الجميلة الملتهبة الآن

تلك الجميلة الملتهبة
بقلم / معتز محسن عزت
aman-dostor.org/15826

ما تشهده الآن تلك الجميلة الملتهبة، التي عرفنا عنها النور والحكمة والجمال في أحرفها الأربعة من مسماها (فرنسا) التي تعلم العالم منها تلك الكلمات الثلاثة من ثورتها الأولى أول ثورة شعبية في التاريخ الحديث يوم 14 يوليو 1789 وهي (الحرية – الأخاء – المساواة). كلها مباديء سامية نتجت عن أدبيات الثورة الفرنسية التي نضحت من معين روسو، فولتير، موليير، راسكين وكل من دعى لها في أشكال أدبية مختلفة.

فرنسا نقطة الإنطلاق نحو التنوير للبلاد الناشدة لهذا السحر اللامع، الآن تعاني الحريق واللهيب متحولةً من بلاد النور والجمال إلى بلاد النيران والأحزان جراء القرارات الاقتصادية الأخيرة التي اتخذها رئيسها الشاب إيمانويل ماكرون مواجهًا تحديات كبرى حول صلاحية بقاءه كرئيس.

ماكرون الذي طمح منذ أيام قليلة بالسعي الخفي نحو إعلان الجمهورية السادسة محل جمهورية ديجول الخامسة، أصيب الآن بالتأجيل نحو تلك الخطوة وكأن شبح ديجول بمصيره المشابه منذ نصف قرن قد حل على الرئيس الشاب، كما حدث فيها منذ نصف قرن عبر حركة مايو 68 والتي حملت طموح جيلًا بأكمله يسعى للتجديد فكرًا وتنويرًا مع إنضمام العمال لهم وحزمة الطلبات بحرية أكثر مما هم فيه لتعاود الرياح مجيئها مجددًا من خلال حركة (السترات الصفراء) للعمال كحائط صد لإتمام حلم ماكرون المنتظر.

ا تعيش باريس الآن لياليها المخضبة بالنيران والدماء عبر تلك الحركة العمالية التي ضربت مباديء الثورة الفرنسية في عرض الحائط لنرى باريس التي تغنى بها فطاحل شعراء العالم تحيا في ظلال الفوضى والعبثية التي ولدت فكرًا وأدبًا في الستينات مستعيدةً حياتها مجددًا في قرننا المصاب بالإحمرار الدائم، تحت دعوات مختلفة تسعى لإنقاذ البشر !!
هل أصيب ماكرون بتلك الخبطات المتتالية في نظامه الوليد بسبب سعيه الخفي في إقصاء روح ديجول من دفاتر التاريخ وضمير الأمة الفرنسية ؟

هل تجرأ بفتحه ملفات القمع الفرنسي للجزائريين، كشاهد عيان على قسوة جمهورية ديجول الخامسة في قمع الإنسان من وراء ستار الشعار الفرنسي الشهير، فكان عقاب الطبيعة على محاولاته الجريئة في إعتلاء رحيق فرنسا التحررية وقت حرب الإستقلال على مدار أربع سنوات ضد النازية الألمانية ؟

لعل كل هذه التساؤلات تطرأ على الأذهان، نتيجة ما وصلت إليه فرنسا من خطوات شابة جريئة تزامنًا مع الإعداد الخفي للإعلام منذ أشهر بإعادة فتح ملفات تمرد حركة مايو 68، كتهيئة أولية لما وصلت إليه الأمور الآن كما حدث في الإعلام العربي الذي هيأ المناخ العام لهبات الخريف العربي في بقاع الأقطار العربية، لتهل علينا الحكمة العتيقة التي تقول:

و على الباغية تدور الدوائر.

في لحظات تأملية أرى أن قرننا الحالي المتمتع بالتطورات التكنولوجية الهائلة، يعيش في أجواء العصور القديمة حيث كل من تسول له نفسه بتحدي الرموز الكبيرة، يصاب بالويلات واللعنات مع إسهامات من يقف مع تلك الغضبات الكبرى وهذا ما وضح في الإتهامات الكبرى التي وجهت لمنافسته اليمينية لوبان في دعمها لتلك الإحتجاجات، لإعتلاء القمة الفرنسية في قصر الأليزيه.

هو نفس الإتهام الذي وجه لبومبيدو رئيس الحكومة الفرنسية في نظام ديجول بتهييج الشباب للإنقلاب على رحيق الحرية الفرنسية، كي تسنح له الفرصة في إقتناص السلطة العليا ولكن مع شظايا لهيب 68 فطن الرجل الحكيم ديجول في إخماد هذه الفورة الهائلة بإجراء إستفتاء على كيان الدولة الفرنسية ليكون نسبة المؤيدين أعلى من نسبة المعارضين بنسبة ضئيلة، ليتخذ الرئيس قراره بالإعتزال عن منصبه الرئاسي ومشواره السياسي خامدًا النيران التي لم يُعرف الآن بشكل قطعي من هو صاحبها رغم التكهنات ؟!

هل سيسير ماكرون على نفس خطوات من حاول الإنقلاب عليه دستوريًا، كنوع من المصالحة مع ماضي فرنسا القريب في رمزها الإستثنائي مبقيًا على جمهوريته القائمة حتى الآن ؟ أم سيستمر في خطواته الدستورية التي لم يعلن عنها رسميًا متحديًا الشرارات المتطايرة في كل شاشات العالم وينتظر الجميع ما تخبئه الأقدار ؟

هناك إحتمالان لتلك اللحظة الفاصلة، الإحتمال الأول هو إستغلاله لتلك الإضطرابات في تبريره للإعلان عن الجمهورية السادسة في قرننا المعاصر لإقصاء من يحاولون التخريب عبر بقايا المباديء القديمة المخزنة في الجمهورية الحالية وهنا تظل الجميلة ملتهبة دون توقف عن التشويه والتجريح.

أما الإحتمال الثاني فهو إبقائه على الجمهورية الخامسة لكسب صف أكبر عدد من المؤيدين مع تعديل بعض القرارات الأخيرة ليسد باب الفرصة السانحة في وجه لوبان كي لا يكرر فرصة بومبيدو في وصوله لقصر فرساي ويكون التحول الأكبر في تاريخ فرنسا ل من قمة الحرية إلى قمة العنصرية عبر مباديء حزبها اليميني.

لنترك الأيام تدلو بدلوها، ونحن في إنتظار من يوقف اللهيب الذي يقترب من منتهاه في إخفاء وجه الجميلة الحسناء فرنسا.

كاتب مصري