رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الجمعة 30/نوفمبر/2018 - 10:34 ص

يا دكتور سعد، إنَّ التسوية بين المرأة والرجل ظلمٌ للمرأة (1/3)

يا دكتور سعد، إنَّ
على محمد شوقي
aman-dostor.org/15824

مناقشة لأطروحات الدكتور سعد الهلالي الأخيرة ـ
بعد أن نَسِيَ الدكتور سعد الهلالي أو تناسى أنَّ التوزيع الإسلاميَّ الحكيم العادل في الميراث ليس مبنيًّا على قضيَّة الذكورة والأنوثةِ أصلًا، وإنما بُني على التكاليف التي يُطالب بها كُلٌّ منهما، وبعد أن نَسِيَ أو تناسى أنَّ الإسلامَ قد أَبْدَلَ المرأةَ في جوانب أخرى من التشريع الإرثيِّ نفسه فضلًا عن الجوانب التشريعيَّة الأُخرى؛ خرج علينا ليحكُم على نظام تشريعيٍّ متكامل، يأخذ هنا ويُعطي هناك، يُعطي بقدر الحاجة، ويأخُذُ بقدر الزائد، يحكم عليه بلا نظام، يحكم عليه بقوانين همجيَّة ساوت –في الظاهر- لتُجحف، وأعطت لتستبد!
هل يُعقل يا دكتور سعد، أن تأتي إلى نظام متكاملٍ لتحكم عليه بجزئيَّة منه، دون أن تنظر في بقيَّة هذا التشريع لِمَ حَكَمَ هنا بهذا الحكم؟! هل تستطيع أن تحكم بهذا على القوانين الأوروبيَّة؟!
يادكتور سعد، إنَّ التسوية بين المرأة والرجل ظلمٌ للمرأة
ألم تر أنَّك بتسويتك بين الرجل والمرأة قد حرمت المرأة من مَيزةِ استحواذها على الفروض المُقدَّرة في الشريعة الإسلامية؟! ألم تر يا دكتور سعد، أنَّ عدد الوارثات بالفرض من النساء ضعف عدد الوارثين بالفرض من الرجال:
= = فالوارثات بالفرض من النساء ثمان؛ وهن: (1-الزوجة، 2- الأم، 3-الجدة، 4- البنت، 5- بنت الابن، 6- الأخت الشقيقة، 7- الأخت لأب، 8- الأخت لأم).
== وأما الوارثون بالفرض من الرجال أربعة؛ وهم: (1-الزوج، 2- الأب، 3- الجد، 4- الأخ لأم).
وهذا ترجيح لجانب المرأة على الرجل، ويتضح لك هذا الترجيح فيما يأتي:
1-يترتب على ذلك أن المرأة ترث غالبًا بالفرض، والرجل يرث غالبًا بالتعصيب.
2-ولا شك أن أصحاب الفروض يُقدَّمون في أخذ نصيبهم على العصبات.
3-وسبب تقديم الإرث بالفرض على الإرث بالتعصيب: عدم سقوط صاحب الفرض بضيق التركة أو عدلها أو عولها، عكس الإرث بالتعصيب فإن صاحبه يسقط بضيق التركة وعدلها وعولها.
4-فلا يمكن أن يخرج أصحاب الفروض من غير حصة من التركة، أما العصبات فقد لا يبقى لهم شيء بعد أصحاب الفروض، وهذا يجعل المرأة لا تخرج إلا بنصيب من التركة.
5-ويمكن أن يكون حظ صاحب الفرض أكبر، فالبنت تأخذ نصف التركة، والبنتان تأخذان ثلثي التركة، وإذا كان هناك أم أو زوجة لا يبقى للعصبة إلا القليل.
6-ومع ذلك كُلِّه: فإن المرأة إن لم ترث بالفرض فترث بالتعصيب بالآخرين، أو التعصيب مع الآخرين:
* فالبنت: يمكن أن ترث بالفرض إذا لم يكن لها معصِّب، ويمكن أن ترث بالتعصيب بالآخرين إذا وجد الابن، وكذلك بنت الابن.
* والأخت الشقيقة: يمكن أن ترث بالفرض في حالات، ويمكن أن ترث بالتعصيب بالآخرين؛ وهو الأخ الشقيق، ويمكن أن ترث بالتعصيب مع الآخرين إذا وجد معها بنات أو بنات ابن ولم يوجد معصب من الذكور، وكذلك الأخت لأب.
وهذه الطُرق المتعددة لميراث المرأة تجعلها أكثر حظًّا من الرجل في مثل هذه الجوانب، فلو مُنعت من طريق ترث من طريق أخرى.
7-وكذلك توريث المرأة غالبًا بالفرض، حماية لها؛ حتى لا يجرؤ الرجال على التلاعب بأنصبة النساء أو حرمانهنَّ.
ألم تر يا دكتور سعد:
1-أن التشريع الإسلامي قد خَصَّ النساء –دون الرجال- بالفرض الأكبر؛ وهو (الثلثان)، وكذلك خَصَّهم بالفرض الأصغر؛ وهو(الثمن).
2-في الفرض الثاني؛ وهو (النصف) عدد حالات النساء أربعة أضعاف حالات الرجال.
3-في الفرض الثالث؛ وهو (الثلث) عدد حالات النساء ضعف عدد حالات الرجال.
4-في الفرض الرابع؛ وهو (الربع) عدد حالات النساء مثل عدد حالات الرجال.
5-في الفرض الخامس؛ وهو (السدس) عدد حالات النساء أكثر من عدد حالات الرجال.
6-لم ينفرد الرجال أبدًا بفرض مطلقًا، بينما انفرد النساء بفرضين.
ألا تعلم يا دكتور سعد، أن هذا التقسيم الرباني العادل يترتب عليه:
أنه يمكنُ أن يكون الورثة كلهم نساء في (49) مسألة، بينما لا يكون الورثة كلهم رجال إلا في (9) مسائل، وقد ذكرتُها في كتابي «تكريم المرأة في التوريث الإسلامي»: (ص50: 53)، ولا يتَّسِع المقام لعرضها. وهذا من الصور الشاهدة لعدالة الإسلام الذي تقبل تشريعاتُه وقواعدُه أن يكون جميع الورثة نساءً في أكثر المسائل، ولو كان هناك عصبات ذكور؛ كالأخ الشقيق أو لأب أو من دونهما من العصبات فلا يرثون، وهذا احترام للمرأة وصيانة لحقها، ولن تجد مثل هذه الأصول والتطبيقات في شريعة غير شريعة الإسلام.
ألم تر يا دكتور سعد، أنَّ التعصيب (من الذكر للأنثى) حماية لحقِّ المرأة في جوانب أخرى؟!
ألم تقف يا دكتور سعد، على تكريم المرأة في تشريع مسألة القريب المبارك، ومثال القريب المبارك: تعصيب ابن الابن لبنت الابن الأعلى منه، عند حاجتها إليه، إذا استغرقت البنات الثلثين. ومسألة القريب المبارك: مذهب جمهور الفقهاء، وهو المعمول به في قانون المواريث المصري (المادة:19-2)، والسوري (المادة: 277-ب)، والمغربي (المادة:351-2)، والتونسي (الفصل:119)، واليمني (المادة:318-ب)، والجزائري (المادة:155-2)، والسوداني (المادة:383)، والإماراتي (المادة:334-ب)، والقطري (المادة:474)، والكويتي (المادة:307-أ). مات عن: (بنتين، وبنت ابن، وابن ابن ابن). للبنتين (23)، ولبنت الابن، وابن ابن الابن: الباقي تعصيبًا للذكر مثل حظ الأنثيين. وهذه المسألة وإن كان في ظاهرها أنه قد أخذ فيها الرجل مثلي المرأة، إلا أنَّها محضُ تكريم لها، ويتضح لك وجه تكريم المرأة في هذه المسألة، من خلال ملاحظتين:
الملاحظة الأولى: أن الأصول العامة في الميراث تقضي بأن يُعصِّب الذكر الأنثى المساوية له في الجهة والدرجة والقوة.
فالابن يعصب البنت، وابن الابن يعصب بنت الابن، والأخ الشقيق يُعَصِّب الأخت الشقيقة، والأخ لأب يُعَصَّب الأخت لأب. لكنه قد استثنيت هذه الحالة، وهذا الاستثناء في ذاته دليل على مكانة حق المرأة لدى الشارع الإسلامي العظيم، ودليل على اهتمامه بتمليك المرأة.
الملاحظة الثانية: تنويع الشارع لطرق ميراث المرأة، والذي يجعلها أكثر حظًّا من الرجل في مثل هذه الجوانب، فلو مُنعت من طريق ترث من طريق أخرى. فإن الأنثى هنا يُعصِّبها من هو أدنى منها درجة إذا كانت بحاجة إليه، أي إنها إن لم ترث بطريق الفرض، فيشفع لها الذكر الذي هو أنزل منها، فيعصِّبها، ويكون الباقي بينها وبينه، وهذا تكريم سماوي لم يُعرف له مثيل في شريعة من الشرائع، ولا قانون من القوانين.
ألم تر يا دكتور سعد، أنَّ الإسلام أبدل المرأة بالتعصيب مع الغير؟!
فقد أعطى الرجل مثليها لحكمة في التعصيب بالغير، ولكنه أبدلها بالتعصيب مع الغير!
ألم تقف يادكتور سعد على تكريم المرأة في تشريع التعصيب مع الغير:
والعصبة مع الغير صنفان:
الصنف الأول: الأخت الشقيقة (فأكثر)، مع البنت (فأكثر)، أو مع بنت الابن (فأكثر)، أو معهما.
الصنف الثاني: الأخت لأب (فأكثر)، مع البنت (فأكثر)، أو مع بنت الابن (فأكثر)، أو معهما.
والقاعدة الفَرَضيَّةُ تقول: «اجعلوا الأخوات مع البنات عصبة». ومعنى هذا التعصيب: أن من وجدت من الأخوات مع البنت أو البنات فلها ما فضل بعد فرض البنات. وهذا مذهب أكثر الصحابة وهو قول جمهور الفقهاء؛ أن الأخوات مع البنات معصَّبات، وهو المعمول به في قانون المواريث المصري (المادة:20)، والسوري (المادة:278)، والمغربي (المادة:352)، والتونسي (المادة:121)، واليمني (المادة:319)، والجزائري (المادة:156)، والسوداني (المادة:384، 385)، والإماراتي (المادة:335)، والقطري (المادة:275، 276)، والكويتي (المادة:308).
مثال ذلك: مات عن: (بنت، وبنت ابن، وأخت شقيقة أو لأب، وابن عم).
فإن للبنت (12)، ولبنت الابن (16)، والأخت الشقيقة أو لأب لها الباقي؛ لأنها عصبة مع الغير، وابن العم محجوب.
ويتضح لك وجه تكريم المرأة هنا من خلال ثلاث ملاحظات:
الملاحظة الأولى: أن الأخت الشقيقة تتعصَّب مع البنات فتأخذ الباقي تعصيبًا، وتُصبح بقوة الرجل الذي يُقابل الأخت الشقيقة؛ وهو (الأخ الشقيق)، فتحجِبُ الأخ لأب، ومن دونه من العصبات.
وكذلك تُصبح الأخت لأب عند عدم الشقيقة عصبة مع البنات فتكون بقوة (الأخ لأب)، وتَحْجِبُ من الرجال من هو أقل منه؛ كابن الأخ، والعم، وابن العم، وهذا يدل على ترجيح جانب المرأة واحترام حقها في التوريث الإسلامي.
الملاحظة الثانية: أنه إذا كانت الأخت الشقيقة عند تعصيبها مع البنات تُسقط الأخ لأب فقد أصبحت أقوى منه، وبيان ذلك: أنها قد ساوته في الجهة والدرجة، ولكنها مع ذلك قد ترجَّحت عليه بالقرابة التي قدَّمتها عليه، وهي قرابة الأم، وهذا رفع لشأن المرأة أن تتقدم في هذه الحالة الأخت الشقيقة على الأخ لأب بسبب قرابة الأم فترث ولا يرث، وهذا أساس لجانب الأم في الميراث.
الملاحظة الثالثة: الأصل أن التعصيب يكون للذكور، ويُعصِّب الذكر الأنثى المحاذية له، والمساوية له في الجهة والدرجة والقوة، ولكننا نجد هذه المسألة؛ وهي: (تعصيب الأخوات بالبنات) حالة استثنائية، وهذا الاستثناء فيه من تكريم المرأة ما فيه، بل إنَّ في هذه المسألة إعجازًا في تشريع الميراث، معللًا ذلك ببيانه التالي:
1-الفرع الوارث المؤنث لا توجد له عصبة تتحمل المسئولية عنه، وترعاه، وإن وجدت فتكون عصبة ضعيفة.
2-وضع الأخوات أيضًا لا يختلف عن وضع الفرع الوارث المؤنث من حيث العصبة، فلا توجد لهن عصبة قوية تتحمل المسئولية عنهن وترعاهن.
3-إن الأخوات هن عمات للفرع الوارث المؤنث، وحيث لا توجد عصبة، فإن الأخوات يمثلن العمق الاجتماعي للفرع الوارث المؤنث، ويقمن حكمًا بدور المسئولية نحوه، فأشبهن العصبة للفرع الوارث المؤنث.
فأصبحت صورة المسألة: أن الفرع الوارث المؤنث الذي لعله مازال ناشئًا في وضع اجتماعي صعب؛ حيث لا توجد معه عصبة، فهو يحتاج إلى تعويض عن ذلك، فاستحق الميراث بالفرض فورث نصيبًا كبيرًا.
وهنا لا مجال لميراث الأخوات بالفرض في حين أن وضعهن الاجتماعي فيه صعوبة؛ حيث لا عصبة لهن، إضافة إلى المسئولية التي يتحملنها نحو الفرع الوارث المؤنث، فنجد حينئذ أن التشريع قد أعطى الأخوات ميراثًا بغير الفرض؛ وذلك مراعاة للوضع الاجتماعي لهن، بما في ذلك تحمل المسئولية نحو الفرع الوارث المؤنث.
وإذا تدبرت هذا البيان الصادق تبين لك حرص التشريع الإسلامي على تكريم المرأة ورفع منزلتها، ومراعاتها في حالة عدم وجود عصبة ذكور لها يقومون على شؤونها، ولاشك أنها قد أوتيت في هذا مالم يؤت الرجل، والله أعلم.
يتبع
*باحث ازهري