رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قراءات
السبت 24/نوفمبر/2018 - 06:34 م

" منهج الدفاع عن الحديث النبوي " لـ أحمد عمر هاشم يحسم الجدل حولها

 منهج الدفاع عن الحديث
محمد يسري
aman-dostor.org/15676

في عام 1989 أصدر المجلس الأعلى للشئون الإسلامية سلسلة "أضواء على السنة النبوية" لبيان كيف اعتنى بها المسلمون منذ صدر الإسلام، والعلوم التي نشأت من أجل ذلك، ومن ضمن هذه السلسلة كتاب "منهج الدفاع عن الحديث النبوي.. دراسة توثيقية" للأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم، أستاذ الحديث، وكان وقتها يعمل نائبا لرئيس جامعة الأزهر، ويعد هذا الكتاب من أهم الكتب التي تصدر من مؤسسة رسمية لها ثقلها واحترامها في العالم الإسلامي، مثل المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، حيث يتناول بشكل موضوعي جذور إشكالية إنكار السنة، ويجيب بسهولة على أهم الأسئلة التي أثيرت، وتثار حول هذه المشكلة... إلى تفاصيل الكتاب.

السنة الأصل الثاني من التشريع

في معرض تقديمه للكتاب، يوضح الأستاذ الدكتور محمد الطيب النجار، المشرف العام على مركز السيرة والسنة، أن: 


"منهج الدفاع عن الحديث النبوي منهج قديم، تمتد جذوره إلى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصحابه الأخيار، الذين جلسوا إليه، وتلقوا عنه، واقتدوا به؛ في سلوكه وأفعاله"...

 ويشدد النجار على أن "السنة النبوية هي الأصل الثاني من أصول التشريع الإسلامي، وجميع ما فيها من أحكام، ومبادئ، وآداب، متخذ من الوحي الذي أوحاه الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم. وقد بين الهد ذلك بقوله عن رسوله: { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ} [النجم:3-4]. وبين الرسول ذلك فيما يرويه الترمذي وابن ماجة عن المقدام بن معد يكرب أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه".

أما الدكتور أحمد عمر هاشم فيقول في مقدمته: "فللسنة النبوية مكانتها في الإسلام التي لا تخفى على أحد من المسلمين، ولها أهميتها في الدين، بحيث لا يمكن الوقوف على تفاصيل العقيدة والتشريع والسلوك إلا عن طريقها بعد القرآن الكريم".

ويوضح أن الهدف من الكتاب هو: "مواجهة خصوم السنة، الذين يحاولون النيل منها، والكيد لها والمكر برجالها... وقد حاولت أن أقدم في هذا الكتاب صورة لجهود العلماء في حفظ السنة، ومواجهة المستشرقين الذين أثاروا حولها بعض الشبه، كما دافعت عن حجيتها وأبرزت مقاومة الأئمة والعلماء لحركة الوضع والوضاعين، ثم تكلمت عن السبب في عدم الاحتجاج بها في النحو والصرف، وأنه ليس لقصور في روايتها وإنما لقصور لدى النحاة واللغويين، كما قمت بالرد على الشبهات الحديثية".

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

العلماء في حفظ السنة


وتحت عنوان (جهود العلماء في حفظ السنة والعناية بحفظها ونشرها) قال المؤلف:
"قد حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على تبليع المسلمين سنته الشريفة، وحبب إلى أصحابه- رضوان الله عليهم- حفظ الحديث وتبليغه. ووضع منهج التلقي والتحديث وأرسى بينهم قاعدة التثبت العلمي التي ساروا عليها واتخذوها منهجا في الرواية بعد ذلك".

ويضرب مثلا على حرص الصحابة على ذلك بما كان يفعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فيقول:

"وإذا تعذر على بعضهم الحضور، تناوب مع غيره، كما كان يفعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: (كنت أنا وجار لي من الأنصار نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينزل يوما وأنزل يوما، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك)، ولم يكن يتسنى للجميع سماع الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما كانوا يقومون به من أعمال، فكانوا يطلبون ما يفوتهم سماعه من أقرانهم، وكانوا يشددون على من يسمعون منه".

السُنة الشريفة قد
السُنة الشريفة قد قيض لها من أسباب التوثيق ما لم يحدث له نظير

نقد المحدثين


وتحت عنوان (النقد عن المحدثين) قال الدكتور أحمد عمر هاشم:" لقد تمخضت بحوث المحدثين وجهودهم في تدوين السنة النبوية الشريفة إلى علوم دقيقة، كانت قمة ما وصل إليه الفكر البشري في نقد الرجال، ووزنهم الصحيح، وهي: أصح ما عُرف في التاريخ كله من القواعد العلمية السليمة للرواية، وهي قواعد ليس بعدها مجال للتثبت والتأكد والحيطة".

وبعد أن يبين أنواع العلوم المتعلقة بعلم الحديث، ومدى عناية العلماء بها يتحدث في الفصل الثاني عن الطعون في السنة النبوية تحت عنوان (السنة في مواجهة المستشرقين) يقول:

"من أجل هذا نرى أن السُنة الشريفة قد قيض لها من أسباب التوثيق ما لم يحدث له نظير أبدا في تاريخ البشر، مثل: علوم الحديث، والجرح والتعديل، وجهاد الأئمة والحفاظ في سبيل استخلاص الأحاديث الصحيحة. وعلى هدي الكتاب: قامت على أيدي سلفنا نهضة علمية شاملة، تجاوبت أصداؤها في مشارق العالم ومغاربه".

ويؤكد أنه رغم الاهتمام بالسنة النبوية الشريفة: "فقد تعرضت لسهام أعداء الدين- بغيا منهم وعدوانا- فحاولوا قديما الدس والتحريف، والكذب والوضع بدافع التعصب السياسي، أو التعصب العنصري، أو ما أحدثه الزنادقة والجهال من القصاص أو ما كان نتيجة الخلافات الكلامية أو الجهل بالدين مع الرغبة في الخير، إلى غير ذلك من الأسباب التي يرجع معظمها إلى مكر أعداء الإسلام به، ومحاولتهم أن يلقوا في محيط الحديث النبوي بالأكاذيب والترهات".

ويوضح أنه من أجل ذلك "قيض الله سبحانه وتعالى لسنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، رجالا أمناء؛ صدقوا في إخلاصهم لله ولرسوله، ونصبوا أنفسهم للذب عن السنة الشريفة، فأفنوا أعمارهم في التمييز بين الصحيح والباطل، صيانة للسنة النبوية وحفاظا على الإسلام من الدس والتحريف".

الستشرقين في تشويه
الستشرقين في تشويه السنة

شبهات المستشرقين


ثم يوضح دور الستشرقين في تشويه السنة فيقول:"وقد عني المستشرقون بالتعرف على الإسلام ودراسة أصوله- بعد أن ألفت الجمعيات اليهودية والمسيحية- وكان منهم من تظاهر بالإشادة بالإسلام، ليطمئن القارئ لأفكاره، ثم يدس جزئية في ثنايا بحثه، تحمل السم الخطير للإسلام... وكان المستشرقون من اليهود قد أقبلوا على الإسلام لأسباب دينية، وهي محاولة إضعاف الإسلام، والتشكيك في قيمه، وأخرى سياسية، هي: خدمة الصهونية، ومن هؤلاء المستشرقين: المستشرق اليهودي المجري (جولد تسيهر)".

وينقل المؤلف فقرة من كلام جولد تسيهر: "ومن السهل أن يفهم أن وجهات نظرهم- يعني المسلمين- ليست كوجهات النظر عندنا، تلك التي لا تجد لها مجالا كبيرا في النظر إلى تلك الأحاديث، التي اعتبرها النقد الإسلامي صحيحة غير مشكوك فيها، ولقد كان من نتائج هذه الأعمال النقدية الاعتراف بالكتب الستة أصولا، وكان ذلك في القرن السابع الهجري، فقد جمع فيها علماء من رجال القرن الثالث الهجري أنواعا من الأحاديث كانت مبعثرة، رأوها أحاديث صحيحة".

ويرد المؤلف على هذا فيقول:"أما بالنسبة لاختلاف وجهة نظر النقاد الأجانب فهذا أمر طبيعي. أولا؛ لأن النقاد المسلمين يؤمنون بالله ورسوله ويصدقون بكل ما جاء به الصادق الأمين صلوات الله وسلامه عليه... ثانيا: أن النقد الإسلامي، قام على قواعد وأصول ثابتة لها قيمتها ووزنها العلمي ولا تعرف الدنيا أدق من موازين النقد التي وضعها المسلمون لقبول الأحاديث أو ردها، وقد شهد بذلك كثير من الأجانب وما دام الأمر كذلك: فماذا يضيرنا من اختلاف وجهة نظرهم".

حجية السُنة

وبعد ان ينتهي من الردود على أبرز ردود المستشرقين على السنة ينتقل إلى الدفاع عن حجيتها في الفصل الثالث تحت عنوان (دفاع عن حجية السنة.. رد ما أثير حول حجيتها)

من أبرز الشبهات حول السنة عدم الاحتجاج بخبر الآحاد- والآحاد هو ما لم توجد فيه شروط المتواتر سواء أكان الراوي واحدا أو أكثر -.

وينقل المؤلف أدلة القرآن حول وجوب العمل بخبر الواحد فيقول:

"والدليل على وجوب العمل بخبر الواحد ما يأتي: أولا: قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}[الحجرات:6]، والنبأ هو: الخبر، وهو نكرة في سياق الشرط؛ فيعم كل خبر، ويدخل فيه الخبر، الذي يتعلق بالرسول صلى الله عليه وسلم قبل غيره، لأهميته...

ثانيا: ورد في السنة ما يدل على قبول خبر الواحد من غير ذلك... 

ثالثا: إجماع الصحابة المستفاد من الوقائع الكثيرة التي كانت تحدث وتتواتر عنهم في العمل بخبر الواحد، وكثيرا ما يكون لهم رأي في أمر من الأمور، فإذا جاء خبرٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذوا به وتركوا آراءهم، كما كانوا يرجعون إلى بيت النبوة في بعض ما يحتاجون إليه، فيسألون أمهات المؤمنين رغبة منهم في الوقوف على حكم النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الأمور وعلى هذا المنهج سار التابعون من بعدهم. ومما يشهد للعمل بخبر الواحد: أن الصحابة كانوا يكتفون به فيما ينزل من أحكام الدين، ولا يطلبون خبرًا آخر".

وينتقل المؤلف إلى الردود على الشبه والطعون التي أثارها من ينكر الاحتجاج بخبر الواحد، ثم يتحدث عن شروط العمل به؛ خاصة مسند الإمام أحمد ابن حنبل الذي تعرض للكثير من طعون المستشرقين وغيرهم كما بين المؤلف.

ختم بالرد على دعوى
ختم بالرد على دعوى أن العلماء لم يعنوا بالحديث

أثر علوم الحديث في العلوم الأخرى

ويختم الفصل الثالث بأثر رواية الحديث في العلوم الأخرى، فقال:


"وكان من مميزات الرواية في الإسلام، ومن خصائصها الهامة: (الإسناد الصحيح المتصل برواية العدول الضابطين). وظل العلماء على مر أدوار الحياة يتحرون الدقة، ويعنون بالتثبت من الأخبار، ونقدها سندًا ومتنًا، ورأوا أن الإسناد من الدين، قال عبدالله بن المبارك- رحمه الله-: (الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء)"...

ويضيف: " وبعد تدوين السنة النبوية، وازدهارها في القرن الثالث الهجري، وبعد ظهور مناهج المحدثين واصطلاحاتهم.. بعد ذلك بكثير ظهرت فكرة حديثة في أوروبا؛ تهدف إلى تحديد منهج جديد للتاريخ، ظهر ذلك بعد تصنيف كتب صحاح الحديث بحوالي عشرة قرون، وعندما برز هذا المنهج إلى حيز الوجود قوبل بالتقدير البالغ وتناقله الشرقيون على أنه جديد. ولكنه في الحقيقة مأخوذ من حيث الجملة من منهج المحدثين ومتأثر به".

مقاومة العلماء

ويأتي الفصل الرابع تحت عنوان (الوضع في السنة ومقاومة العلماء له.. الوضع في الحديث ومقاوته).

قال المؤلف: " لم يشع الكذب في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا عهد الخلفاء الراشدين من بعده، وما بينهم من خلاف فقهي، فلا يتعدى اختلاف وجهة النظر في أمور الدين... وكان الكذب في عهد كبار التابعين أقل منه في عهد صغارهم؛ لوجود الصحابة وكبار التابعين.. كل ذلك كان سببا في تضييق بواعث الوضع والحد من الكذب.. ولما كان الشيعة هم أول من تجرأ على ذلك، فيمكننا الحكم بأن أول بيئة نشأ الوضع فيها هي: العراق، وكان الإمام مالك رضي الله عنه يسمي العراق (دار الضرب) أي تضرب فيها الأحاديث كما تضرب الدراهم".

ونقل قول ابن شهاب في ذلك قال: "يخرج الحديث عندنا شبرا، فيعود في العراق ذراعا، وذلك لبعد العراق عن الحجاز ولوجود أخلاط المسلمين، من مختلف الأمم، وظهور المذاهب المختلفة في العراق: من معتزلة ومرجئة، وأصناف من المتكلمين.. وكل صنف من هؤلاء، يؤيد رأيه بتأويل آيات القرآن واختلاق الحديث".

وينتقل المؤلف إلى الرد على مفتريات المكذبين للسنة ومنكري الأحاديث القدسية وشبهة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه منع كتابة الأحاديث، وكذلك الرد على منكري المعراج ورؤية الله تعالى، ثم بين هل يجوز الاحتجاج بالحديث في اللغة والنحو وأسباب تحرج الأئمة من روايته في الاستشهاد، وختم بالرد على دعوى أن العلماء لم يعنوا بالحديث.

" منهج الدفاع عن الحديث النبوي " لـ أحمد عمر هاشم يحسم الجدل حولها

" منهج الدفاع عن الحديث النبوي " لـ أحمد عمر هاشم يحسم الجدل حولها

" منهج الدفاع عن الحديث النبوي " لـ أحمد عمر هاشم يحسم الجدل حولها