رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قراءات
السبت 24/نوفمبر/2018 - 04:31 م

محمد الباز يكتب: وزير الأوقاف يجيب عن السؤال الصعب.. ما الذي نحتاجه من سُنة الرسول الآن؟«1»

 محمد الباز يكتب:
aman-dostor.org/15666

- وزير الأوقاف يرى أن هناك أحاديث نبوية بنت عصرها ولا يجب أن تعبر إلى زماننا
- مختار جمعة لا يتعامل مع السنة النبوية على أنها محصنة تمامًا لا يجب التعامل معها بمناهج العصر
- وزير الأوقاف: علينا أن نعيد النظر والاستنباط بما يتناسب مع طبيعة عصرنا وظروفه
- كتاب «الفهم المقاصدى للسنة النبوية» يفتح الباب أمام قراءات واجتهادات عصرية للسنة النبوية


لا يحتاج وزير الأوقاف الدكتور محمد مختار جمعة لمن يدافع عنه، لسبب واحد أنه ليس متهمًا لدينا بشىء، ولا يقف فى معسكر الباطل، لكن يبدو أننا- قبل أن يكون هو- فى حاجة إلى وقفة إلى جواره ضد مَن يحاولون تصوير اجتهاده فى ملف السنة النبوية على أنه اعتداء على الدين والمقدسات، وهو تصوير مغرض تمامًا. 


وقد تتعجب عندما تعرف أن المدفعية الثقيلة الموجهة إليه ليست موجهة إلى جمعة من خصومه التقليديين والمعلنين من أبناء الجماعة الإرهابية وصفوف الجماعة السلفية، ولكنها من بنى جلده، هؤلاء الذين يرتدون الزى الأزهرى رافعين شعار وسطيته، وهم أبعد ما يكونون عن ذلك. 

لن أطيل فى الحديث المستتر، ولنبدأ بسؤال يلخص الحالة التى أعقبت حديث الوزير معى فى برنامجى ٩٠ دقيقة الذى أقدمه على قناة المحور. 

كنت قد قررت فى حلقة الثلاثاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٨، أن أتحدث مع عدد من خبراء علم النفس والإعلام والاجتماع السياسى والتاريخ والثقافة عن تصورهم عن عقلية الداعية العصرى الذى يجب أن يكون منفتحًا على كل العلوم والثقافات. 

ولأن الكرة فى ملعب وزير الأوقاف المسئول عن الدعاة وإعدادهم فى مصر، فقد بدأت معه حديثًا، تطرق بنا إلى مساحة اجتهاده الكبرى، وهى مساحة تتماس بشكل أساسى مع منهج التعامل مع سنة النبى- صلى الله عليه وسلم- وتحديدًا السُنة القولية المتمثلة فى أحاديثه التى تضمها الكتب التى نطلق عليها الصحاح وغيرها. 

لم يكن ما قاله لى وزير الأوقاف على الهواء جديدًا، سمعته منه قبل ذلك مرتين. 

الأولى فى جلسة جمعتنا سويًا فى مكتبه بالوزارة قبل شهر رمضان الماضى، كان يحدثنى عن الكتاب الذى يعكف عليه وهو «الفهم المقاصدى للسنة النبوية»، ويومها أكد أن الأفكار التى يحملها الكتاب لن تروق لكثيرين، ولخص لى فلسفته فى أن هناك أحاديث نبوية بنت عصرها، قالها النبى- صلى الله عليه وسلم- ليس كنبى، فتصبح جزءًا من الشرع، وهناك آراء له ساقها كحاكم وقائد عسكرى أو كقاضٍ، وهذه لا يجب أن تعبر إلى زماننا، فقد تصرف فيها كحاكم لعصر له قوانينه وظروفه التى تختلف عن قوانيننا وعصرنا. 

ضرب لى وزير الأوقاف يومها بعض النماذج من هذه الأحاديث، ورأيته متحمسًا، لكن لا أخفى عليكم أننى أشفقت عليه، وقلت: كيف لهذا الرجل أن يواجه العاصفة التى سيجلبها إلى بيته بكتابه هذا؟.

ولا أخفى عليكم أيضًا أننى رأيت الدكتور مختار جمعة يومها بعين مختلفة.

كان بالنسبة لى وقتها وزيرًا مسئولًا فى الدولة، يحرص على أن يلقى خطبة الجمعة بشكل أسبوعى، وهى الخطبة التى تنقل على الهواء مباشرة فيسمعها الناس فى كل بيت، وهى العادة التى يحرص عليها، ولا أخفى عليكم وعليه أن هذه العادة تعرضه للنقد والانتقاد، وقد لا يعرف كثيرون أنه يعتبر أن حرصه على إلقاء خطبة الجمعة أسبوعيًا بنفسه يأتى من شعوره بالمسئولية، لا سعيًا خلف شهرة أو انتشار، فيكفيه أنه أصبح وزيرًا تخطى أكثر من تغيير وزارى وهو ثابت فى مكانه. 

فى هذا اليوم رأيت أمامى مجتهدًا كبيرًا، يخالف المتفق عليه، يخلص لقضية التجديد، أكثر من إخلاصه لمكاسب قد يحصل عليها، لو ظل هادئًا ومطيعًا سائرًا فى القطيع الذى يعاند محاولات التجديد ويقف فى طريقها وكأنه حجر عثرة. 

لا يمكن أن ألوم على الدكتور مختار جمعة أنه مجتهد يرتدى العباءة الأزهرية، فهو لا يذهب فيما يقوله عن السنة النبوية مذهب من يرفضونها بالجملة، بل يضعها فى المكانة التى تستحقها، لكنه لا يتعامل معها على أنها محصنة تمامًا لا يجب الاقتراب منها أو التعامل معها بمناهج العصر ونزولًا على مقتضياته. 

بعد شهر رمضان أجريت حوارًا مطولًا اقترب من الساعتين مع الوزير الذى أعاد مرة أخرى ما قاله عن ضرورة التعامل مع أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم على أنها بنت عصرها، ويجب علينا أن نتعامل معها بما يحتمه عصرنا، وذلك من خلال المجتهدين الذين لا بد أن تتوفر فيهم شروط معينة. 

أشفقت على الوزير من الهجوم عليه، لكن يبدو أن كثيرين لم يلتفتوا إلى ما قاله بدقة، فمر الحوار بسلام باستثناء بعض المناوشات العابرة التى لم تكن ذا بال. 

فى الاحتفال بالمولد النبوى الشريف تحدث شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، مستدعيًا معركة تاريخية وقف فيها بعض الكتاب، على رأسهم محمد أفندى توفيق، معتبرًا أن الإسلام هو القرآن وحده، وانتقد الإمام محاولات القرآنيين الذين يرفضون أى تعامل مع السنة التى اعتبرها ثلاثة أرباع الدين، ليدخلنا جميعًا فى معركة وهمية، فهو أكثر من يعرف أنه لا أثر ولا تأثير للقرآنيين الآن فى مصر بعد حصارهم ومطاردتهم وسجنهم وتشريدهم بدفع مباشر من مؤسسة الأزهر. 

وقف الرئيس عبدالفتاح السيسى ليتحدث بعد الدكتور الطيب، ليصحح ما يمكن اعتباره شططًا وقع فيه الإمام، عندما قال إن القرآنيين رغم إساءتهم، فإن المشكلة ليست فيهم وحدهم، ولكن فيمن أساءوا فهم السنة النبوية الشريفة، وأنزلوها منزلًا لا يليق بها. 

ولأن هناك كثيرين ممن يحملون فى قلوبهم مرضًا، فقد ذهبوا إلى أن هناك معركة يرفع فيها الدكتور الطيب لواء الدفاع عن السنة، رغم أنه لم يكن هناك من يهاجم السنة أو يقلل من قدرها.

تحدث معى وزير الأوقاف فى اليوم التالى مباشرة للاحتفال، فأعاد ما قاله قبل ذلك أكثر من مرة. 

استقطع المغرضون من كلامه قوله: إن النبى صلى الله عليه وسلم كان رسولًا ورئيس دولة، وهناك أمور حكم بها رسول الله كونه رسولًا وأخرى كونه رئيس دولة، وأن هناك أحكامًا قطعية تناسب كل مكان وزمان، وأيام الرسول تختلف عما نعيشه الآن، وبدأت الحملة من فلول الجماعة الإرهابية، ومن ينتمون إلى لجان إلكترونية تنفق عليها جماعات داخلية تناصب وزير الأوقاف العداوة والبغضاء، فقالوا إن الوزير يرفض السنة النبوية. 

كان طبيعيًا أن يصدر الوزير بيانًا يصحح فيه ما التبس فى الأفهام، واعتقد البعض أنه يتراجع عما قاله، لكننى توقفت أمام فقرة فى بيانه تؤكد أنه ماضٍ فيما يراه. 

يقول جمعة فى بيانه: لا خلاف حول ثبوت النصوص الصحيحة، وإنما الخلاف كل الخلاف مع أصحاب الأفهام السقيمة الذين لا يفرقون بين النص الثابت والفكر البشرى المتغير الناتج عن فهم النص، إذ نجزم أن هذا الفهم وذلك التطبيق فيما يتصل بالمتغيرات والمستجدات ليس قرآنا ولا نصًا مقدسًا، إنما هو فهم أو تطبيق ناسب عصره وزمانه، وعلينا أن ننظر فى هذه الآراء، فما وافق منها عصره وزمانه وكان صالحًا لزماننا أيضًا أخذنا به، وما كان صالحًا لزمانه هو وظرفه هو وثبت بالقرائن أن تطبيقه على هذا النحو كان لظروف عصره لم نحمله قسرًا على عصرنا وظروفنا مع عدم مناسبته لهما.

ويؤكد جمعة ما يراه بقوله: علينا أن نعيد النظر والاستنباط بما يناسب طبيعة عصرنا وظروفه، ولا يقول بخلاف ذلك إلا جاهل أو معاند أو متاجر بدين الله عامد إلى تشويهه أو توظيفه لعنفه وتطرفه، بل خدمة أعدائه. 

يأتى الوزير إلى ما يقال عن السنة النبوية، فيقول: وعندما نتحدث عن السنة النبوية المشرفة إنما نتحدث عن المصدر الثانى للتشريع، فقد أجمع علماء الأمة وفقهاؤها وأصوليوها ومفكروها على حجية السنة النبوية وأن طاعة الرسول من طاعة الله. 

لا ينكر وزير الأوقاف المجتهد الكبير وضعية السنة النبوية ولا حجيتها إذن، ولكنه يدخل إليها من مدخل عصرى، وهو ما أكد عليه مرة أخرى وأعتقد أنها لن تكون أخيرة فى خطبته التى ألقاها أمس فى مسجد الروضة ببئر العبد فى مناسبة مرور عام على المذبحة التى ارتكبها الإرهابيون فى حق أهالى القرية.

قال الوزير الفقيه: يظل النص المقدس مقدسا ولا مساس به، ولكن كلمة التجديد المنشود تنصرف إلى أقوال الدعاة والمفكرين عند تفسيره قديما ثم حديثا، فما كان مناسبا لعصرهم قديما قد لا يناسب عصرنا مع تحديث واجتهادات عصرنا، كما فعل عمر بن الخطاب رضى الله عنه وعطل حدا من الحدود- يشير هنا إلى حد المؤلفة قلوبهم- لا اجتراء منه على حد بقدر ما أدركه من مقاصد الشريعة السمحاء ووسطيتها. 

أعرف أن إصرار وزير الأوقاف على ما ذهب إليه من رأى ورؤية واجتهاد سيجدد الهجوم عليه، لكن لابد أن تكون الصورة كاملة، وهو ما يجعلنى هنا أضع أمامكم محتوى كتابه المهم «الفهم المقاصدى للسنة النبوية»، وهو الكتاب الذى رغم صغر حجمه- فهو يقع فى ١٤٦ صفحة من القطع المتوسط- إلا أنه يجب أن يكون زادا لكل إنسان وليس مسلمًا فقط، لأنه يتبنى فكرة إنسانية عامة، فالأديان لم تأت لشقاء البشرية ولكن لإسعادها. 

يبنى وزير الأوقاف كتابه على أن هناك من يقفون عند ظواهر النصوص لا يتجاوزون الظاهر الحرفى لها إلى فهم مقاصدها ومراميها، فيقعون فى العنت والمشقة على أنفسهم وعلى من يحاولون حملهم على هذا الفهم المتحجر، دون أن يقفوا على فقه وفهم مقاصد السنة النبوية المطهرة، بما تحمله من وجوه الحكمة واليسر، وما لو أحسنا فهمه وعرضه على الناس لغيرنا تلك الصورة السلبية التى سببتها أو سوقتها الأفهام والتفسيرات الخاطئة للجماعات الإرهابية والمتطرفة والمتشددة ورؤى أصحاب الأفهام السقيمة الجامدة على حد سواء. 

يستند جمعة فيما يقوله على يد العلماء والفقهاء الذين أكدوا على أهمية فهم المقاصد العامة للتشريع، فهى الميزان الدقيق الذى تنضبط به الفتوى، فقد أكد كثير من أهل العلم المعتبرين أن الأحكام فى جملتها بنيت على جلب المصلحة أو درء المفسدة أو عليهما معا. 

وقد تسأل عن المصلحة التى يقصدها الشرع. 

هنا يأتى كلام الفقهاء المتصالحون مع الواقع والعارفون بقيمة الإنسان ورسالته فى الحياة، ليقولوا لنا إن مقصود الشرع من الخلق خمسة، وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت الأصول الخمسة فهو مفسدة ودفعه مصلحة. 

ذهب أهل العلم الذين درس مختار جمعة ما قالوه جيدا إلى أن كل ما يحقق هذه الغايات الكبرى هو من صميم الاسلام، وما يصطدم بها أو يتصادم معها إنما يتصادم مع الإسلام وغاياته ومقاصده وفطرته السمحة النقية. 

الكلام ليس على سبيل الإنشاء، ولكن هناك عددا من المبادئ التى أرساها الفقهاء المتصالحون مع الحياة، فمن بين هذه المبادئ والكلام دال على معانيه: الأمور بمقاصدها، لا يُنكر تغير الأحكام بتغير الزمان، لا ضرر ولا ضرار، الضرر لا يزال بضرر مثله أو أكبر منه، المصلحة العامة مقدمة على الخاصة، درء المفسدة مقدم على جلب المنفعة، المشقة تجلب التيسير، الضرورات تبيح المحظورات، اليقين لا يزول بالشك. 

لابد لكل ذلك من هدف واضح.

يقول جمعة: نحن فى حاجة إلى قراءة مقاصدية عصرية للسنة النبوية تتواكب مع روح العصر ومستجداته، وتقرب السنة النبوية العظيمة إلى الناس، بدلا من تلك الأفهام والتأويلات التى تنفر الناس من السنة، بل من الدين نفسه ولا تقربهم منها ولا منه. 

«الفهم المقاصدى للسنة النبوية» كتاب فى حقيقته يفتح الباب أمام قراءات واجتهادات عصرية للسنة النبوية المشرفة، يقوم بها أهل العلم والفقه المتخصصون، بحيث تراعى ظروف ومتغيرات الزمان والمكان والأحوال والأشخاص، واضعين نصب أعينهم ما قرره الأصوليون والفقهاء من أن الفتوى قد تتغير بتغير الزمان أو المكان أو أحوال الأشخاص أو المستفتين، وأن ما كان راجحا فى عصر وفق ما اقتضته المصلحة فى ذلك العصر قد يكون مرجوحا فى عصر آخر، إذا تغيرت ظروف هذا العصر وتغير وجه المصلحة فيه. 

ليس هذا وفقط، بل إن المفتَى به فى عصر معين وفى بيئة معينة وفى ظل ظروف معينة قد يصبح غيره أولى منه فى الإفتاء به إذا تغير العصر، أو تغيرت البيئة، أو تغيرت الظروف، ما دام ذلك كله فى ضوء الدليل الشرعى المعتبر، والمقاصد العامة للشريعة، وكان صادرًا عمن هو- أو ممن هم- أهل للاجتهاد والنظر. 

وحتى لا يزايد أحد على مختار جمعة فيما كتبه، ويتهمه بأنه يحط من شأن السنة، يقول موضحًا الأرض التى يقف عليها: لا يجادل أحد فى مكانة السنة النبوية الشريفة المشرفة وحجيتها وعظيم منزلتها إلا جاحد أو معاند لا يعتد بقوله، فقد أجمع أهل العلم على أن السنة النبوية المطهرة هى المصدر الثانى للتشريع، ومن ثم كانت العناية الفائقة بها حفظًا ورواية وتدوينًا وتخريجًا وشرحًا واستنباطًا للأحكام. 

لكنه يستدرك بالقول الفصل الذى يبين هدقه ومقصده: غير أن وقوف بعض قاصرى الفهم عند ظواهر النصوص دون فهم مقاصدها قد أدى إلى الجمود والانغلاق فى كثير من القضايا، وهو ما يجعل الحديث عن الفهم المقاصدى للسنة النبوية أمرًا ضروريًا وملحًا لكسر دوائر الجمود والانغلاق والتحجر الفكرى. 

ولأن مختار جمعة يعرف أن البحر الذى يخوض فى مائه عميقٌ لجىٌّ، فهو يضع لنفسه ولمن يأتى من بعده بعضًا من الثوابت التى لا يجب إغفالها عند التعامل العصرى مع أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم. 

فما ثبت بدليل قطعى الثبوت والدلالة وما أجمعت عليه الأمة وصار معلوما من الدين بالضرورة، كأصول العقائد وفرائض الإسلام من وجوب الصلاة والصيام والزكاة وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا، كل ذلك لا مجال للخلاف فيه، فهى أمور توقيفية لا تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال والأشخاص. 

ما الذى يستوجب الاجتهاد إذن؟.. 

مجال الاجتهاد- كما يحدده جمعة- هو كل حكم شرعى ليس فيه دليل قطعى. 

وعلى من يتصدى للاجتهاد أن ينظر بكل التقدير والاحترام لآراء الأئمة المجتهدين، فهم أهل علم وفضل، بذل كل منهم وسعه فى الاجتهاد والاستنباط فى ضوء معطيات عصره. 

ولا ينفى هذا الإيمان بأن بعض الفتاوى ناسبت عصرها وزمانها أو مكانها أو أحوال المستفتين، وأن ما كان راجحًا فى عصر وفق ما اقتضته ظروف ذلك العصر قد يكون مرجوحًا فى عصر آخر إذا تغيرت ظروف هذا العصر وتغير وجه المصلحة به، وأن المفتى قد يصبح غيره أولى منه فى الإفتاء به إذا تغير العصر، أو تغيرت البيئة أو تغيرت الظروف، ما دام ذلك كله فى ضوء الدليل الشرعى المعتبر، والمقاصد العامة للشريعة، ما دام الأمر صادرا عمن هو- أو من هم- أهل الاجتهاد والنظر. 

هل لكم فى سماع ما قاله الإمام شهاب الدين أحمد بن إدريس المالكى، الشهير بالقرافى؟.. 

شهاب الدين إمام مصرى المولد والنشأة والوفاة، وله مصنفات جليلة فى الفقه والأصول، وتوفى فى ٦٨٤ هجرية. 

يقول القرافى: ينبغى للمفتى إذا ورد عليه مستفتٍ لا يعلم أنه من أهل البلد الذى منه المفتى وموضع الفتى ألا يفتيه بما عادته أن يفتى به حتى يسأله عن بلده، وهل حدث لهم عرف فى ذلك البلد فى هذا اللفظ أم لا. 

يؤمن جمعة فى منهجه بالرأى والرأى الآخر، وبإمكانية تعدد الصواب فى بعض القضايا الخلافية، فى ضوء تعدد ظروف الفتوى وملابساتها ومقدماتها، وإذا كان بعض السلف الصالح قد قال «رأيى صواب يحتمل الخطأ ورأى غيرى خطأ يحتمل الصواب»، فإنه يذهب إلى أن كلا الرأيين قد يكون على صواب غير أن أحدهما راجح والآخر مرجوح، فنأخذ بما نراه راجحًا مع عدم تخطئتنا لما نراه مرجوحا، ما دام صاحبه أهلا للاجتهاد، ولرأيه حظ من النظر والدليل الشرعى المعتبر، فالأقوال الراجحة ليست معصومة، والأقوال المرجوحة ليست مهدرة ولا مهدومة. 

ويرى جمعة أن تسارع وتيرة الحياة العصرية فى شتى الجوانب العلمية والاقتصادية والتكنولوجية، إضافة إلى التقلبات والتكتلات والتحالفات والمتغيرات السياسية والاقتصادية والحياتية والاجتماعية، كل ذلك يحتم على العلماء والفقهاء إعادة النظر فى ضوء كل هذه المتغيرات، للخروج من دوائر الجمود التى تحاول بعض التيارات المتشددة فرضها، من خلال فرض رؤيتها الجامدة المنغلقة على المجتمع. 

ويخلص مختار جمعة فى رؤيته إلى أنه لا بد أن نضع فى اعتبارنا أن أى تغيير أو تجديد فى تناول قضايا الدين عبر تاريخ البشرية لا يمكن أن يكون موضع إجماع أو اتفاق، بل الاختبار لمدد أو فترات زمنية تطول وتقصر وفق قناعات المجددين وصمودهم واجتهادهم وقدرتهم على الإقناع برؤاهم الفكرية الجديدة، وأن التقليديين لا يمكن أن يسلموا بالسرعة والسهولة التى يطمح إليها المجددون، وبمقدار عقلانية المجددين وعدم شطط المحسوبين عليهم فى الذهاب إلى أقصى الطرف الآخر، يكون استعداد المجتمع لتقبل أفكارهم بقطعهم الطريق على أصحاب الفكر الجامد والمتحجر فى طعنهم فى مقتل. 

الرؤية فيها جرأة وأعتقد أن مختار جمعة لم يقدمها نزولا على مقتضيات عمله الرسمى، بقدر ما فعل ذلك نزولا على مسئوليته الفكرية والدينية، وهذا حديث آخر يتجدد بيننا غدًا.