رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قراءات
الخميس 22/نوفمبر/2018 - 02:48 م

الكتاب الأزمة.. أضواء على السُنة النبوية لمحمود أبو رية

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
محمد يسري
aman-dostor.org/15617

المعركة حول حجية السنة والعمل بها، ليست وليدة الساعة، لكنها تضرب بجذورها في التاريخ الإسلامي، وقد آثار الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، المعركة من جديد خلال كلمته التي ألقاها في الاحتفال بمناسبة ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم، التي تحدث فيها عن القرآنيين وإنكار السنة أو إسقاط حجية العمل بها، وهو ما أعاد المعركة إلى المشهد من جديد.

ومن أبرز هذه المعارك، في العصر الحديث، معركة كتاب "أضواء على السنة النبوية" لمحمود أبو رية، المطبوع عام 1975م، وقد واجه مؤلفه الكثير من المشاكل من العلماء قبل وبعد وفاته، بقدر ما نال أيضا من تأييد آخرين.. السطور التالية تلقي الضوء على ما في أضواء أبوريدة:

شهادة طه حسين

في البداية وصف طه حسين موضوع الكتاب بأنه "خطير قيّم، وهو نقد ما وصل إلينا من الحديث الذي يُحمل عن النبي صلى الله عليه وسلم وتمييز الصحيح من غيره ليطمئن المسلمون إلى ما يُروى لهم عن رسول الله".

الدافع إلى التأليف

في مقدمة الكتاب يعلل أبو رية السبب الذي دفعه لكتابته فيقول:

"إن للحديث المحمدي من جلال الشأن وعلو القدر ما يدعو إلى العناية الكاملة به، والبحث الدقيق عنه، ولكن العلماء والأدباء لم يولوه ما يستحق من العناية والدرس، وتركوا أمره لمن وقفوا بعلمهم عند ما يتصل بالسند فحسب، أما المعنى فلا يعنيهم من أمره شيء.

وعلى أنهم قد بذلوا أقصى جهدهم في دراسة علم الحديث من حيث العناية بسنده فإنهم قد أهملوا جميعا أمرا خطيرا، وهو البحث عن حقيقة النص الصحيح لما تحدث به النبي صلوات الله عليه".

يوضح أبو رية في هذه الفقرة أن دافعه لتأليف هذا المصنف هو البحث المتأني عن النص الصحيح من كلام النبي، ويشير إلى أن جهود السابقين تركزت على السند وحسب على حساب المعنى.

ويضيف أنه بعد أن تتبع اصل الحديث وروايته وتاريخ حياته والمصادر الصحيحة والأسانيد الوثيقة فقد انتهي في صفحة (8) إلى أنه:

" لا يكاد يوجد في كتب الحديث كلها مما سموه صحيحا، أو ما جعلوه حسنا- حديث- قد جاء على حقيقة لفظه ومحكم تركيبه، كما نطق الرسول به، ووجدت أن الصحيح منه في اصطلاحهم إن هو إلا معان مما فهمه بعض الرواة، وقد يوجد بعض ألفاظ مفردة بقيت على حقيقتها في اصطلاحهم حديثا "صحيحا" إنما كانت صحته في نظر رواته، لا أنه صحيح في ذاته، وأن ما يقال عنه متفق عليه ليس المراد أنه متفق على صحته في نفس الأمر، وإنما المراد أن البخاري ومسلم قد اتفقا على إخراجه، وليس من شروط الحديث الصحيح أن يكون مقطوعات به في نفس الأمر لجواز الخطأ والنسيان والسهو على الثقة".

(السنة) مصطلح لا تعرفه اللغة

ثم يدخل أبو رية في تعريف مصطلح السنة من كتاب السابقين، ويخلص في صفحة (11) إلى نتيجة مفادها أن :
" أنه اصطلاح مستحدث لا تعرفه اللغة ولا يستعمل في أدبها، وقد جربنا على هذا الاصطلاح في تسمية كتابنا هذا وفيما يجري حديثنا فيه- وكأن الحق أن نسميه- دفاعا عن الحديث لأنه وضع في الحقيقة من أجل ذلك".

وينتقل ابو رية إلى مكانة السنة ويختم بما نقله عن رشيد رضا بقوله:


"أن السنة لا تنسخ القرآن... والعمدة في الدين كتاب الله تعالى في المرتبة الأولى والسنة العملية المتفق عليها في المرتبة الثانية وما ثبت عن النبي، وأحاديث الآحاد فيها رواية ودلالة في الدرجة الثالثة ومن عمل بالمتفق عليه كان مسلما ناجيا في الآخرة مقربا عند الله تعالى وقد قرر ذلك الغزالي".

وينقل ابو رية بعد ذلك للفرق بين كلام الرسول في الأمور الدنيوية والدينية، ثم يقرر من خلال ما نقله عن بعضهم قاعدة استخلصها وعنون لها في الكتاب (مجرد أمر الرسول لا يقتضي الوجوب).

النبي لم يأمر بتدوين السنة

ويأتي الكتاب في 494 صفحة طبعة دار المعارف يحمل الكثير من العناوين التي يسوقها المؤلف لتبرير ما وصل إليه حول سنة رسول الله، ويوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بكتابة الحديث ونهي الصحابة عن ذلك، ثم بين تشديد الصحابة في قبول الأخبار وساق عددا من الروايات التي تتحدث عن الكذب على النبي في حياته.

وينتقل المؤلف لبيات تفاوت الصحابة في صدق الرواية ونقد بعضهم لبعض، ثم يدخل في مسألة أخرى وهي كيف رُوي الحديث بعد أن نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابته وأصل رواية الحديث بالمعنى واختلاف العلماء في ذلك، وأتي بأمثلة على ذلك.

ثم يشرح ابو رية علل الحديث وبين كيف نشأ (الاختراع) في الرواية والوضع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قصص القصاص.

الأحاديث الموضوعة

وتحت عنوان (الوضع السياسي أو الوضع للسياسة) يقول في صفحة (99-100):

"ولابد لنا قبل أن نختم هذا الفصل أن نكشف عن ناحية خطرة من نواحي الوضع في الحديث كان لها أثر بعيد في الحياة الإسلامية، ولايزال هذا الأثر يعمل عمله في الأفكار العفنة والعقول المتخلفة والنفوس المتعصبة، ذلك أن السياسة قد دخلت في هذا الأمر وأثرت فيه تأثيرا بالغًا فسخرته ليؤيدها في حكمها، وجعلته من اقوى الدعائم لإقامة بنائها.. وقد علا موج هذا الوضع السياسي وطغا ماؤه في عهد معاوية الذي أعان عليه وساعده بنفوذه وماله، فلم يقف وضاع الحديث عند بيان فضله والإشادة بذكره، بل أمعنوا في مناصرته والتعصب له حتى رفعوا مقام الشام الذي يحكمه إلى درجة لم تبلغها مدينة الرسول صلوات الله عليه، ولا البلد الحرام الذي ولد فيه".

ونقل بعض الأحاديث التي رأي أنها موضوعة ومنها أحاديث مروية عن ابي هريرة رضي الله عنه والسيدة عائشة رضي الله عنها، منها حديث "خذوا نصف دينكم من هذه الحميراء".

ومن دولة بني أمية إلى دولة بني العباس يتابع أبو ريدة حديثه عن (الوضع) السياسي لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم.

وتحت عنوان (كيف استجازوا وضع الأحاديث؟) قال المؤلف في صفحة (109):

لم يشأ وضاع الحديث أن يدعوا عملهم بغير أن يسندوه بأدلة تسوغ ما يضعون... وينقل كلام الحافظ ابن حجر في ذلك فيقول (الصفحة نفسها):

"قال الحافظ ابن حجر: هذه والله قاصمة الظهر للمحتجين بالمرسل، إذ بدعة الخوارج كانت في مبدأ الإسلام والصحابة متوافرون، ثم في عصر التابعين فمن بعدهم، وهؤلاء إذا استحسنوا أمرا جعلوه حديثا واشاعوه، فربما سمع الرجل الشيء فحدث به ولم يذكر من حدثه به تحسينا للظن فيحمله غيره ويجيء الذي يحتج بالمنقطعات فيحتج به، مع كون أصله ما ذكرت!".

ومن الوضاع الكاذبين إلى (الوضاع الصالحين) قال المؤلف في صفحة (110):
"لم يكن وضع الحديث على رسول الله مقصورا على أعداء الدين وأصحاب الأهواء فحسب- كما بينا- وإنما كان الصالحون من المسلمين يضعون كذلك أحاديث على رسول الله، ويجعلون ذلك حسبة لله بزعمهم ويحسبون أنهم بعملهم هذا يحسنون صنعا، وإذا سألهم سائل، كيف تكذبون على رسول الله، قالوا: نحن نكذب له لا عليه! وإن الكذب على من تعمده!"

ثم ينقل ما اقر به العلماء من أحاديث موضوعة في صفحة (116) فيقول:

"والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى، ومن أراد أن يستزيد منها فليرجع إلى مظانها وبخاصة كتاب تحذير الخواص للسيوطي".

الإسرائيليات وأبو هريرة

ويخصص حوالي 80 صفحة من الكتاب للحديث عن الإسرائيليات المنقولة في كتب الحديث وأبرز من فعل ذلك من وجهة نظره، ثم ينتقل من هذا للحديث على أبي هريرة رضي الله عنه وبعد أن يأتي بما يسقط به عدالته ببعض الشواهد التي يسوقها لإثبات وجهة نظره الشخصية في ذلك يقول في صفحة (193- 194):

"وأبو هريرة لم يكن له- كما قلنا أي شأن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد الخلفاء الأربعة، ولم يستطع أن يفتح فاه بحديث واحد إلا بعد قتل عمر، ولم يجرؤ على الفتوى إلا بعد الفتنة الأولى وهي قتل عثمان وعلو شأن بني أمية".

التناقض في تدوين القرآن

ومن ابي هرير رضي الله عنه إلى الإمام البخاري ثم مسند أحمد وغيره من أصحاب الكتب التسعة مرورا بكتاب الوحي وجمع القرآن الكريم يقول تحت عنوان " وقفة قصيرة" (ص225):

"ولابد لي هنا من أن اقف وقفة قصيرة أستعلن فيها ما عراني من حيرة فيما أوردوه من أنباء هذا الجمع وما فيها من تناقض كثير، فنبأ يقول: إن عمر هو الذي فزع إلى أبي بكر في هذا الجمع، وخبر يقول: إن هذا الجمع لم يكن في عهد أبي بكر، وإنما هو عمر الذي تولاه، ورواية ثالثة تنفي أن عمر قد قتل قبل أن يكمل هذا الجمع، وأن عثمان هو الذي أتمه، ثم روايات أخرى كثيرة تحمل مثل هذا التناقض، لا نتوسع بإيرادها... على حين ذكروا قبل ذلك وثيقة يرضى بها العقل ويؤيدها العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتب كل ما ينزل عليه من قرآن وقت نزوله علي العسب واللخاف وقطع الأديم وغيرها... إن هذه النسخة الفريدة التي تحمل الصورة الصحيحة للقرآن ستبقى على وجه الزمن خالدة لو كانت موجودة لأغنتهم عما وجدوه في سبيل عملهم من عناء، ولأصبحت هي المرجع الأول للقرآن في كل عصر ومصر والتي كان يجب على عثمان أن يراجع عليها مصاحفه التي كتبها قبل أن يوزعها على الأمصار".

ثم يبدأ بعد ذلك نقل ما دونه العلماء حول مشكلات القرآن ومنهم طاهر الجزائري في كتابه التبيان.

تدوين السُنة

ومن تدوين القرآن إلى تدوين السنة فيقول في صفحة (234- 235):

"لم يدونوا الحديث إلا مكرهين:
لما أمروا بتدوين الحديث لم يستجيبوا للأمر إلا مكرهين، وذلك بأنهم كانوا يتحرجون من كتابته بعد أن مضت سنة من كان قبلهم من الصحابة على عدم تدوينه فقد حدث معمر عن الزهري قال: كنا نكره كتاب العلم حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء فرأينا ألا نمنعه أحدا من المسلمين".

والكتاب يحتاج لقراءة صفحاته كاملة للوقوف على ألاسباب التي جعلته أحد أكبر المعارك الفكرية في العصر الحديث.

الغلاف

الغلاف

الغلاف