رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قراءات
السبت 17/نوفمبر/2018 - 06:55 م

الفرائض الغائبة في الفكر الإسلامي المعاصر ـ هدية مجلة الأزهر

الفرائض الغائبة في
عمروعبد المنعم
aman-dostor.org/15472

هل الفكر هو الدين؟ وهل يجوز الإختلاف مع الفكر الإسلامي التقليدي القديم؟ وما هي معايير الإجتهاد؟ ووما هي الضوابط المعاصرة الخاصة به وفق معطيات العصر وأولويات الحياة والوجود ؟، هذا ما تناقشه هدية العدد الجديد من مجلة الأزهر ربيع الأول 1440هـ ــ  نوفمبر 2018م، بعنوان "هوامش علي أزمة الفكر الإسلامي المعاصر(نظرة نقدية) " للدكتور محمود حمدي زقزوق عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر. 


هذا الكتاب الذي يعد من التجليات الفكرية الجديدة الخاصة بالدكتور زقزوق، وكأن ثنايا الكتاب وسطوره تحمل أعتذرًا خفياُ عن ماضي قضاه الرجل في هذه القضية ولم يوضح خلفيات أزمة الأزهر والمؤسسات الدينية في التعامل مع فقه التجديد والإجتهاد. 

مناقشة أزمة الفكر الإسلامي المعاصر حالة خاصة تحتاج إلي جراءة وعي وخبرة، وكان لا بد من مساهمة الأزهر بشكل واضح وعملي في هذه القضية وحسم الجدل الذي يتجدد بشكل كبير كل فترة، عن مفاهيم ومصطلحات التراث والأصالة والمعاصرة، والدعوي والسياسي، والتجديد والتبديد، ومن هنا يبدأ د زقزوق من مقدمة مفادها أن الأمة الاسلامية إذ تريد أن تستعيد شخصيتها الإستقلالية في نظرتها إلى الأمور وإلى الحياة بعامة، فإنه لا مفر أمامها من الاسترشاد بماضيها وتراثها وتبحث فيه عن عوامل النهوض وأسباب التقدم والتجديد. 

غير أنه بحسب كلام زقزوق في هذا الكتاب الصغير الحكم الجليل القدر يجب أن نراعى متغيرات العصر وما يستجد من تطورات إيجابية في المجالات كافة، لأننا نملك الحرية في الاستفادة من إيجابيات الحضارة الغربية مع الاحتفاظ في الوقت نفس بالعناصر الأساسية في تراثنا، وفي هذا فإننا لسنا في تجربة جديدة، فقد سبق أن جمع أسلافنا في مرحلة بناء الحضارة الإسلامية بين تراثهم والإستفادة في الوقت نفسه من إيجابيات الحضارات السابقة واستطاع الأقدمين أن يدمجوا بين الجانبين من دون حرج.

هدية عدد نوفمبر 2018م
هدية عدد نوفمبر 2018م

تعريف التجديد 


يعرف د زقزوق الفكر الديني في كتابه الجديد "هوامش علي أزمة الفكر" أنه اجتهاد المسلمين في مختلف الميدين وهي اجتهادات بشرية غير معصومة من الخطأ فهي عرضة للصواب والخطأ هي جزء من الفكر الإنساني، فإنه يمكن القول أن تجديد الفكر الديني يعد ضرورة حياتية، والحديث عن التجديد في الفكر الديني في الإسلام يستدعي في الذهن الحديث عن العقل وعن الاجتهاد فهما عماد التجديد.

أما المقابل عدم التجديد كما يبين د زقزوق فهو الجمود والانغلاق وهو ما يعني التخلف في صوره وأشكاله المتعددة، لذلك فإن قضية تجديد الفكر الديني ليست هامشية وإنما هي بالغة الأهمية في حياة المسلمين لما للدين من عمق في النفوس، وفي ذلك يشير د زقزوق إلي عدد من الحقائق في مقدمها أن التجديد هو من طبيعة الإسلام، وأنه لا تناقض بين الدين والتجديد، ويستشهد بقول النبي (صلى الله عليه وسلم): «إن الله يبعث لهذه الأمة كل مئة عام من يجدد لها دينها».

لكن ما هي أهم القضايا التي يجب ان تطرح في مفاهيم التجديد ونعمل عليها وهذا ما يجيب عليه د زقزوق في كتابة ففي الفصل الثاني يطرح عنوان مظاهر الجمود في الفكر الإسلامي المعاصر والتي تستدعي الإجتهاد فيها وملخصها: الفقه الإسلامي المعاصر، وفقه الواقع ثم مجالات الدراسات العقائدية، ثم مجالات التفسير وعلوم القرآن، ثم مجال الحديث النبوي ومفاهيم التيارات المعاصرة وعلاقتها بالحاكم والمحكوم. 

ومن اجل هذه القضايا الكلية وفروعها الجزئية وقعت الأمة بين خيارين أو تيارين يمثلان إفراطًا في جانب وتفريطًا في جانب آخر، وهو المعنى نفسه الذي عبر عنه المفكر شكيب أرسلان عندما قال: «من أكبر عوامل انحطاط المسلمين هي الفئة الجامدة التي لا تريد أن تغير شيئًا ولا ترضى بإدخال أقل تعديل على أصول التعليم الإسلامي لاعتقادهم بأن الاقتداء بالكفار كفر وأن نظام التعليم الحديث وضعه كفار».

هدية عدد اغسطس عام
هدية عدد اغسطس عام 2014

الاجتهاد دون توقف 


ومن ذلك يعرض د زقزوق تنشيط الفكر الإسلامي وتجديده، من خلال بعض الأفكار حول قضية رئيسية وهي الاجتهاد والتقليد، وينطلق من أن النصوص التي يرجع إليها الفقهاء بشكل عام الآن محدودة، ولكن مستجدات كل عصر لا تنتهي، ومن ثم يتطلب التعامل مع واقع الحياة عقلًا راجحًا وأفقًا واسعًا في فهم النصوص، وهو ما جعل المفكر الإسلامي محمد إقبال يصف الاجتهاد بأنه مبدأ الحركة في الإسلام. وعلى ذلك فالفقهاء في كل العصور مطالبون بالاجتهاد من دون توقف وليس من حق أحد أن يغلق باب الاجتهاد، ويحدد الكتاب قضيتين رئيسيتين في حاجة إلى اجتهاد جديد وهي قضية الجهاد، وقضية الخلافة.

وضرب الكتاب مثلًا بقضية ختان الإناث مستدلًا بها علي جمود العقلية الإجتهادية وتوقفها في العصر الحديث وهي فتوى الشيخ جاد الحق علي جاد الحق بجواز الختان بل وذهب إلي أنه لو اتفق أهل بلد على عدم ختان الإناث فعلي الإمام أن يقاتلهم علي ذلك وقد تحدث الدكتور حمدي زقزوق معترضًا علي هذه الفتوى مع الشيخ الراحل موضحا أن هناك احاديث تخص هذه القضية كلها ضعيفة لا تقيم حجة ولا يعتد بها، وانها تستحق الاجتهاد وعدم الوقوف عند ما قاله السابقون، فكان رده عندما نكون مثلهم في علمهم يحق لنا الإجتهاد وهذا أمر غير قائم في عصرنا الحالي. 

فقضايا مثل فوائد البنوك والإستنساخ الجزئي وتخصيب الأجنة، قضايا تحتاج إلي إجتهاد شرعي وعقلي كما ان تدريب الفقهاء علي ملكة الإفتراضيات والأرئِيْتيَّات (أرأيْت لو كان كذا وكذا...) أمر بات من المهام المفروضه عقلا وشرعا. 

الكتاب الأصلي نشر
الكتاب الأصلي نشر عام 2017

الجهاد والخلافة والاجتهاد الغائب
وقدم قضية الجهاد والخلافة واعتبرها من القضايا الهامة في النقاش لشيوعها في أدبيات التيارات المتطرفة والمتشددة فقضية الجهاد ظهرت بها فتاوى تحض على الجهاد لا من أجل تخليص المسجد الأقصي من الصهاينة وسعيهم جاهدين الى تهويد مدينة القدس، وإنما تنصب الدعوة إلى الجهاد ضد فريق من المسلمين أو جيش من المسلمين لخلافات سياسية. 


أما قضية الثانية وهي موضوع الخلافة، فإزاء الجدل الذي يدور حولها في الوقت الراهن، يعتبر د زقزوق أن المطلوب هو بحثها في ضوء متغيرات العصر بأوسع المعاني ودراسة أبعاد هذا التغيير، ذلك أنه إذا كانت الخلافة بعامة هي العمل على وحدة المسلمين وتآلفهم بما من شأنه أن يحقق لهم العزة والمنعة والأمن تحت مظلة واحدة، فإن السؤال هو: هل تحقيق هذا الهدف لا يكون إلا من خلال الصيغة التقليدية المتوازنة منذ خلافة أبي بكر (رضي الله عنه) حتى سقوط الخلافة العثمانية؟ أم أن هناك مساحة من الحرية تتيح البحث عن صيغة أخرى بديلة يمكن أن تحقق الهدف المنشود في ضوء متغيرات العصر؟

ويتنقل زقزوق إلى مناقشة الفكر الإسلامي في تأثره ومدى تفاعله مع التيارات المعاصرة وبخاصة العولمة، والتنوير، وما يتصل بهما من نقاش حول هذه القضاياوتجديد الفكر الديني، يبدأ زقزوق من إعادة تأكيد حقيقة أننا نعيش عصر ثورة المعلومات والاتصالات، الثورة التكنولوجية، وعصر الفضائيات والبرمجيات، عصر العولمة والإنترنت، ما يجعله عصرًا مختلفًا تمامًا عن أي عصر سابق.

هوامش على أزمة الفكر الإسلامي المعاصر يستطيع اي مدقق أن يفهم منه طبيعة المعركة الحالية والقادمة أمام تيارات التحنيط والتكفين المؤسسية؟! التي تقتل أي ابداع من جانب، وتيارات الغلو والتطرف من جانب أخر، وما بن الإثنين يعجز المثقف الحقيقي في التعامل مع الواقعين المحنط والمتطرف. 

الكتب نشرعدة مرات لكن عدد الأزهر الأخير به بعض الإضافت الهامة والملاحظات الذكية من المؤلف، تختلف عن عدد شوال 2014 الذي نشر نفس الكتاب كهدية بالمجلة، وتختلف قليلًا عن كتابه المطبوع بعنوان" تأملات في أزمة الفكر الاسلامي المعاصر نظرة نقدية " عن دار الفكر العربي المنشور عام 2017. 

لو وضعنا هوامش علي أزمة الفكر الإسلامي المعاصر برؤيته النقدية وتجربة د محمود حمدي زقزوق وسيرته الذاتية في كتابه " رحلة حياة" أمام بعضهما البعض أو في قراءة متأنية للكتابين لعرفنا قصة الصراع مع المؤسسة الدينية ( الأزهر والأوقاف )، ولخرجنا بنتائج كثيرة هامة أهمها لماذا قضايا التجديد والاجتهاد حتي الآن متعثرة وصعبة المنال والتحرك فيها مثل التحرك علي الأشواك، ومن ثم انتشرت دعوي التطرف والغلو والتشدد في الوقت الراهن.