رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الأحد 11/نوفمبر/2018 - 01:46 م

محمد الباز يكتب: فضائيات ما بعد يناير.. الشارع يركب الإعلام.. التركة المنفلتة «6»

محمد الباز يكتب:
aman-dostor.org/15337

أحمد بهجت استخدم «دريم» فى نسج لعبة خاصة مع نظام مبارك عبر استقطاب إبراهيم عيسى وحمدى قنديل وهيكل


- «المحور» لم تدخل فى مشكلات مع النظام لأنها محافظة فى القضايا الاجتماعية والسياسية

- مرسى قال لـ«حسن راتب»: «والدك منّا ونريدك أن تكون معنا».. فرد: «إذا قبلت نصيحتى فهذا يرضينى وإن لم تقبلها فلا مكان لى إلى جوارك»

- نجيب ساويرس بدأ عملية إفساد الإعلام عبر «On tv».. والأزمة فى عدم وجود مايسترو يضبط الأداء


لسنوات طويلة كانت الدولة المصرية تخدع نفسها بأنها تملك إعلامًا قويًا، وجدنا أنفسنا أمام سيل من القنوات الفضائية والقنوات المتخصصة والقنوات المحلية التى تملكها الدولة، دون أن يكون لدينا محتوى قوى يتناسب مع كل هذا العدد من القنوات، وكان المبرر وقتها أن مصر رائدة، دون أن يقول لنا أحد أى ريادة يمكن أن نحققها بقنوات كثيرة لكن مضمونها واحد. 

بداية من العام ٢٠٠١ حدثت انفراجة، سمحت الدولة لرجال الأعمال بامتلاك قنوات تليفزيونية، فظهرت قناة «دريم» لصاحبها أحمد بهجت، وفى العام التالى ٢٠٠٢ مباشرة ظهرت قناة «المحور» التى يملكها حسن راتب، وبعد ٦ سنوات شقت قناة «الحياة» طريقها فى الفضاء المصرى عام ٢٠٠٨ ويملكها السيد البدوى، وفى أواخر العام نفسه ظهرت قناة «O tv» التى دشنها نجيب ساويرس، وأعلن عنها رسميًا مع تامر أمين فى إحدى حلقات البرنامج الشهير «البيت بيتك»، مبشرًا بدورها الكبير الذى ستقوم به فى عالم الإعلام المصرى. 

كانت هذه هى الفضائيات الخاصة الكبيرة، وعلى هامشها ظهرت فضائيات أخرى أشهرها «الفراعين»، التى كان توفيق عكاشة نجمها الأول والأوحد، هذا غير القنوات السلفية التى انفجرت فى وجوه المصريين دون سابق إنذار، وظهر على شاشتها من كانوا يُحرّمون جهاز التليفزيون من الأساس أمثال أبوإسحاق الحوينى ومحمد حسين يعقوب ومحمد حسان، وتحول هؤلاء بقدرة قادر إلى نجوم تغازلهم المشاهدات على الهواء مباشرة.. ولا يمكن أن نتجاهل بعض الفضائيات الصغيرة التى خرجت لهدف تجارى بحت. 

لعبت الفضائيات الخاصة دورًا فى خلخلة النظام، من أكثر من زاوية. 

من خلال شاشاتها عرف الناس أن هناك أصواتًا أخرى غير الصوت الرسمى الذى كان محافظًا ومنغلقًا وتجمد بفعل الزمن، فانصرفوا إلى هذه القنوات، خاصة أنها كانت أكثر حيوية ومرونة وأقل تحفظًا فى تناول القضايا الدينية والاجتماعية وربما السياسية، ولكن على استحياء. 

استخدم أحمد بهجت قناته «دريم» فى نسج لعبة خاصة به مع النظام، وقد فعل هذا مبكرًا عندما وافق على استقطاب من يرى أنهم يمكن أن يكونوا على خلاف مع النظام، فظهر إبراهيم عيسى ببرنامجه «ع القهوة»، وظهر حمدى قنديل ببرنامجه «قلم رصاص».. وكانت المفاجأة الكبرى هى ظهور هيكل على شاشة «دريم» بعد أن أقنعته هالة سرحان رئيسة القناة بذلك. 

كان مبارك لا يثق فى هيكل، وأعتقد أن نقطة البداية كانت من كتابه «خريف الغضب» الذى يعتبر اغتيالًا ثانيًا للرئيس السادات، أدرك مبارك أن هيكل لا أمان له، فهو لا يتمتع بشرف الخصومة، اختلف مع السادات، نعم، لكن هذا لم يكن مبررًا أبدًا ليكتب عنه بكل هذا السوء، فقرر أن يبعده عنه، ولا يدخله إلى دائرته، وظلت العلاقة بينهما باردة، رغم بعض الود الذى بدا فى اتصالات هاتفية فى مناسبات اجتماعية عابرة. 

كانت القشة التى قصمت ظهر العلاقة بين مبارك وهيكل، هى محاضرته فى الجامعة الأمريكية التى تحدث فيها عن فكرة توريث الحكم فى مصر، وكانت المفاجأة الكبرى أن قناة «دريم» أذاعت المحاضرة على الهواء مباشرة، جرى هذا فى أكتوبر من العام ٢٠٠٢، لكن بأوامر عليا امتنعت القناة عن إذاعة المحاضرة مرة أخرى، بعد أن نوهت عنها، لتبدأ المشاكل بين أحمد بهجت ونظام مبارك فى التصاعد والتصعيد معًا. 

وقتها كان هيكل مسيطرًا تقريبًا على كل الصحف الخاصة أيضًا، كان أصحابها يعتبرون الكاتب الكبير الأب الروحى لهم، يسارعون إلى إجراء الحوارات معه، ويتابعون أخباره كنجم عالمى، لا تفوتهم منه أو عنه شاردة ولا واردة. 

كنًا وقتها فى صوت الأمة، وقد قمت بتفريغ المحاضرة بنفسى مساء الخميس، لكننى فوجئت صباح الجمعة بعادل حمودة، رئيس التحرير، يطلب منى أن نرفع الصفحة التى بها محاضرة هيكل من صفحات العدد، قلت له: لكن الصحف الأخرى ستنشر نص المحاضرة، فابتسم، ربما من سذاجتى، وقال لى: لن تنشر أى صحيفة المحاضرة، قلت له: ولكنه هيكل، فرد: وليكن.. لن ينشر أحد. 

وكانت المفاجأة أنه لم تنشر صحيفة واحدة نص المحاضرة، إلا صحيفة «العربى» التى كان يرأس تحريرها عبدالله السناوى، الذى كان، ولا يزال، يتعامل مع هيكل بطريقة المريد فى محراب الولى، وكان طبيعيًا أن تفعل ذلك جريدة «العربى» التى خرجت عن الخط وبدأت منذ العام ٢٠٠٠ حملة على فكرة توريث الحكم، ثم إن السناوى نفسه كان قد وسع الهامش الذى تتحرك فيه الصحف المصرية، ورغم أن الصحيفة لم تكن واسعة التوزيع لظروف اقتصادية خاصة بها، إلا أنها كانت كبيرة التأثير بفعل ما تنشره، ويبدو أن هذا كان كافيًا للصحفى الكبير الذى تختلف معه كثيرًا لكن لا تملك إلا احترامه وتقديره. 

صيغة قناة «المحور» كانت مختلفة بعض الشىء عن صيغة «دريم»، وربما يعود هذا ضمن ما يعود إلى شخصية حسن راتب، الذى أطلق على قناته «قناة الأسرة العربية»، فى إشارة واضحة إلى أنه أرادها قناة محافظة، ليس فى القضايا الاجتماعية فقط ولكن فى القضايا السياسية أيضًا، وربما كان هذا سببًا فى أن «المحور» لم تدخل فى مشاكل مع النظام، وهو ما يعود أيضًا إلى شخصية حسن راتب الذى حدد علاقته مع أى نظام، مهما كانت هويته، بطريقته الخاصة، فهو رجل أعمال من مصلحته أن يكون الوطن مستقرًا، ولا استقرار يأتى إلا من خلال نسج علاقة متكافئة مع من يحكمون، فهو ليس خصمًا يعاندهم، ولكنه فى الوقت نفسه ليس تابعًا لا يناقشهم. 

فى الوقت الذى كانت فيه «المحور» تذيع جلسات مؤتمرات الحزب الوطنى على الهواء مباشرة، كانت تسجل حوارًا مع مهدى عاكف، مرشد جماعة الإخوان، ورغم أن مقربين من مبارك طلبوا من حسن راتب ألا يذيع حوار عاكف، إلا أنه لم يستجب، لأنه وعد المرشد بذلك، ونفذ الوعد وفاءً له، ووفاءً لعلاقة شخصية تربطه بالرجل لا ينكرها هو حتى الآن، رغم رفضه التام لجماعة الإخوان وما فعلته فى مصر خلال فترة حكمها ( يونيو ٢٠١٢- يونيو ٢٠١٣).
لقد حاول البعض الطعن فيما أكتب هنا، وأعلنوا التحدى أننى لن أقترب من «المحور» أو من حسن راتب، خاصة أن هناك اتهامات تطارده من وقت لآخر بأنه إخوانى، أو أنه عمل مع الإخوان، وظهر فى صور عديدة مع محمد مرسى ورجال الإخوان، وقد سألته قبل أن أتولى تقديم برنامج «٩٠ دقيقة»، برنامج القناة الرئيسى، عن كل ما يتردد حوله، فأجابنى بما أوصاه به والده الذى كان إخوانيا قبل موته، قال له: «إذا أردت أن يستقيم لك الحال فى مصر فلا تلعب سياسة ولا تنضم إلى جماعة الإخوان»، وهو ما حافظ عليه، لكن بحكم أنه رجل أعمال ورجل إعلام فى الوقت نفسه، فقد جرت تقاطعات كثيرة بينه وبين رجال السلطة لا ينكرها، بل يعترف ببعض الزلات خلال سيرة ومسيرة هذه العلاقة، وهو ما جعله يحافظ على الحد الأدنى من قناعاته التى لا يتنكر لها، بل يتحدث عنها ببساطة، سواء فى جلساته الخاصة أو فى أحاديثه العلانية. 

عندما التقى حسن راتب بمحمد مرسى فى قصر الاتحادية غازله مرسى بانتماء والده للإخوان، قال له: «كان والدك منّا ونريدك أن تكون معنا، فرد راتب عليه: يا سيادة الرئيس إذا أردتنى إلى جوارك فسأكون ناصحًا فقط، وإذا قبلت نصيحتى فهذا يرضينى وإن لم تقبلها فلا مكان لى إلى جوارك»، ولأن مرسى لم يستمع إلى نصائح راتب أو غيره، فقد انصرف عنه الجميع بعد شهور من حكمه، فقد تبين للجميع أن السفينة غارقة لا محالة. 

نجيب ساويرس كان صيغة بمفرده، فهو أقرب إلى الطفل الذى يلعب طوال الوقت بما يملك، وهو ما بدا فى قناته التى تحولت من «O tv» إلى «On tv»، وظلت فى الظل طوال ما قبل يناير إلى أن تحولت إلى قناة متحدثة باسم الثورة، وكانت هذه بداية ما يمكن اعتباره ركوب الشارع للإعلام، وهو أيضًا ما يمكننا اعتباره عملية الإفساد الشعبية للإعلام. 

بعد يناير تم افتتاح ما يقرب من ٢٠ قناة فضائية، كان أهمها وأشهرها، فيما أعتقد، «cbc» لملكها رجل الأعمال محمد الأمين، و«النهار» التى أسسها رجل الإعلام والإعلان علاء الكحكى، و«التحرير» التى تشارك فيها عدد من رجال الأعمال والإعلاميين، وقد استفادت هذه الفضائيات جميعها من حالة السيولة السياسية التى كانت وبالًا على السياسة والإعلام فى كل شىء. 

كان لافتًا أن هذه القنوات لا تحقق مكاسب تذكر، لا أستطيع الحديث عن أرقام موثقة أو موثوق فيها، فلا توجد جهة واحدة فى مصر مهتمة بالتوثيق أو لغة الأرقام، لكن طبقًا للمعلن الذى يمكن أن نعتمد عليه، فإن عائدات الإعلان فى مصر بالنسبة للقنوات الفضائية فى هذه الفترة كانت تقدر بما يقرب من ٢ مليار ونصف المليار جنيه سنويًا، تقسم على عشرين قناة فضائية، بينما كان يصل الإنفاق على هذه القنوات إلى ما يقرب من ٣ مليارات ونصف المليار. 

كان هناك عجز واضح يصل إلى ما يقرب من مليار جنيه يضخ فى هذه الكيانات الإعلامية، والسؤال: من أين كانت هذه القنوات تحصل على هذا المليار؟ وهو السؤال الذى يفتح الباب أمام الحديث عن المال الأجنبى الذى دخل إلى مصر بعد ثورة يناير ليجعل هذه القنوات تقف على قدميها وتواصل دورها فى خلخلة الأوضاع العامة، وهى الخلخلة التى جعلتنا نعيش فى فوضى لسنوات. 

هذه المليارات التى بلا عدد رسّخت لأوضاع الفضائيات وجعلت منها قوة كبيرة، ليس بتأثير ما تقدمه من محتوى إعلامى، فهذه قضية أخرى سيأتى وقت مناقشتها حتمًا، ولكن بتأثير تشابك تأثير مصالحها ومصالح من تدافع عنهم وتتحدث بلسانهم، ثم إن استقرارها جعلها تستعين بعدد كبير من العاملين فى مختلف التخصصات، وهو ما يجعل إعادة النظر فى أوضاعها أو محاولة هيكلتها أمرًا صعبًا، تمامًا مثل ما يحدث فى التليفزيون المصرى الذى أصبح عبئًا كبيرًا على من يتولون أمر الإنفاق عليه وعلى من يديرونه وعلى من يعملون فيه، لا تستطيع الدولة التخلص منه ولا تستطيع الاستفادة به. 

لقد أدت حالة السيولة السياسية التى عاشتها مصر بعد أحداث ٢٠١١، إلى أن تضيع البوصلة من الجميع، لم يعد هناك مايسترو يضع السياسة الإعلامية العليا للبلاد ويشرف على تنفيذها، وكما كانت هناك فوضى سياسية أصبحت لدينا فوضى إعلامية، كل من يريد أن يقول شيئًا يقوله، دون أن يكون هناك من يراجع أو يحاسب. 

الشارع وحده كان من يحكم، أصبح تشكيل الوزارة بمليونية، وأصبحت الإطاحة بالوزارة بمليونية أخرى، لا يصدر قرار إلا إذا كان بضغط من الشارع، ولا يلغى قرار إلا بتأثيره، ولذلك فليس من العدل أو الإنصاف تحميل من تولوا إدارة شئون البلاد أخطاء المرحلة الانتقالية، فقد لعب الشارع لعبة الساحر الذى يبهر المشاهدين دون أن يكون هناك أى شىء حقيقى يقدمه على الإطلاق. 

أدركت تأثير الشارع على الإعلام فى دائرتى الصحفية الضيقة. 

بعد أيام قليلة جدًا من أحداث ٢٠١١ طلبنى عادل حمودة إلى مكتبه، رأيته يجلس أمام جهاز الكمبيوتر الخاص به، ويستعرض عددًا كبيرًا من الصور، طلب منّى أن أشاركه فى استعراض الصور، التى قال إنها أتته من مصدر مهم جدًا. 

كان عادل يحدثنى وهو منزعج جدًا، فقد كانت الصور لعدد ممن تصدروا المشهد فى أحداث يناير، وهم يتلقون تدريبات فى الخارج، وأذكر من بينهم أحمد ماهر ومحمد عادل ومصطفى النجار ونوارة نجم وأسماء محفوظ وإسراء عبدالفتاح. 

قال لى عادل: يبدو أن الموضوع كان مبيتًا له فى الخارج، والعيال دى كانوا بيتجهزوا مبكرًا جدًا عشان يعملوا اللى عملوه، سألته: هل سننشر هذه الصور؟ فرد بسرعة: أنت شايف إيه؟ قلت له: العيال دى الشارع معاهم لو نشرنا الصور ممكن ياكلونا، فوافق على كلامى. 

وهنا أعترف بأن هذه من المرات التى جبنت فيها- وهى بالمناسبة كثيرة- فلم تكن لدىّ الشجاعة للموافقة على النشر، ولم أكن قد أدركت أن هذا هو تأثير الشارع علينا. 

بعد شهور عندما بدأ عوار من شاركوا فى أحداث ٢٠١١ يظهر للجميع، تسابقت فضائيات بعينها فى نشر هذه الصور والتعليق عليها، وبدأ الشارع يتجاوب معها، وأذكر أن عادل حمودة قال لى وقتها: لو كنا نشرنا الكلام ده بدرى كانت بقت خبطة صحفية جبارة، فقلت له مبتسمًا، وكنت أتفاهم معه كثيرًا دون كلام كثير: مكنّاش نقدر يا أستاذ. 

بعد أن أصبح محمد مرسى رئيسًا- مع الأسف والأسى الشديدين- قام الإخوان بحرق مقر جريدة الوفد، وحاصروا مدينة الإنتاج الإعلامى ليجبروا الإعلام كله على أن يقول ما يريدونه، قاوم الإعلام كثيرًا، لكنه كان يفعل ذلك من باب أن هذه معركة صفرية، فإما أن نبقى وإما أن تبقى الجماعة. 

لقد أكل الشارع لحم صحفية تجرأت وفضحت ما تعرفه عن التدريبات التى تلقاها من شاركوا فى الثورة، عندما ظهرت، فى الأيام التى كان الميدان فيها صاخبًا، على قناة «المحور» مع سيد على وهناء سمرى فى برنامجهما «٤٨ ساعة»، وأعتقد أن هذه الصحفية لا تزال مطاردة حتى الآن، وعانت كثيرًا من حملات تشويه وتشريد وطرد من صحف عديدة، ولا يزال سيد على يدفع ثمن ما فعله، وإن كان أضيف إليه ما قاله بعد ذلك على واحدة من القنوات الفضائية الإخوانية من أنه ابن المشروع الإسلامى.. رغم أنه لم يكن كذلك على الإطلاق. 

يَفسد الإعلام عندما يصبح أسيرًا للشارع، وهذا ما جرى للإعلام المصرى كله بعد أحداث ٢٠١١، وأعتقد أنه لا يزال يعانى من هذه اللعنة حتى الآن، فالإعلاميون وأصحاب القنوات لم يتطهروا بعد من هذه الصيغة، وهو ما يجعلهم يحرصون على ابتزاز مشاعر هذا الشارع طلبًا لرضاه عنهم. 

يمكنك بالطبع أن تعترض طريقى وتقول، وهل يجب أن يعارض الإعلام الشارع، وأن يذهب فى الوجهة التى تريدها السلطة فقط؟ 

سأقول لك إن الإعلام يجب أن يكون طوال الوقت على موجة الشارع، لكن يجب أن يحتفظ بدور الموجه والمرشد والشارح والمحلل والمفسر، لأن هذا دوره ومسئوليته، يقدم الإعلام للمسئولين ما يشكو منه الشارع وما يعانى منه فى محاولة للوصول إلى حلول، دون أن تكون للشارع كلمة فى صياغة سياسة بعينها. 

الإعلام الصالح مثل الحاكم الصالح تمامًا. 

من تراث ما كتبه كاتبنا الكبير توفيق الحكيم فى وصاياه لمن يريد أن يكون حاكمًا صالحًا لمصر، أنه على من يريد أن ينجح فى حكم الناس فى مصر أن يحقق لهم ما يحتاجونه لا ما يريدونه. 

أعتقد أن هذه القاعدة صالحة تماما للإعلام، فإذا أراد الإعلام أن ينجح ويحقق شيئًا إيجابيًا للناس، فلا بد أن يقدم لهم ما يحتاجونه، دون أن يخضع أبدًا لتلبية ما يريدونه، وهى المعادلة الصعبة التى لا يستطيع كثيرون تحقيقها. 

لقد اختار الإعلام ولسنوات طويلة أن يسير مغمى العينين وراء الشارع، وأعتقد أننا خسرنا كثيرًا فى معركة الوعى، لأننا فعلنا ذلك، وهو ما يجب أن نتوقف تمامًا عنه، خاصة أن التكنولوجيا الحديثة، خاصة شبكات التواصل الاجتماعى، أفسدت علينا الجمهور، عندما منحت الناس فرصة أن يكتبوا، معتقدين أن ما يكتبونه إعلامًا كاملًا، رغم أنه ليس إلا فضفضات عابرة، لا يمكن أن تعبر عن رأى أو رؤية متكاملة لما نعانى منه. 

يخاف الإعلاميون أن يعاندوا الشارع فيما يذهب إليه، فيسيرون خلفه، رغم أن الشارع يورد الإعلام موارد التهلكة التى لا مرد لها ولا رجوع عنها. 

يحلو للناس فى مصر أن يتهموا الإعلام بأن ذوقه فاسد، دون أن يعترفوا بأن عملية فساد ذوق الإعلام خرجت من رحم فساد الذوق العام.. وهى الحقيقة التى لا بد أن يواجهها الجميع ويعترف بها، هذا إذا أردنا إصلاحًا بالطبع.