رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الأربعاء 07/نوفمبر/2018 - 02:52 م

ظواهر في فكر البنا.. ظاهرة المطابقة (2)

ظواهر في فكر البنا..
محمد أحمد عابدين*
aman-dostor.org/15231

لم يكن حسن البنا نبيًا يوحى إليه، ولا عالمًا يوتَنسُ بعلمه، ولا فقيهًا يستنبط الأحكام، ولا واعظًا يمتلك الرشادة، ولأنّ كلًا وجب الأخذ منه والرد عليه، فتلك قراءةٌ لفكر الرجل توجب على أتباعِه وغيرِهم إعادة قراءته..

يستطيع القارئ المدقق، وحتى القارئ الذي يمتلك بعض اهتمام ومتابعة لما كتبه حسن البنا، أن يلاحظ أن البنا يطابق ويساوي بين جماعته التي يدعوها -كما أسلفنا- «فكرة» أو «دعوة»، يطابق بين الجماعة كفكرٍ بشري وبين الدين كصيغةٍ إلهية، كما يطابق بين شخصه كمرشدٍ ومؤسسٍ للجماعة وبين الموحَى إليه ﷺ وتلك كارثةٌ أخرى.

وللاستدلال على ما اقترفه البنا من مطابقة بين جماعة الإخوان كفكرة، وبين الدين الإسلامي كرسالة، نستعرض عدّة نماذج:

النموذج الأول:

يقول البنا في ركن التجرد، وهو أحد أركان البيعة العشرة في رسالة التعاليم، مانصه « أريد بالتجرد أن تتخلص فكرتك بما سواها من المبادئ والأشخاص لأنها أسمى الفِكَر وأجمعها وأعلاها "صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ"، و" قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۖ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ".

وهنا جملةٌ من الملاحظات.

الأولى:
أن البنا لا يزال مغترا بنفسه وبجماعته إذ يرى أنه على العضو أن يتخلص من المبادئ، فلا مبادئ إلاّ ما يقره مرشد الجماعة ومؤسسها ولا شخص إلاّ شخصه، وان فكرته -أي جماعته- لهي أسمى الفِكَر وأجمعها وأعلاها.

الملاحظة الثانية:

أن البنا يطابق بين جماعته كفكر بشري، وبين الإسلام الذي هو دين الله، إذ بالعودة إلى كتب التفسير وبالربط بين الآية «صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً» وبين مايسبقها ويلحق بها من الآيات، نجد أن صبغة الله المقصودة في القرآن الكريم إنما هي الإسلام، والمعروف أن أي كاتب حين يستشهد بنص يصبح أمام مستشهَدٍ عليه، ومستشهِدٍ به، والنص المستشهَد به هنا في ركن التجرد عند البنا، إنما هو القرآن الكريم.

الملاحظة الثالثة:

أن البنا يمارس الإقصاء باستبعاد ما دون مبادئه ومَن دون شخصه، حتى دون أن يكلف نفسه عناء ذكر الأسباب لذلك الإقصاءِ المتعمَد.

وفي حوارٍ دار بيني وبين عضو الجماعة صفوت حجازي، سألته: هل لك أن تخبرني بخطأ اقترفه البنا حتى أصدّقَ أنه بشر مثلنا؟

وطلبت منه أن يجيبني إجابة واضحة دون تعميم، لكنه كان مصرًا على ترديد العبارة العامة كل البشر يصيبون ويخطئون!.

وفي حوار قديم لجريدة الدستور مع سيف الإسلام نجل حسن البنا قال «أبي لم يقع في خطأ واحد طوال حياته»!!.

وهذا أحد مرشدي الجماعة ينصح واحدًا من أعضائها قائلًا: إن «الأخ بين يدي مرشده كالميِّت بين يدي مغسّلِه، يقلّبه كيف يشاء، وليعلمَ الأخ أن خطأ المرشد أنفع له من صوابه»!!!.

الملاحظة الرابعة:

المطابقة بين حال أبي الأنبياء وخليل الرحمن سيدنا إبراهيم عليه السلام وأتباعه مع من فارقهم أو فارقوه من الكفار، وبين حال جماعته ومرشدها مع بقية الشعب المصري، وهو رمي بالكفر لمجتمعه وشهادة لنفسه وأتباعه بالإيمان دون الآخرين، ولا داعي للتنطع هنا بتشبيه حالٍ بحال، فلا تكفير لناطقين بالشهادة مؤدين لأوامر الله مبتعدين عمّا نهى الله ورسوله ﷺ، وإن كان فيهم عصاة، فالحال سيبقى من الطاعة والعصيان إذ أن «اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

النموذج الثاني:

يقول البنا في ركن «الثقة»، وهو أحد أركان البيعة العشرة برسالة التعليم ما نصه «وأريد بالثقة، اطمئنانَ الجندي إلى القائد في كفاءته وإخلاصه اطمئنانًا عميقًا ينتج الحب والتقدير والاحترام والطاعة "فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا"».
وهنا تبدو المطابقة وغيرها بوضوحٍ شديدٍ في أعلى درجاتها، ونبين ذلك عبر الملاحظات التالية:

الأولى:

أنه لا مجال للالتفاف على الآية عبر آلية التأويل وغيرها، لأننا أمام خطابٍ مباشرٍ من الحق سبحانه وتعالى للنبي المعصوم ﷺ، باستخدام صيغة الخطاب بالـ«كاف» في قوله تعالى: «وربك» و«يحكموك»، وكذلك استخدام «تاء» الخطاب في «قضيت» وهنا خصوصية للنبي محمد ﷺ لم يمنحها اللهُ لغيرِه إلى يوم القيامة.

الملاحظة الثانية:

تبتدى الخصوصية الممنوحة للرسول هنا، إضافة لكل خصوصياته في الصواب المطلق لنطقه بحكم ما يقضي به في أمرٍ ما، أو بين طرفي خلاف أو اختلاف الذي يتبعه وحول التسليم بما قضى أو حكم الرسول، وبل ويطلب الحق سبحانه وتعالى التسليم المطلق من المسلمين بما قضى الرسول راضين تمام الرضا، فهل البنا -ياسادة من أتباع البنا ومن رافضيه- له الحق في أن يقضي أو يحكم، وليس فيما يقضي أي خطأ أو عوار، وهل البنا هو أحسن البشر وفوق كل البشر مكانةً، هل البنا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟!!.

الملاحظة الثالثة:

يسلب البنا إرادة عضو الجماعة كعادته، إذ يجعله واثقًا بكفاءة البنا التي تنتج كل قرابين الطاعة له من الحب والتقدير والاحترام والطاعة للمرشد.

ويلبس على عضو الجماعة أمره في التأمل فيما يحكم به المرشد الذي لا يخطئ إذ هو بشر فوق البشر حيث تكون الثقة جالبة للحب والتقدير والاحترام والطاعة للمرشد، الذي هو في الحقيقة لا يرشد بل إنه يضلل أتباعَه، وهذه كلها علامات الدوجماطيقية وانغلاق الفكر والنفس كنوعٍ من البارانويا.

* إعلامي مصري وباحث في فقه وتاريخ الحركات الإسلامية