رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قضايا
الجمعة 17/نوفمبر/2017 - 01:24 م

«المعتزلة» تكشف الفرق بين «الدين» والفهم الديني

«المعتزلة» تكشف الفرق
aman-dostor.org/1489

لقد ظهرت أفكار المعتزلة - كما ذكرنا في المقال السابق - من رحم الصراعات السياسية كرد فعل علي الأحداث السياسية الطاحنة التي تستخدم الدين كمخدر للشعوب حتى يظل خلفاء بني أمية في السلطة أطول فترة ممكنة، فالسلطة الأموية فرضت بأفعالها وبردود الأفعال نظريات وأصول وقواعد المذاهب الإسلامية، وكان هناك أيضاً عوامل أخرى لاحقة علي ذلك أدت إلي تشكيل وتكوين أفكار وأصول المعتزلة الفكرية؛ فلا يمكن قراءة أفكار المعتزلة - مثلاً - دون النظر إلي خصومهم الذين قام المعتزلة في الأساس بالانعزال والاعتزال عنهم، فالجدل المشتعل بينهم وبين باقي الفرق الإسلامية الأخرى، وكذلك الجدل الضخم الذي دار بينهم وبين المخالفين لهم من الملحدين والفلاسفة وأتباع الأديان الأخرى، كان هذا كله عاملاً كبيرا في تكوين أفكار وأصول المعتزلة من رحم هذا الجدل الذي يشكل ويحصر أصول المعتزلة في خمسة أصول أساسية هي: «العدل، والتوحيد، والمنزلة بين المنزلتين، والوعد والوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». وهي كلها أصول يقدم فيها المعتزلة فهمهم للدين ولا يقدمونها باعتبارها الدين نفسه، وهو أمر شديد الأهمية ويغيب عن جميع المدارس والمذاهب والفرق الإسلامية الأخرى التي تزعم وتدعي امتلاك الحقيقة المطلقة ويتصور أتباعها أن الإسلام الصحيح هو ما يفعلون ويذهبون ويفكرون، فيخلطون بين الدين وفهمهم الشخصي للدين، فإذا كان أتباع المذهب السني يتصورون أنهم الفرقة الوحيدة الناجية من جهنم من بين باقي الفرق الإسلامية الأخرى التي عصفت بها الأهواء والشبهات إلي الضلال، وأن مذهب أهل السنة والجماعة يمثل ما كان عليه الرسول وأصحابه، فالمذهب الشيعي أيضاً يتصور أنه صاحب الفرقة والسفينة الوحيدة الناجية باعتباره يزعم أنه يمثل ما كان عليه النبي وأهله بيته وأقرب الناس إليه، ونفس الشيء عند الخوارج وباقي الفرق الأخرى، فكما توجد أحاديث منسوبة للنبي عند المذهب السني، يقول فيها النبي: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة»!. فالشيعة لديهم أحاديث مماثلة أيضاً منسوبة للنبي يقول فيها: «إنما مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلف عنها غرق»!. وهذا أسلوب قديم في ترويج كل المذهب الدينية لنفسها، فكل الفرق للأسف تدعي أنها تمتلك الحقيقة المطلقة وتزعم أنها المتحدث الرسمي الوحيد باسم الإسلام، وهو أمر لم يتورط فيه المعتزلة، فإذا كانت كل فرقة من الفرق والمذاهب الإسلامية تزعم وتدعي أنها النبع الصافي الوحيد والصحيح للإسلام كما نزل به النبي محمد صلي الله عليه وسلم، فالمعتزلة لا يذهبون إلي هذا الزعم والادعاء علي الإطلاق، ولعل اعترافهم من البداية بالأسباب والعوامل الاجتماعية والثقافية والسياسية التي أدت إلي نشأتهم وظهور أصولهم الفكرية في التاريخ، من أكثر الأمور دلالة علي هذا الأمر. إن المعتزلة كانوا أكثر وضوحاً وصدقاً مع أنفسهم في اعترافهم بأن ظهورهم كان نتيجة عوامل تاريخية عديدة؛ من بينها ما يؤكده أهم مصدر من مصادر المعتزلة أنفسهم؛ وهو القاضي «عبد الجبار» الذي يؤكد أن قول المعتزلة بالأصول الخمسة كان لمخالفتهم لمن عداهم من الفرق الإسلامية الأخرى نتيجة المحاورات والمناقشات الدينية الحادة التي كانت تدور بينهم وبين مخالفيهم في كل أصل من هذه الأصول، فنجد القاضي «عبد الجبار» في كتابه «شرح الأصول الخمسة» صفحة 124 يقول: «إنه لا خلاف أن المخالف لنا لا يعدو أحد هذه الأصول .. ألا ترى أن خلاف الملحدة والمعطلة والدهرية والمشبهة قد دخل في باب التوحيد؟ وخلاف المجبرة بأسرها في باب العدل؟ وخلاف المرجئة دخل في باب الوعد والوعيد؟ وخلاف الخوارج دخل في باب المنزلة بين المنزلتين؟ وخلاف الإمامة دخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». فهذه الأصول الخمسة لدي المعتزلة لم تظهر مرة واحدة من اللحظة الأولي لظهور المعتزلة، ولم تكن معروفة بشكلها ورسمها وترتيبها النهائي هذا قبل «أبو الهذيل العلاف» المتوفي سنة 235 هـ، فكان العلاف أول من أصلها وسماها بالأصول الخمسة كما جاء في كتاب «بحر الكلام» للشيخ ميمون بن محمد النسفي الذي يقول فيه: «في زمن هارون الرشيد خرج أبو الهذيل العلاف فصنف كتابا للمعتزلة، وبيّن لهم مذهبهم، وجمع علومهم، وسمي ذلك الأصول الخمسة». والناظر المتأمل لنشأة وظهور الأصول الخمسة عند المعتزلة يكتشف بسهولة الفرق بين الدين وما تقدمه جميع المذاهب والفرق الدينية من فهم شخصي للدين يزعمون جميعا أنه «الدين» نفسه؛ فأصل الأصول عند المعتزلة هو «العقل»، وهو أصل سابق عندهم علي الأصول الخمسة، وهذا أصل يكشف بوضوح بشرية الأدوات التي تستخدمها جميع الفرق في التنظير والترويج لمذاهبها؛ فالمعتزلة يقدمون «العقل» عندهم في سلسلة الأدلة علي وجود الله وإثبات النبوة، فالعقل عندهم أول الأدلة علي الإيمان بالله وصحة الدين، فلا يجوز عندهم أن تجادل غير المسلمين لإثبات صحة الإسلام بالاستشهاد بنصوص دينية من داخل الإسلام نفسه، لأن الاستشهاد بنص في المصدر لإثبات صحة المصدر يعد مغالطة منطقية، ولذلك المنطقي عند المعتزلة أن تستخدم أدوات من خارج النص لإثبات صحة النص، لأن النص نفسه ليس حجة علي شخص لا يؤمن به من الأصل، وهذه الطريقة في التعامل مع قضية الإيمان طريقة بشرية يحق للجميع الاتفاق أو الاختلاف معها، كما أن الطرق الأخرى التي استخدمها الأشاعرة والحنابلة وباقي الفرق والمذاهب التقليدية الأخرى في إثبات صحة الدين من خلال النص، هي أيضاً طرق بشرية لا علاقة لها بالدين نفسه؛ فالدين لم يضع طريقة واحدة ومحددة في إثبات صحته، وكل الطرق التي يستخدمها الجميع في هذا السبيل هي طرق بشرية يجوز الاختلاف فيها. حتى الأصل الأول عند المعتزلة والمتمثل في «العدل» - باعتبارنا قد اعتمدنا في ترتيب أصولهم تقديم «العدل» علي «التوحيد» - نجد هذا الأصل يقوم عندهم علي تسلميهم من البداية بأن للإنسان حرية إرادة وقدرة مستقلة عن الله سبحانه وتعالي، ومن ثمَّ أفعال الإنسان في العالم حادثة من قبل الإنسان وليست من قبل الله، لأنها لو كانت حادثة من قبل الله لأصبح الله غير عادل عندما يتدخل في أفعال الإنسان ثم يحاسبه عليها بعد ذلك، وحتى لا يصف المعتزلة الله بهذا النوع من الظلم قالوا بإن للإنسان فاعلية مستقلة وحرة عن الله، بينما الأشاعرة والحنابلة يذهبون إلي أن أفعال الإنسان مخلوقة من الله، وصنعوا هم والشيعة مجموعة من النظريات الكلامية للرقص علي السلم بين القول بالجبر والتفويض، ولذلك تجدهم حتى الآن لا يستطيعون حسم قضية كون الإنسان مسير أم مخير، فالتسيير يعنى الجبر، والتخيير والتفويض يعني أن الله فوض أفعال الإنسان للإنسان ولا دخل لله بها، ومن ثمَّ يعني ذلك أن الإنسان مخير في فعله غير مجبور عليه، وهي كلها نظريات بشرية يجوز فيها الاختلاف، لأنها لم تحسم إلي الآن وكل النصوص الدينية التي يستدل بها هؤلاء في تدعيم مذهبهم يستند أؤلئك أيضاً علي نفس تلك النصوص بفهم مختلف لتدعيم مذهبهم. وهو الأمر نفسه في الأصل الثاني عند المعتزلة والمتمثل في «التوحيد»؛ فالتوحيد عند المعتزلة دفعهم إلي مسائل كثيرة مثل؛ نفي الصفات عن الله، والقول بخلق القرآن، وعدم رؤية الله يوم القيامة، وتنزيه الله عن التشبيه والتجسيم، وإذا أشرنا سريعاً إلي مثال علي ذلك وجدناهم - مثلا - يذهبون إلي أن التوحيد يستوجب تنزيه الله عن التشبيه والتجسيم، فكل الآيات التي يستند عليها الحنابلة في إثبات اليد والساق والجسم لله، كآية :«إنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ». يفهم المعتزلة والأشاعرة لفظة «يد» فيها باعتبارها مجازا ودلالة علي عون الله وإرادته ورضاه عنهم وليس المقصود في الآية اليد علي الحقيقة كما ذهب الحنابلة وغيرهم، وهو أمر كاشف بوضوح للفرق الذي نؤكد عليه بين الدين والفهم الديني. ولعل أصل «المنزلة بين المنزلتين» يكشف هذا الفرق بوضوح شديد؛ فالخلاف حول حكم مرتكب الكبيرة - كالقتل والاغتصاب - مازال إلي الآن كاشفاً عن هذا الفرق الكبير بين الدين والفهم الديني، فالخوارج يكفرون مرتكب الكبيرة، والأشاعرة والحنابلة والمرجئة لا يكفرون مرتكب الكبيرة، والمعتزلة يقفون بين هؤلاء جميع موقفاً وسطاً ويقولون أن مرتكب الكبيرة في منزلة بين الكفر والإيمان، وهو أمر شديد الدلالة علي بشرية هذه الأقوال كلها. ولعل الأصل الرابع عند المعتزلة «الوعد والوعيد» يكشف تلك البشرية أكثر من خلال هذا الخلاف الكبير الذي مازال دائرا إلي الآن حول دخول الجنة برحمة الله القائمة علي الشفاعات والالتزام بالطقوس والشعار أم بعدل الله القائم علي الحكم علي عمل الإنسان وحده، فالمعتزلة يذهبون إلي اعتماد العمل وحده كمعيار للحكم علي الإنسان بدون وسائط وشفاعات وقائمة طويلة عريضة من الأمور - التي اعتمدها الحنابلة والأشاعرة - وتضرب مصداقية الله في وعده لأصحاب الأعمال الصالحة ووعيده لغيرهم. والأصل الخامس عند المعتزلة أيضاً المتمثل في «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» يكشف تلك البشرية تماما التي نلح في التأكيد عليها؛ فالحنابلة والأشاعرة يعطلون تماماً فكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالنسبة للحاكم والخليفة، ويذهبون إلي طاعة الحاكم الظالم وإن جلد ظهرك وأخذ مالك، بينما الشيعة الزيدية يذهبون إلي القول بوجوب الخروج المسلح علي الحاكم الظالم لامره بالمعروف ونهيه عن المنكر!، ويذهب الشيعة الإمامية إلي عدم الخروج علي الحاكم الظالم إلا بوجود إمامهم المهدي المنتظر المختفي في السرداب، ويذهب المعتزلة إلي ضرورة الخروج ولكن بشرط التمكن، وبشرط أن لا يؤدي إلي شر أكبر، وبشرط عدم التدخل في الحريات الشخصية. الواضح من خلال تتبع وقراءة تلك الأصول الخمسة عند المعتزلة أنها كاشفة بوضوح شديد عن هذا الفرق الضخم بين الدين وما تقدمه كل هذه المذاهب والفرق من فهم بشري خاص بكل فرقة لهذا الدين، وهو ما لا تعترف به أي فرقة إلي الآن للأسف، وهو أمر شديد الخطورة لأن زعم كل فرقة امتلاك الحقيقة الدينية المطلقة الوحيدة للإسلام واعتقادها أن ما وصلت إليه من فهم ديني يعتبر تمثيلاً للدين نفسه، أمر يجعلها تتورط في تكفير باقي الفرق والمذاهب والاتجاهات الأخرى التي تقدم فهما مختلفاً لهذا الدين، وهو ما عبر عنه الخليفة «عمر بن الخطاب» ببلاغة شديدة’ قائلاً: «أيها الناس إننا نستقبل من النوازل ما لم يكن مثلها في عهد رسول الله، ولا نجد فيها حكما في كتاب الله، فنقول برأينا، وفهمنا لغايات الدين، وصالح الرعية، وإن الرأي إنما كان من رسول الله مصيبا فإن الله تعالى كان يريه، وقد انقطع الوحي، فإذا رأينا رأيا، فلا يقولن أحدكم هو حكم الله، فنكون كمن يتألى على الله، ويزعم أن الله إختصه بعلمه ومقاصده دون الناس، فإن خالفته الرأي، كأنك خالفت الله، ثم لا يلبث أن يحكم عليك بالكفر، فإذا فعل، ربما أباح دمك، وتلك لعمر الله هي القاصمة المهلكة». وإذا كنا تناولنا في هذا المقال أصول المعتزلة من جانب وزاوية صغيرة وسريعة فسوف نتناول تلك الأصول بشكل أكثر عمقاً واتساعاً من ذلك في المقالات المقبلة بإذن الله.