رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الإثنين 01/أكتوبر/2018 - 10:51 ص

متى يكون الحديث عن المصالحة مجديًا؟

متى يكون الحديث عن
بقلم : أحمد حميدة
aman-dostor.org/14282

كثر الحديث بشأن المصالحة مع الإخوان في الفترة الأخيرة، ثم هدأ بعد ذلك، وآثرت أن أتريث قليلا في الكتابة عن هذا الموضوع؛ لأرى مردود هذا الحديث على الجماعة وطريقة تعاطيها مع تلك الأطروحات .

ولقد تعددت الرؤى بين من يرحب بها بشروط، وبين رافض لها ومتوجس منها، وما بين داعٍ إلى الحوار مع المتعاطفين لإنقاذهم من شِباك التنظيم وأفكاره، وبين داعٍ إلى الحوار مع القواعد التنظيمية للجماعة .

وأخرى أن فكرة المصالحة هذه قد تكون مجدية فقط في حالة تفكيك هذه العُقد التي تعتبر عائقا وسدا منيعا بين الجماعة وبين قبولها في الشارع المصري، وأول هذه العُقد هي التنظيم؛ فهو كعبتهم وقدس أقداسهم، وفي سبيل الحفاظ عليه متماسكا تسعى الجماعة إلى محاولات تقويض الدولة، وتعطيل مؤسساتها وتفتيتها وإحداث الفوضى داخلها، ليتسنى لها محاولات السيطرة وبسط النفوذ والتمكن من أركان الدولة، ومن ثم تشكيلها على مزاجها وطابعها بهويتها الإخوانية، وذلك من خلال جلب الدعم الدولي والقاعدة لها.

فمن فكرة أن الإسلام نظام شامل وُلد هذا التنظيم الشامل الذي يسهم في مجالات الحياة جميعا، ويعمل هذا التنظيم خارج إطار الدولة ويمتد حتى يكون عابرا للقارات، ويبشر قادته بـ"التمكين" للدعوة واتساع رقعة التنظيم وتمدده جغرافيا، والحق أنه تمكين من رقاب وعقول القواعد التنظيمية أولا ثم محاولة بسط الأذرع الأخطبوطية ليمتد نفوذها وسيطرتها على المجتمع والدولة لنفوذه إلى المجهول وإلى الأنفاق المظلمة.

ثاني هذه العُقد هو الصراع مع الدولة الوطنية، فعندما يضع الفرد قدمه على أول سلم التنظيم يتولد داخله شعور بالكراهية والعدائية للدولة التي يعيش على أرضها ويتمتع بخيراتها، ويصبح كل التفكير منصبا على كيفية الحفاظ على التنظيم من التفكك وعلى تلاحم أبناء الصف.

وانطلاقا من فكرة شمولية الاسلام أيضا، فإن الجماعة تعتبر أن علاقة الدين بالسياسة هي بمنزلة الأصل الأساسي، واعتبر البنا أن "أول خطتنا أننا نسينا هذا الأصل ففصلنا الدين عن السياسة عمليا"، بهذا أسست الجماعة لقداسة السلطة التي اعتبرت أن قيام الدولة الإسلامية مسألة عقدية من أصول الدين وثوابته، إذن فصلة الإسلام كدين بالسياسة والحكم في فكر الجماعة هي صلة وثيقة، وهذه الصلة أصبحت شعارا للجماعة تحت عنوان "الإسلام دين ودولة"، وأن من طبيعة الاسلام أن تكون له دولة، وأن الإسلام لا يمكن أن يقوم على وجهه الصحيح في ظل دولة غير إسلامية، وأن من وظائف هذه الدولة الإسلامية أنها تقوم على نشر الدعوة وحماية الإسلام، فهي دولة دعوة ورسالة!! وأن من أهم وظائفها الدعوة إلى الجهاد.

لذلك تدخل الجماعة في صراع طويل ومرير وعداء مستمر مع الدولة الوطنية الحديثة، بسبب عدم اعترافهم بها وبنظامها السياسي، لأنهم يعتبرونها نقيضًا للدولة الإسلامية التي يخططون لإقامتها على أنقاض الدولة القائمة، فالصراع مع الدولة في فكر الجماعة حتمي ولازم!!.

ثالث هذه العُقد، هي ادعاء احتكار الفهم الصحيح للدين، حيث يتأسس خطاب الجماعة على ادعاء مطلق بامتلاك الحقيقة الكاملة، واحتواء جميع تفاصيلها متمثلة في الإسلام الصحيح الشامل، فهُم الجماعة التي وقع عليها اختيار القدر لإنقاذ العالمين، وهم النور الذي يشرق فيبدد ظلام المادة، وهم الجماعة واجبة الاتباع، فالبنا يقول نحن الإسلام، نحن أصحاب رسول الله! فهم يُسبغون القداسة على مقولاتهم وأفكارهم، وليس عندهم فارق بين النص المقدس وبين فهم واجتهاد الجماعة وتفسيرها للنص، فتتحول الجماعة بهذا التصور من كونها جماعة من المسلمين إلى جماعة المسلمين ومركز الاسلام ومحوره الذي ينبغي أن تدور في فلكه الأفراد والمجتمعات، بل وينبغي أن تذوب فيه الدول!!

وأنا أعلنها من زنزانتي التي أسكنها منذ أربع سنوات، وأطلق صيحة مدوية تشق صدر الفضاء، أنه لا مصالحة ولا التقاء مع هؤلاء في منتصف الطريق، ما لم تقم الجماعة بمراجعات لتراث البنا، وتكون مراجعات جادة وحقيقية وليست وهمية، وتكون شاملة وليست جزئية، كما يجب أيضا أن تكون علنية وليست سرية، ومن خلال هذه المراجعات يكون الاعتراف بالخطايا والكوارث التي خلفتها الجماعة وتتحمل وحدها عواقبها، فالجماعة من طبيعتها المراوغة وعدم الوفاء بالعهد والكمون وتحيّن الفرص للانقضاض على الدولة.