رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الإثنين 01/أكتوبر/2018 - 10:45 ص

حوار بين مختطفة وإرهابى فى الصحراء القاحلة

حوار بين مختطفة وإرهابى
بقلم: الباحث/ داود مراد ختاري
aman-dostor.org/14280

علمنا في "بعاج" أنه سيتم توزيعنا نحن الفتيات على أعضاء تنظيم داعش، أصاب الخوف قلوبنا والجميع في نحيب، طُلب من الجميع الاستحمام عنوة، بالرغم من معارضتنا لكن دون جدوى .
وقالت الناجية (س. ع. ع / 1998. تل قصب).


تم توزيعنا كل خمس أو ست إلى مجمع ما داخل قضاء شنكال وكانت كل واحدة لحصة أحد المقاتلين وأنا كنت من حصة الداعشي (سعد كناش ابراهيم الزبيدي – أبوماهر) من أهل البعاج، كان متزوجًا وتعاملت زوجته معي بقسوة خلال فترة أربع سنوات .

حاولت الهروب لثلاث مرات ، في المرة الأولى حاولنا الهرب نحن مجموعة من الفتيات من مقر الدواعش، سرقنا الموبايل من سيارة أحدهم واستطاعت إحدى الزميلات التحدث مع شقيقها في كردستان وزوده بالإحداثيات ، ونحن البقية كنا نتحدث مع الحارس الوحيد الذي بقى في المقر، أما بقية زملائه ذهبوا إلى الموصل، طلب شقيق زميلتنا أن نتهيأ للهرب عندما يسدل الظلام لأنه اتفق مع مهرب سيأخذننا إلى داره .

لكن الحارس علم بنيتنا في الهرب واتصل بزملائه بسرعة العودة لأنه لا يستطيع السيطرة على الوضع وعند غروب الشمس عادوا هؤلاء ولم نستطع تنفيذ مهمتنا، ونلنا عقابًا، حاول أحدهم قتلنا لكن بعد الاتصال بمراجعهم طلب مثولنا أمام القاضي الشرعي للبعاج .

- الشرعي/ لماذا تودن الهرب من الدولة الاسلامية ؟
- الفتيات الأربع : نحن مازلن قاصرات ولا نتحمل فراق الأهل فاتصلت إحدى زميلاتنا بشقيقها للاطمئنان على صحته .
- أنتن أصبحن مسلمات بينما أهلكن هم كفرة ولا يجوز التحدث مع أهل الإلحاد والكفر.
- لكن هم أهلنا ؟
- كانوا أهلكن ، أما الأن جميع المسلمين هم أهلكن ، بينما هم أعداء لكن .
- لكننا لا نستطيع أن نتخلى عن الوالدين والأشقاء. 
- سندخل كل واحدة إلى عائلة في البعاج، وأي محاولة أخرى سيتم قتلكن .
ثم جاء (سعد كناش) وأخذنى إلى داره، عاقبنى بلا رحمة مع التهديد بالقتل، وحذرني من محاولة الاتصال مع الأهل .

كانت معاملة زوجته معي أسوء منه بكثير، حاولت أن أخدمها في جميع الأوقات كي تساعدني في الإفلات من الجحيم، لكنها كانت تنقل كل كلمة أقولها أو حركة معينة إلى زوجها .

قبل تحرير قضاء البعاج تم قصفه بلا هوادة ، رحلت العوائل عنه وبعث سعد كناش عائلته إلى قرية قريبة لكنه أبقاني عنده، ثم ذهبنا إليهم وقصفت الطائرات هذه القرية أيضًا فرحلنا جميعًا إلى مدينة (الميادين) في سوريا، بقينا سنة كاملة فيها كان يتقاضى راتبًا شهريًا عن كل فرد في العائلة (80) دولارًا، ثم تحولنا إلى قرية قريبة تابعة إلى مدينة (ميادين) وكلما نرحل من الدور التي نسكن فيها تأتي الطائرات وتقصفها .

خلال هذه الفترة كنت منقطعة عن الأهل تمامًا، لكن شقيقي (علو) كان أيضًا مقاتلاً لدى الدواعش فيزورني بين فترة وأخرى.

بعد تحرير العراق ومدينة الحسكة السورية رحلنا إلى الجزيرة ، كان في أكثر الليالي هناك إنزال قوات من قبل الطائرات وتساعدهم مجموعة من الطائرات المقاتلة، تهبط إحدى الطائرات بعد المعركة وتأخذ مقاتليها وبعض الدواعش الموالين لهم ثم تقلع.

حينما كنت في مدينة (الدشيشة) زارتني فتاة اسمها (منال) من تل قصب وبقيت عندي عشرة أيام ، وكنت أزور بنت عمي باستمرار لكن بعدما تحررت دشيشة أنقطعت عنها .

بعد فترة لم تبق لدى التنظيم سوى المدن الصغيرة (هجين، سوسة وشعفة) بعث زوجي بعائلته إلى مدينة الحسكة بعد أن زودهم بالمستمسكات المزورة ، لكنه أبقاني عنده تحت رحمة القصف المستمر، وقلت له:
- لماذا زودت عائلتك بالمستمسكات وبعثتهم إلى المنطقة الآمنة في الحسكة، وأبقيتني هنا ؟
- لا أستطيع أن أبقى لوحدي دون زوجة. 
- لكنك في القتال باستمرار وأنا هنا تحت قصف الطائرات ؟
- لا تخافين من القصف ، الله سيحميك لأنك دخلت الإسلام ، بعدما كنتِ في ديانة الكفر والضلالة
- لماذا كنت خائفًا على زوجتك وأطفالك وأرسلتهم إلى المنطقة الآمنة ؟
- حينما تذهبين إلى المناطق التي خارج سلطة التنظيم، فان إبليس سيوسوس في عقلك، ستبحثين عن أناس يهربونك إلى أهلك في كردستان وبذلك سترتدين عن الإسلام وفي الآخرة تدخلين نار جهنم .

- لا .. أنا أيضًا أصبحت مسلمة ولا أود العودة إلى ديانتي القديمة .. وأنا مثلك أطمح في جنة الله (كان هدفي الوصول إلى المنطقة الآمنة كي أعود إلى أهلي)
- لا تفكري بأني سأرسلك وأبقى دون زوجة.
 
- لكن القصف مستمر ولم تبق مناطق لدى التنظيم سوى (هجين، سوسة وشعفة) كيف ستقاومون ؟
- هل تعلمين أن الملائكة يقاتلون معنا، فلولاهم لما استطعنا مقاتلة العدو في هذه الصحراء
- المهم ليقاتل معكم الملائكة والجن ، لكن أريد أن تبعثني عند عائلتك .
- حينما أبعثك إلى الحسكة عند العائلة، هناك عائلة كردية كانت جارة لنا في دشيشة وتعلم بأنك أيزيدية وحاليًا قد رحلوا إلى هناك وهم جيران لعائلتنا وستخبر قوات حماية الشعب الكردي، سيسلمونك إلى أهلك .
- يعني أنك تود أن أموت هنا تحت القصف ؟
- حينها ستدخلين إلى الجنة، لكونكِ شهيدة
- أنك لا تود استشهاد فرد من عائلتك وهم (9) أفراد وبعثتهم إلى منطقة آمنة، بل تود استشهادي ؟
- عقلك صغير ، لا تودين دخول الجنة !
- أنا مازلت صغيرة في العمر من مواليد 1998، لا أود الرحيل عن الدنيا .

بعدها أخذني إلى المنطقة الصحراوية في سوريا تبعد ساعة كاملة بالسيارة عن دشيشة ، كنا في حالة يرثى لها لعدم توفر أبسط الخدمات وقلة الماء والطعام ، بعد أيام تشاجرت معه :
- هل يستطيع الحيوان أن يعيش في هذه الصحراء القاحلة ؟
- من أجل إعلاء كلمة الله ، لا بد من تحمل الظروف القاسية .
- لكننا في الليل لا نستطيع النوم من كثرة الحيوانات وخاصة العقارب، كما تراني لا أستطيع النوم بتاتًا، خوفًا من لدغ حية أو عقرب .
- حالنا حال بقية الناس المتواجدين هنا
- جئتم بعوائلكم إلى هذه الصحراء دون مأوى وطعام، ولو لدغ حيوان أي شخص سيموت لعدم توفر الإبر الخاصة والاسعافات الضرورية ؟
- لم تبق إلا أشهر قليلة والله سيفرج عنا، سنحرر العديد من المناطق .
ثم قصفتنا الطائرات وكنا نلبد في الجحور الأرضية ثم تقدمت قوات حماية الشعب وحررت هذه الجزيرة أيضًا ، بعض العوائل سلمت نفسها إليهم، وطلبت منه أن نسلم أنفسنا أيضًا لكنه رد قائلاً :
- في نهاية المطاف سأفجر نفسي بالعدو ولا يمكنني أن أسلم نفسي إليهم ولن أدعوك أيضًا بأن تسلمي نفسك إلى الأعداء .
- إلى أين سنذهب ؟
- إلى جزيرة أخرى وسنعيش في أنفاق تحت الأرض
- والله أمركم عجيب، كيف تعيش العوائل في الصحراء وخاصة في الجحور ؟
- هناك خيم رمادية بلون تربة الصحراء ومتناثرة ، تعيش العوائل فيها
بعد بقائنا في تلك الخيم، طلب منه الذهاب إلى القتال في الدشيشة ، قلت له :
- كيف ستغادر عنا ولا أمتلك لقمة طعام ولا وعاء لحفظ الماء؟ لم أبق هنا لحظة واحدة
- لكن الأوامر تلزمني بالذهاب إلى القتال، كي ندافع عن أرض الإسلام
- وتود أن أموت في هذه الخيمة في الصحراء إما من قصف الطائرات أو من الجوع والعطش أو لدغ الحيوانات، واعلم أنني من بني البشر .
- سأتصل بابن عمي الذي يعيش في قرية بالقرب من (الدشيشة) كي يرسل لك مهربًا وينقلك إلى منطقة أخرى تحت سلطة التنظيم .
بعد اتصالات وصلنا إلى قرية (طيان) في الجزيرة عند ابن عمه، وكان على اتصال مع ابن عمه مؤكدًا بأنهم قد دخلوا جزيرة في العراق وسيحاولون تحرير بعض المناطق من العراق مجددًا وهم يعيشون في جزيرة جنوب البعاج ومحاطين بقوات الحشد الشعبي .
بعد بقائي (20) يومًا عند عائلة ابن عمه في القرية، اتصلوا به قائلين : نحن لا نستطيع أن نتحمل مسئولية هذه الأيزيدية .
اتصلت به عبر الموبايل :
- عائلة ابن عمك يودون مغادرتي من الدار
- حسنًا .. سأتصل بشقيقي في مدينة (إدلب) كي يبعث بمهرب إليك وستذهبين إليه ومن ثم إلى تركيا
- لماذا لا أذهب إلى عائلتك في الحسكة ؟
- قلت لكِ مرارًا إن العائلة الكردية الجارة لنا في دشيشة، تسكن حاليًا بالقرب من عائلتي في الحسكة أيضًا ، وسيخبرون القوات الأمنية في المدينة بوجود فتاة أيزيدية وسيتم تحويلك إلى أهلك في كردستان
اعتذر شقيقه من تحويلي إلى (إدلب) لوجود العشرات من السيطرات الحكومية والقوات الديمقراطية وسيتم إلقاء القبض عليها ويعدم المهرب لا محال .
اتصل بداعشي من أهل تلعفر ويسكن في مدينة (هجين) وعلى علم بحركات المهربين، قال له : سأنقل زوجتك إلى هجين ثم أنقلها لك إلى الجزيرة في العراق .
رفضت طلبهم بالعيش مجددا في الصحراء ونحن في شهر أغسطس 2018، لكنه أصر على الالتحاق به في جحور صحراء البعاج.
أخذني المهرب كي يوصلني إلى مدينة (هجين) كان لا بد من العبور عبر سيطرات قوات الديمقراطية الكردية ، زودوني بهوية فتاة سورية ، ركبت في مؤخرة (بودي) سيارة نوع بيكب، وهم ثلاثة أشخاص كانوا في مقصورة السيارة، بكيت لحالي كثيرًا .
حينما أقتربنا من سيطرة (اليبكة) قررت إخبارهم بأني أيزيدية وأترجى منهم مساعدتي، لكنهم ابتعدوا عن السيطرة مارًا في طريق ترابي، ندمت حظي، بعدها وصلنا إلى منطقة صحراوية والوقت ليلاً، ترجل الثلاثة من السيارة ، أحسست أنهم يودون اغتصابي في الصحراء ، لكنهم أكدوا لي بأننا سنتعامل معك كأخت لنا وسنأخذك إلى دارنا ومن ثم نأخذك الى أهلك بعد الاتصال بهم .
حينما وصلنا إلى الدار جاءني أحدهم وحلفني بأن أقول لهم الحقيقة :
- هل فعلاً أنتِ أيزيدية وتودين العودة إلى أهلكِ ؟
- كانت معي مستمسكات بأسمي عند عقد الزواج في محكمة الدواعش، بينما الهوية فهي مزورة باسم فتاة سورية 
- نحن مهربون، وسنتصل بأهلك كي نتفق على المبلغ
- إن زوجي هو الذي اتصل بصديقه وهو رتب تهريبي إليه في صحراء البعاج، هل تودون معرفة نيتي الهروب من الدولة الإسلامية الداعشية، ومن ثم معاقبتي ، أرجوكم أن ترحموا حالي ، والله أنا أود الموت لكنني لم أحصل عليه، لا أدري كيف سأعيش مطاردًا في صحراء البعاج، تلك الصحراء الذي عاش فيه وترعرع نواة الدواعش ثم تطور واحتلوا نصف العراق ونصف سوريا بالإضافة إلى بعض مناطق ليبيا .
- والله سنأخذك إلى أهلك في كردستان
- لا أصدق أحدًا في هذه الدنيا، الناس فيها لا تؤتمن
- هل لديك رقم أحد أخوتك أو أقربائك ؟
- منذ أربع سنوات انقطعت عنهم ولا أمتلك أي وسيلة للاتصال بهم
- سنتصل بالمهربين الأيزيديين وهم بدورهم سيتصلون بأهلك، قل لنا اسمك الرباعي والعشيرة والمجمع السكني، لان أهلك سيدفعون لنا مبلغًا مضاعفًا عما يدفعه زوجك الداعشي.
- أكتبوا المعلومات عني ولكن لا أصدقكم بأنكم تودون إيصالي إلى الأهل !
- (بعد خمسة أيام) أبلغوني بأن الشحنات تمر الآن عبر طريق هجين وسنأخذك إليها ومن ثم يتم إيصالك إلى صحراء البعاج عند زوجك، (ولكنهم كانوا على اتصال مع أهلي واتفقوا على المبلغ دون أن أعلم بذلك) .
- في كل يوم لديكم كلام ، أنا بين أيديكم أفعلوا ما تريدون .

في اليوم التالي جاءت سيارة وركبوني مع ثلاثة آخرين وقالوا : سنوصلك إلى مدينة هجين التي تحت سيطرة التنظيم ، ركبت معهم، في أول سيطرة تبين لي من ملامحهم أنهم من (اليبك- القوات الديمقراطية) رحبوا بنا ولكن كان الحديث باللغة العربية، بعد عبورنا السيطرة سألتهم :
- ألم تكن هذه السيطرة للقوات الكردية ؟
- السائق : لا أختي هؤلاء من مقاتلي التنظيم
- في السيطرة الثانية ، رحبوا بي قائلين : مرحبًا بكِ اختاه.
اندهشت، ولم يبقَ إلا ويغمى علي، آراهم بملابس (اليبك) بينما يتحدثون باللغة العربية والمهربين يقولون هؤلاء من مقاتلي التنظيم .
في السيطرة الثالثة، طلب مني الترجل من السيارة وقال لي مسئول السيطرة : مرحبا بك ونبارك تحررك من أيدي الدواعش وأنت الآن في منطقة محررة وسنأخذك إلى قامشلو ومن هناك إلى كردستان العراق، سررت بكلامه وشكرت الرب على نجاتي من هؤلاء المجرمين وعقولهم المتحجرة .
وعند عودتنا سمعنا بأن الطائرات قصفت قافلة وقتل كل من (المسئول، مشعل العايد، سعد كناش ،  أبوصالح) أرادوا العبور من صحراء البعاج إلى سوريا ، ولو كنت قد عدت إليه لكنت جثة محترقة معهم.
والآن أنا سعيدة جدًا بتحريري وأعيش مرة أخرى بين أفراد عائلتي بعد رحلة عذاب دامت أكثر من أربع سنوات .