رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الخميس 20/سبتمبر/2018 - 04:10 م

التشدد والإلحاد

التشدد والإلحاد
بقلم: حنان حجازي
aman-dostor.org/14030

لم يكن العوام فى بلادنا العربية يسمعون كثيرا عن الإلحاد أو يتعرضون للشبهات التى يرددها وينشرها الملحدون، ولكن مع ظهور وانتشار الانترنت وزيادة مواقع التواصل أصبحت تعرض لهم كثيرا هذه الشبهات والتشكيكات، لم يواكب هذا التقدم السريع فى وسائل التواصل تقدما فى تجديد الفكر الدينى، اللهم إلا بعض محاولات لشباب الدعاة لتجديد أسلوب الدعوة، ولكن فى المجمل ظل الخطاب الدينى معتمدا على غرس اليقين والتسليم معتمدا على قصص ومرويات تتحدث عن معجزات وحكايات تتناقض مع القوانين التى وضعها الله لهذا الكون، مع إغفال لإعمال العقل رغم كثرة الآيات التى تدعو لذلك.

أنتج هذا الخطاب عقلية تعتمد على التسليم للشيخ باعتباره ممثل الدين، ورأيه هو رأى الدين، حتى وإن تعارض هذا الرأى مع مصالح الإنسان التى جاءت الشريعة بالأساس لحمايتها وصونها، وعليه الصبر إن تعرض للمشقة والعنت وليس البحث عن بدائل.

ومع ظهور ما عرف بثورات الربيع العربى، ظهر التمرد على القديم والرغبة فى التحرر، وطال التمرد ضمن ما طال هذا النمط الفكرى وهذا الخطاب الدينى، فزادت التساؤلات والتشككات فى وقت زاد فيه الاستقطاب وصعد فيه الإسلاميون سريعا للحكم.

لم يرَ الناس ما كانوا يتوقعونه من نهضة وازدهار وحل لجميع مشاكلهم كما أملهم من رفعوا لسنوات شعار "الإسلام هو الحل"، بل صدموا من الخطاب الاستعلائى والتسلط على ممارسات وآراء الناس باسم الدين، ومن الدعوة للتحمل والصبر على الازمات التى ازدادت!!.

ومع السقوط السريع للاسلاميين،  ونتيجة خلط هذه الجماعات بين فكرها وبين الدين، زاد التشكك حتى وصل للدين نفسه، خصوصا بعد ظهور "داعش" وتكوينه ما عرف بالدولة الاسلامية، وما صاحب ذلك من ممارسات دموية ووحشية تمت كلها باسم الدين، وباستخدام آيات وأحاديث أُخرجت من سياقها لإيهام الناس بأن ما يفعلوه موافق لصحيح الدين.

ازداد رفض الشباب لهذه الأنماط الفاشلة والظالمة، وتحول كثير منهم للإلحاد، حيث قدرت دار الإفتاء عدد الملحدين فى مصر عام 2014 بـ866 شخصا، هذا ما تم رصده، والبعض يقدر الأعداد بالآلاف، وتنوعت الأسباب الاجتماعية والنفسية وغيرها ولكن كان لجماعات الإسلام السياسى الدور الأهم فى زيادة حالات الإلحاد، حيث عجز هؤلاء الشباب عن استيعاب كل هذه التناقضات بين ما كان يرفعه هؤلاء من شعارات وبين ما رآه الناس من ممارسات وأخلاقيات مشينة، حيث تم التسلط على الناس وتصنيفهم وتشويه الآخر، حتى العلماء والدعاة الذين كانوا محل ثقة الشباب، حيث كانوا يتتبعون سقطات العلماء ويستقطعون مقولات لهم من سياقها لنشرها بغرض التشويه.

ولكن العلماء المخلصين لم يستسلموا، وظهرت جهود حثيثة لمواجهة ظاهرة الإلحاد بالكتابة وإعداد البرامج، والتى أذكر منها برنامج "لحظة سكون" للشيخ الحبيب على الجفرى عام 2014، الذى عرض على مدى 30 حلقة شبهات الملحدين والرد عليها ردا علميا ومنطقيا بطريقة محترمة وغير مهينة لهؤلاء الشباب، وكذلك برنامج "استفت قلبك" للدكتور سعد الدين الهلالى، الذى عُرض عام 2013، وحاول فيه الشيخ الفصل بين الدين والفقه وبين النص المقدس واجتهادات الفقهاء، والإعلاء من مسئولية الفرد فى تلقى الفتوى التى يرتاح إليها قلبه وضميره.

التشدد والإلحاد وجهان لعملة واحدة، وكل منها يقوى الآخر، ولا سبيل لمواجهة كلا الانحرافين إلا بتحرير الفكر الدينى من سيطرة أوصياء الدين، وتقديم خطاب دينى يحترم العقل، ويعلى من مقاصد الشريعة ومصالح العباد، دون التقيد  بآراء قيلت فى أزمنة لها معطيات وظروف مختلفة كانت صالحة فى عصرها،  وهذا لا يعنى صلاحها لكل زمان ومكان.