رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الأحد 09/سبتمبر/2018 - 12:34 م

إلى متى سنترك جنودنا يواجهون الإرهاب بمفردهم

إلى متى سنترك جنودنا
بقلم وليد الرمالي
aman-dostor.org/13686

يبدو أن الضربات الموجعة التي يتلقاها الإرهاب من جنود القوات المسلحة البواسل، خلال العملية "سيناء 2018"، أدت به إلى الإفلاس، فبدأ الارهابيون في زراعة المخدرات للإنفاق على أعمالهم الخسيسة، ولكن رجال الجيش كانوا لهم بالمرصاد، حيث يقومون بتتبعهم وتجفيف أي مصدر لتمويل الارهاب أولا بأول.
ولكن الارهاب الخسيس يحاول كل فترة القيام بعملية هنا أوهناك ينزف فيها جرح الوطن الغائر من جنود القوات المسلحة والشرطة والمدنيين، مسلمين وأقباطا على حد سواء.

وهو ما يدفع المجتمع ككل للتكاتف إلى جوار القوات المسلحة والشرطة لمحاربة الارهاب فكريا وطرح التساؤل والنظر فى مستقبل العنف في مصر، وهل يكفي الاعتماد على المواجهات الأمنية وحدها فى القضاء على تلك الهجمات الشرسة التي تجعل قلب الوطن ينزف كل يوم من أبناء الشرطة والجيش والمدنيين على حد سواء.

والواقع أنه بنظرة متأملة لما يحدث في مصر الآن، فإننا لا نستطيع أن نعتبره بمعزل عما حدث فى مصر من أحداث إرهابية فى التسعينيات، استعان الأمن وقتها بالمراجعات الفكرية التي أجريت لتيارات الارهاب حينها فى السجون، وعلى رأسها سجن العقرب، ونتج عنها تراجع قيادات الجماعة الاسلامية عن أفكارهم، وأنتجوا حينها 12 كتابًا غيروا فيها أفكارهم ومعتقداتهم.. وكان وقتها الشيخ الشعراوي حيًا يرزق وساهم بدور كبير فى إقناع عدد كبير منهم بالتوبة والتراجع عن أفكارهم الضالة ووقف العنف.

وبنظرة متعمقة للارهاب فى مصر، وإن لم تتسع لها هذه السطور، نجد أن السبعينيات كانت البداية الحقيقية لعودة الجماعات الدينية فى مصر ومنحها الحرية الدينية فى المدارس والجامعات والمساجد، وذلك وفقا لسياسات اتبعها الرئيس السادات الذي تخيل حينها أن ذلك هو أفضل حل لمحاربة المعارضة الشيوعية والناصرية، وطوال عقد من الزمان تمكنت الجماعة الاسلامية من السيطرة على جميع المنابر الشعبية، لتبدأ حينها المرحلة الاولى من الارهاب الاسود بعملية الفنية العسكرية فى عام 1974م، ولتنتهى هذه المرحلة باغتيال الرئيس السادات نفسه فى عام 1981، لتنتهي بذلك المرحلة الاولى من الارهاب.

حيث استطاع الحل الأمني منفردًا حينها إضعاف العناصر الارهابية وإيقاف أعمال العنف.. ليطل علينا الارهاب فى مرحلته الثانية، وذلك فى بداية التسعينيات، وهي المرحلة التي تستحق منا البحث والتمحيص نظرًا لأنه وبرغم شدتها وقتها التي تتقارب مع ما يحدث من ارهاب حاليا إلا أن ما حدث لمجابهتها وإنهائها هو أمر يستحق الإشادة ومحاولة تكراره حاليًا.. وتوضيحًا لما حدث، نذكر بأنه فى بداية التسعينيات عادت العمليات الارهابية بقوة بالغة مستهدفة شخصيات عامة ومصالح حكومية ومنشآت سياحية، وعلى سبيل المثال لا الحصر تم اغتيال رفعت المحجوب، رئيس مجلس الشعب حينها فى عام 1990، وكانت هناك محاولة لاغتيال مبارك فى 1995، ورغم التعامل الأمني بالغ القوة فى البداية إلا أن هذا لم يثنِ الجماعات الارهابية عن مواصلة همجاتها الارهابية البشعة التي راح ضحيتها 170 سائحًا أجنبيًا من 93 حتى 96، وكانت العملية الأكبر لضرب السياحة 1997 بمدينة الأقصر وراح ضحيتها 67 سائحًا، وأقيل على اثرها حسن الألفى وزير الداخلية.

الجدير بالذكر، أن القبضة الأمنية لم تجدِ حينها إلا بعد العديد من المراجعات الفكرية التي أطلقها القادة التاريخيون للجماعة الاسلامية فى السجون، حيث بلغ عددهم حينها ثمانية آلاف تم تجميعهم فى سجن العقرب، وتم توفير النصح والارشاد لهم على يد أبرز الدعاة حينها، وهو الشيخ الشعراوي، وكان معه الشيخ جاد الحق وأحمد عمر هاشم وغيرهم.

وبالفعل نتج عن هذه المراجعات العديد من فتاوى نبذ العنف والاعتداء على رجال الجيش والشرطة وقتل السياح وحرق الكنائس ونهب محلات الأقباط.. وبالفعل نجحت حينها تلك المراجعات الفقهية وكانت حينها سببًا فى وقف نزيف الدماء. ويجب أن نشير هنا إلى أننا نحتاج لمثل هذه المراجعات وليس الحل الأمني وحده للتصدى للفكر التكفيري والقتل باسم الدين والدفاع عن الشرعية.. ويجب أن نشير هنا إلى أن مصر عقب هذه المراجعات لم تشهد أي عمليات إرهابية حتى العام 2004، حيث حدثت تفجيرات طابا التي تعتبر مرحلة ثالثة للارهاب، ولا ننسى أنه حينها تصاعدت أصوات المعارضة فى مصر لانتقاد الطريقة التي تعامل بها الأمن مع العملية الارهابية ومع البدو من أهالى سيناء تحديدًا، حيث حدثت اعتقالات عشوائية شملت آلافًا منهم، ووقتها قال اللواء منير شاش، أطول محافظ تولى شمال سيناء، إن الأمن يتعامل مع بدو سيناء كما يتعامل مع عائلات بولاق الدكرور، وهو أسلوب خاطئ بالطبع، ورغم كل الأصوات المعارضة للتعامل الأمني وقتها حدثت حادثة الأزهر في 2009.

ويكشف الارهاب بهذا عن وجهه القبيح وهدفه الواضح؛ وهو تحدي هيبة الدولة ممثلة فى الجيش والشرطة، مركزا نشاطه في سيناء.

وهنا يبرز السؤال المهم: لماذا سيناء بالتحديد التي يحاول الارهاب بكل السبل السيطرة عليها؟ بالتأكيد لا بد من مستفيد، وهنا تشير أصابع الاتهام إلى إسرائيل والعديد من التنظيمات الارهابية التي تعمل لمصالح دول خارجية يهمها ألا تستقر مصر أبدًا.

ولكن كانت هناك أخطاء بالماضي أيضا لدينا يجب أن نبحث فيها، حيث يجب علينا أن نتساءل: لماذا لم تحاول الدولة إدماج سيناء مع بقية محافظات مصر على الرغم من توافر ثروات معدنية وسياحية وصناعية وزراعية فى سيناء؟.

الجدير بالذكر، أن هذا هو ميراث نظام مبارك المشوه الذي أحجم عن تنمية سيناء بحجة أن أي مشروعات عمرانية أو صناعية فى سيناء تعرضها للخطر وقت نشوب الحرب مع إسرائيل، وهو تفكير خاطئ بالتأكيد حيث إن تعمير سيناء كان سيقف حجر عثرة فى وجه إسرائيل لو فكرت فى احتلال سيناء.

وبالرغم من كل مشاريع تطوير سيناء فى عهد مبارك إلا أنها لم تتعد كونها حبرًا على ورق، حتى إن المشروع القومي لتطوير سيناء فى 1994 كانت تكلفته حينها 75 مليار جنيه، بلغت الآن 300 مليار جنيه، ولم ينفذ من أيهما أي شىء حتى الآن.

وبالنظر لحال سيناء يتضح لنا جليًا أن إهمال تنمية سيناء فى عهد مبارك والاعتماد على سياسات أمنية خاطئة عمّقا الشعور بالظلم والاهمال لدى أهالى سيناء، وتشير أغلب التقديرات إلى ارتفاع معدلات الفقر والبطالة فى شمال سيناء قبل سقوط مبارك فى 2011.

بينما استفاد أهالي جنوب سيناء من الازدهار السياحي الذي ما لبث أن تراجع خلال السنوات الثلاث الماضية، عقب سقوط مرسي وجماعة الاخوان، وهو ما جعل الفقر والبطالة والتهميش تضرب كل مناطق سيناء رغم كل ما لديهم من خيرات.

وتأثر أهالى سيناء بكل المتغيرات التي مرت بمصر خلال الفترة السابقة من عهد مبارك، ثم وصول الاخوان للحكم وحتى بعد سقوط مرسي وأعوانه، وكان تهديد البلتاجي القيادي الاخواني واضحًا من تفجيرات وعمليات انتحارية وسيارات مفخخة كان لسيناء النصيب الاوفر منها للأسف، وذلك نظرا لانتشار التنظيمات الارهابية فى سيناء بكثافة، وأهمها حركة حسم، والمرابطون، وجند الاسلام، وأنصار الاسلام، وأجناد مصر، وتنظيم ولاية سيناء.

ولذلك فإن غياب فرص التنمية فى سيناء خلال عهد مبارك أدى لتطرف الحدود لتطرف بعض سكانها، وكذلك عدم تجديد الخطاب الديني وفقا لمتغيرات الأفكار فى هذه المنطقة ساعد على مزيد من التطرف وساهم فى إيجاد بيئات حاضنة للارهاب، كما شكلت الطبيعة الجغرافية عائقا مهما فى مواجهة الارهاب وصعوبة تعقب الارهابيين الذين يتحركون فى مناطق متعددة يعرفونها جيدًا، كما وجدت أفكار الارهابيين محتضنا لها حيث ساعدت البيئة القبلية على مزيد من التلاقح لخروج أجيال من المتطرفين.

وكذلك ساعد ضعف سيطرة القبيلة على أبنائها على زيادة معدلات الفكر المتطرف بين الأجيال الجديدة، كما أن عدم وجود فرص عمل حقيقية فى سيناء، رغم آبار البترول والقرى السياحية، إلا أن من يعمل بها من خارج سيناء وذلك أدى بالتبعية إلى عمل قطاع من الأهالي فى تهريب السلاح والمخدرات والبشر من وإلى إسرائيل وغزة عبر الأنفاق، وكذلك نشطت تجارة الآثار فى هذه المنطقة، وكل هذا أدى بالتدريج إلى أن تصبح البيئة مهيئة لنشأة الارهاب وترعرعه فى سيناء.

وبنظرة سريعة لسيناء، نجد أن مساحتها 61 ألف كيلومتر مربع، أي أكثر من الوادي والدلتا مجتمعين، ويسكنها أقل من مليون نسمة، وينتمي أهلها إلى عدة قبائل، أهمها السواركة والترابين والرميلات والمساعيد.

ولا أدّعي أن الصورة قاتمة بالجملة، لأنه من المؤكد أن الارهاب سيندحر ورجال الجيش البواسل يبذلون كل نفيس وغالٍ خلال "العملية سيناء 2018"، ولنا فى موقف "الكتيبة 103" خير دليل، حيث وقفت الكتيبة فى وجه الارهابيين رغم استشهاد عدد كبير من أعضائها، على رأسهم سيد شهداء سيناء العقيد أحمد المنسي، الذي كان موقفه مبهرًا حيث رفض الانسحاب حتى لقى ربه، ولكن هذه هى العقيدة القتالية للجيش المصري حيث يقاتل حتى آخر نفس.

ولكن إلى جانب جهود أبنائنا في القوات المسلحة والشرطة، فإن الانتصار على الارهاب فى سيناء يتطلب حلولا تنموية سريعة تحد من الفقر والبطالة والجهل بالدين، وذلك للقضاء على البيئة الحاضنة للارهاب فى سيناء، كما يجب إقامة علاقات شراكة وتواصل بين سيناء وأهالى الدلتا ووادي النيل حتى يشعروا بانتمائهم لهذا الوطن، كما يجب حل مشاكل تملك المواطن السيناوي لأرضه حيث إن من أهم شكاواهم أنهم لا يملكون بيوتهم التي يعيشون فيها، كما يجب تطوير الأداء الأمني واستحداث آليات جديدة للتعامل مع أهالي سيناء، خصوصًا فى الأكمنة المنتشرة بكثافة فى سيناء.

ولذلك لا بد من وضع استراتيجية حرب فكرية للقضاء على الارهاب أو تخفيف حدته وضرب أهدافه بعيدة المدى، وهذا لن يتم إلا من خلال التعليم وزيادة الوعي والثقافة، وكذلك لا بد من قطع طريق التمويل والدعم المعنوي الذي يقدم للارهابيين، والقضاء على الأطراف التي تقدم للارهاب دعمًا سياسيًا أو إعلاميًا.
خلاصة القول، إن مهمة الأمن حاليًا هى من أصعب ما يكون، حيث إنهم وللأسف هم من يقفون فى وجه الارهاب ويتسع- بسبب ضحاياهم- جرح الوطن الغائر بسبب كثرة الضحايا والمصابين من إخواننا وأبنائنا فى الجيش والشرطة. لذلك يجب العمل لدعم أبنائنا في الجيش والشرطة على عدة مستويات لمجابهة الارهاب، أولها المراجعات الفكرية والفقهية، وثانيها الاستمرار بعزم في تجفيف تمويل الارهاب سواء داخليا أو خارجيا، حيث إن هناك عدة دول ومخابرات أجنبية تعمل على إضعاف مصر قلب العروبة النابض، ويجب ألا ننسى تقديم حلول عاجلة للاوضاع الاجتماعية لبعض فئات الشعب، ومحاربة الجهل والفقر اللذين يعدان هما السبب الحقيقي لعودة هذه التيارات المتطرفة وانضمام أفراد جدد لهم، لذلك يجب البحث عن حلول اجتماعية جديدة وجريئة للبطالة والفقر والجهل التى تعتبر بيئة خصبة وحاضنة للارهاب والارهابيين، هذا بخلاف المؤامرات الخارجية على مصر لحساب اسرائيل وأمريكا وأذنابهم فى المنطقة، حيث إن الدعم الخارجي الذي يتلقاه فصيل الارهابيين من الخارج كبير جدًا.

وختامًا، فما تجابهه مصر حاليًا أكبر من حرب على الارهاب، بل هي حرب على مصر نفسها، ويجب علينا مراعاة الفروق بين الفترة التي نعيشها وفترة التسعينيات، وأشدد على أن الحل الأمني وحده لن يجدي دون حلول اجتماعية سريعة، ومراجعات فكرية وفقهية من شخصيات دينية ومفكرين تمتلئ بهم أرجاء مصر، ولكن يحتاجون لمن يتيح لهم المجال لشن حرب فكرية على الإرهاب.