رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قضايا
الأحد 12/نوفمبر/2017 - 10:53 ص

منابع التكفير والتفجير«رؤية شرعية».. استبدال الدولة بالجماعات (1)

منابع التكفير والتفجير«رؤية
aman-dostor.org/1252

لاتزال أنهار الدماء المعصومة تسيل في بلاد المسلمين، باسم الإسلام، الذي سرقته فئة من مصاصي الدماء، من أهله، ونسبوه إلى أنفسهم بفتاواهم، وتفسيراتهم، وتأويلاتهم الباطلة لكل ما يقع تحت أيديهم من نصوص الشرع، وشروحاتها في كتب الأئمة المتقدمين والمتأخرين على حد سواء، يبيحون بها الدماء، ويستحلون بها الأموال والأعراض، ولا ينفكون يفعلون ذلك بدماء باردة، يدعون أن كل جريمة تقربهم خطوة إلى الله تعالى، السطور التالية تلقي الضوء على الأصول الشرعية التي زورها هؤلاء، وأولوها حسب أهوائهم ليستندوا إليها في جرائمهم الإرهابية. الأصل الأول.. نحن الدولة قبل الدخول في أي تفاصيل، ينبغي أولا معرفة كيف أعطت الجماعات التكفيرية والإرهابية لنفسها الحق في إراقة الدماء، واستحلال الأموال والأعراض، وهو أنهم وضعوا أنفسهم قبل أي شيء في موضع الدولة؛ لتكون هذه الجماعات دولا موازية داخل الدول التي تأويهم، وبالتالي تكون جميع أحكام الدولة برئيسها وجيشها وشرطتها ورعاتها ورعيتها، في الكتاب والسنة وشروحات المفسرين والفقهاء والعلماء بلا استثناء منطبقة على هذه الجماعة، ولقائدها الحق في توزيع الأدوار والإفتاء، وإعلان الحروب، وتنفيذ المعاهدات، وتوقيع المواثيق، والاتفاقيات، والإغارة على أهل الدول التي يعيشون فيها، واستباحة أراضيها بكل ما عليها من بشر وحجر. وبهذا تكون الدولة- من وجهة نظرهم- عبارة عن كيان ضيق مؤلف من مجموعة الأفراد الذين أعلنوا الولاء له، وتبرأوا من كل ما سواه، فهم لا يرون دولة الإسلام إلا في هذا الكيان، الذي يعتبرون إنشاءه نصرة للدين وإقامة الخلافة التي تدين لها جميع المدائن والدول طوعا أو كرها، وتكون كل أحكام الشرع في هذه الحالة طوع أيديهم، فهم قد أصبحوا الدولة وجندهم وميليشياتهم هي الجيش الإسلامي الشرعي الذي يزود عن الإسلام الذي تصوروه، والمسلمون في هذه الحالة هم أعضاء الجماعة وأفرادها الموالون لها، ولذلك ينزعون يد الطاعة ممن تجب له من الأمراء والحكام، فيمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، بسبب تأويل النصوص، ولي أعناقها لتتوافق مع منهجهم الباطل لكي يجتذبوا بها الأتباع. إبطال تأسيس الجماعات يأتي ذلك رغم أن الشرع قد أبطل هذه الجماعات والفرق كلها، وأمر بخلاف ما يدعون إليه واعتبرهم بغاة يجب على الإمام قتالهم حتى يعودوا مرة أخرى إلى الطريق المستقيم، تجنبا لإراقة الدماء، كما نرى اليوم. وقد وصفهم العلماء ومنهم الإمام الشافعي في كتابه الأم، بأنهم: « قوم لهم شوكة، ومَنَعة يخرجون على الإمام بتأويل سائغ، يريدون خلعه أو مخالفته وشق عصا الطاعة له». ولا شك أن التأويل السائغ متوافر لدى كل الجماعات التكفيرية والإرهابية وحلفائها بتفسيراتهم المغلوطة لنصوص الشرع، كما أن لهم شوكة ومنعة، عن طريق أتباعهم والدول والكيانات الداعمة لهم من أجل تفريق كلمة المسلمين وإضعافهم، وهؤلاء قد وصفهم الله تعالى بتفريق دينه. قال الإمام ابن كثير: «حدد الله – تعالى أن الرسول بريء من الذين تفرقوا في الدين، وذكر مآلهم فقال: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ)» [سورة الأنعام:159] والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله، وكان مخالفاً له، فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق، فمن اختلف فيه وَكَانُوا شِيَعاً أي: فرقاً كأهل الملل والنحل - وهي الأهواء والضلالات - فالله قد بَرَّأ رسوله مما هم فيه (تفسير ابن كثير (3/377). وقال الإمام السيوطي، رحمه الله أخرج عبد بن حميد ، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) . قال: تعلموا أن الفرقة هلكة، وأن الجماعة ثقة. (الدر المنثور في التأويل بالمأثور). وقد بين النبي، صلى الله عليه وسلم، صفات هذه الجماعات في الحديث الطويل لحذيفة ابن اليمان الذي قال فيه إنهم: (دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت- أي حذيفة- يا رسول الله، صفهم لنا. قال: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا. قلت فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك). وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم ، وعملكم مع عملهم، ويقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) (صحيح البخاري، حديث رقم: 4788). وقد أغلق النبي، صلى الله عليه وسلم، كل أبواب الشبهات التي يتخذونها ذريعة لمفارقة الدولة، والخروج عليها، لما يرونه هم من كفر الحاكم والمحكوم، فلم يأمر بإقامة جماعة، بدلا من الدولة بل أمر بغير ذلك. فقد روى البخاري في صحيحه عن زيد ابن وهب قال: سمعت عبدالله قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم سترون بعدي أثرة وأمورا تنكرونها، قالوا فما تأمرنا يا رسول الله، قال أدوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم. والأثرة هي الانفراد بالشيء دون مستحقيه، فيُمنع صاحب الحق، ويستأثر من بيده السلطة أو الولاية أو نحو ذلك بهذا المال. وعن قوله «أمورا تنكرونها»، قال الشارح : يعني من أمور الدين، وبهذا فقد أكد النبي، صلى الله عليه وسلم، أن الأمراء والحكام من بعده سيكون لديهم حق وباطل، وسيرى الرعية منهم أثرة وانفرادا بالخيرات ومنع وصول الحقوق إلى أهلها، كما سيكون منهم مخالفات في أمور الدين، وقد بين النبي، صلى الله عليه وسلم، في غير موضع كيفية التعامل مع هذه الأوضاع، وحذر من الفرقة والتحزب وإنشاء الجماعات، مهما كانت الغاية منها، وأوضح أن النتيجة الحتمية لمخالفة هذه الأوامر والتكليفات الشرعية ستكون إراقة الدماء المعصومة واستباحة الأموال والأعراض كما نرى من كل التنظيمات والجماعات الإرهابية. يتبع