رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
حوارات
السبت 11/نوفمبر/2017 - 06:35 م

مفكر صوفي عراقي: الخطاب الديني المعاصر يعاني من التشرذم - حوار

مفكر صوفي عراقي:
aman-dostor.org/1237

المسلمين قبل التصوف.. رهبانا بالليل فرسانا بالنهار التصوف علم قائم بذاته منذ بداية القرن الثالث هجريًا شطحات الحلاج..بداية انحراف المتصوفة الصوفية أوسع أفقًا وأكثر انتشًار من التيارات المتشددة هناك تيارات تستغل الدين وتخلق خلافات وللتروج لنفسها صوفية العراق يردوا على هجمات داعش بـ«الصمت» الخطاب الديني المعاصر يعاني من التشرذم التصوف فى مصر حكرًأ على اتباع الطرق صوفية العراق تيار مواجهة للجماعات المتشدة ينتسب إلي الأسرة الكيلانية التي ترجع بنسبها للسيد الشيخ عبد القادر الجيلاني، هو الدكتور جمال الدين فالح الكيلاني، المؤرخ الصوفي العراقي المتخصص فى التاريخ والحضارة العربية الإسلامية بصورة عامة وفى الدراسات القادرية بتخصص دقيق. أصدرالكيلاني، مؤخرًا كتابه الآخير عن نهضة التصوف، حاورته «أمان»، للتعرف على بدايات وملامح ظهور التصوف مرورا بمراحل تطوره فى وقتنا هذا. وقال الكيلاني فى حواره أن التصوف ظهر فى القرن الثالث الهجري، أصبح علم قائم بذاته يستمد أصواله من القرآن والسنة، مضيفًا أن حياة المسلمين قبل ظهور المنهج الصوفي كانت مليئة بالزهد ووصفهم بـ"رهبان الليل وفرسان النهار". وأوضح الكيلاني أن الاتجاه الروحي للمسلمين هو الذي خلق علم لتصوف، كشف عن الإنحرفات التي واجهت التصوف منذ ظهوره، وإليكم نص الحوار.. كيف كان الاتجاه الروحي للمسلمين قبل ظهور التصوف ؟ التربية النبويّة الشريفة احدثت تغييرًا كليًا فى النفوس، وأيقظت الأرواح، فالرسول صل الله عليه وسلم وجه صحابته وأمته من بعده إلى تأمل كتاب الله، الاقتداء بسنته، فى عدم إعطاء حياة الشهوات أكثر من حجمها، وعدم التذلّل لها، فكانوا -كما وُصِفوا- رهبانًا بالليل فرسانًا بالنهار، استغرقوا فى العبادة والصلاة وقراءة القرآن والكفاح اليومي ابتاعًا لمنهج رسول الله. ومن بعد الصحابة جاء كبار التابعين وتابعيهم، وسالكوا مسلكهم فى العبادة، واستمر هذا الاتجاه الذي سمّي بالزهد فى المجتمع الإسلاميّ، نتيجة تطور أوضاعه، وكلما استبدت المغريات المادية بالناس، وكثرت الآثام، وظهرت المفاسد، وانتشرت المظالم، علت الدعوة إلى محاربة النفس الأمّارة بالسوء. متى ظهر مصطلح "التصوف"؟ ظهربوضوح، ابتدًاء من القرن الثالث الهجري، كان أهل الزهد والإرشاد ينبهون الناس إلى الثغرات الروحيّة فى الحياة وكيفيّة معالجتها، وكانوا ينطلقون من منطلقات قرآنية، وبقى الاتجاه الروحي على صفائه الإسلاميّ، حتى بعد تطوره إلى فكر، واتخاذه مصطلح "التصوّف"، وأصبح التصوّف إلى علم قائم بذاته. كيف أًصبح التصوف علم قائم بذاته؟ التصوف، سمّي بعلوم الخواطر أو الأحوال أو المكاشفات، ويقول ابن خلدون: هذا العلم من علوم الشريعة الحادثة فى الملّة، وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصّحابة والتابعين ومن بعدهم طريقة الحقّ والهداية، وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذّة ومال وجاه، والانفراد فى الخلوة للعبادة، وكان ذلك عامًّا فى الصّحابة والسلف، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفيّة والمتصوفة واتخذوا التصوف منهجًا وعلمًا لهم. بدأ الصوفيّة يتعمّقون فى حقائق الدين فظهر الفكر الصوفيّ كأحد مظاهر الفكر الإسلاميّ، هذا التطوّر الذي عده ابن خلدون بسبب تطوّر حركة المجتمع الإسلاميّ وامتداده، ونشوء ظواهر جديدة كالترف والبذخ، والإقبال على الدنيا. هل تقصد أن التطور الروحي هو الذي خلق علم التصوف؟ التطوّر الروحيّ انتهى إلى علم التصوّف مثلما تطوّر الاتجاه العقليّ النظريّ إلى علم الكلام والفلسفة، وتطوّر الاتجاه العمليّ إلى الفقه وأصول الفقه والمدارس الفقهيّة المعروفة. وكان فى الفكر الصوفيّ فى بدايته قائمًا على الكتاب والسنة، وكان يقوم على التأمّل العميق فى التوحيد والعبوديّة التّامة لله تعالى عن طريق تصفية القلب، واستقامة السلوك، ومجانبة الدواعي النفسانيّة، والتعلّق بالعلوم المستنبطة من الكتاب والسنة. ثم تبلور إلي فكر صوفّي إسلاميّ عميق، يدرس حقيقة العبادة والتوحيد واتباع السلوك الصحيح إلى الحقّ تبارك وتعالى، ووصف مراتب النفس وتصفيتها، وأمراض القلوب وشفاءها، وحقيقة هذه الحياة وموقع الإنسان فيها، والخلاص من الرذائل، ونبذ العبوديّة للدنيا، ومعرفة مظاهر الشرك الخفيّ ومراتبها. هل انحرف التصوف عن مساره فى مراحل تطوره؟ الفكر الصوفيّ السليم تضبطه ضوابط القرآن الكريم والسّنة، ولكن ظهرت منذ " أبو القاسم الجنيد" بوادر انحرافات واضحة، تمثلت فى شَطَحات الحلاج التي كانت نتيجة الغنوصيّة الشرقيّة (الهنديّة والمجوسيّة...)- مصطلح حديث يجمع الديانات القديمة التي انعزل أتباعها عن العالم المادي الذي خلقه خالق الكون المادي، وانغمسوا فى العالم الروحاني- التي دخلت المجتمع الإسلاميّ، ودعت إلى الحلول عند الحلاج، والإشراق عند السهروردي، ووحدة الوجود عند ابن الفارض وعبد الكريم الجيلي وعبد الحق ابن سبعين وابن عربي، هذا الأخير الذي قال بوحدة الأديان وأوّل الحقائق الشرعيّة تأويلا منكرًا، ودعا إلى نظريّة الاتحاد بين الخالق والمخلوق، وغيرها. وهذه النظريّات لم تكن تجربة روحيّة إسلاميّة، بل كانت مظهرًا واضحًا لدراسات فلسفيّة حلوليّة وغنوصيّة لا علاقة لها بروحانيّة الإسلام عند المتصوّفة الأُوَل المستقيمين من المتمسكين بكتاب الله وسنة رسوله. كيف أُثرت تلك الإنحرافات على منهج التصوف ؟ لم يؤثر فى شئ.. ولا يعني وجود هذا الانحراف أنّ ساحة الفكر الإسلاميّ الصوفيّ خلت من التيار الصوفيّ المنضبط بضوابط الشّرع، ولكنه استمر عند القشيري وعبد القادر الجيلاني، والشيخ زروق وغيرهم، من الذين حاربوا تيار الإشرافية، ووحدة الوجود، والإباحية، ودعَوْا إلى كتاب الله تعالى وسنّة رسوله. ما هي القاعدة الأساسية التي يستند إليها المنهج الصوفي.. بخلاف القرآن والسنة؟ التصوّف يقوم على الذّوق والتجرِبة الذاتيّة، وما يسمى "بالكشف"، ولا يقوم على النظر العقليّ ولا على الحِسّ، وإنما يقوم هذا المنهج على التجربة الذاتيّة والمجاهدة وسلوك طريق الأحوال والمقامات. لماذا تهتم فى كتاباتك بالتراث الصوفي الإسلامي عن غيره؟ أسباب متعددة، منها أنتمائي لعائلة لها تاريخ فى التصوف، فأنا من أحفاد الإمام عبد القادر الجيلاني، ومجال تخصصي العلمي الدقيق فى تاريخ التصوف الإسلامي مع «رغبة متجذرة فى سبر أغوار هذا البحر العباب ». ما الفكر الذي يقدّمه التّصوّف اليوم؟ التصوف الإسلامي مدارس، يقدم البديل الأفضل والفهم السليم للإسلام بعيدا عن التطرف الذي ساد الساحة الإسلامية العربية، بسبب التعصب والنظرة الضيقة للحياة، وظهور بعض الجماعات المتشددة التي شوهت صورة الإسلام. هل من فوارق ترونها بين تعامل الصوفية مع مشكلات الحياة اليوميّة والتيارات المتشددة؟ الصوفية لديهم لين فى التعامل مع الدنيا والناس ولا يميلون للتعصب الفكري وهذا مغاير للمدارس الآخرى التي لاترى الآخر، إلا أنه لا منتمي للجماعة فيصبح عدو له، والتصوف السليم هو الملتزم بالكتاب والسنة وهما المحك والمقياس فلا تصوف بدونهما. هل ترى أنّ الطرق الصّوفيّة تؤدّي دورا فعّالا فى المجتمع الإسلاميّ المعاصر يمكن أن يغيّر من أوضاع المؤمنين وغيرهم؟ المنهج الصوفي والطرق الصوفية اغلبها لها دورا فاعلا فى المجتمعات الإسلامية والتاريخ يحدثنا عن دور الطرق الصوفية فى نشر الإسلام شرقا وغربا ومازال التصوف القاعدة العريضة لأغلب المسلمين فى العالم الإسلامي وهذه من الحقائق الجلية للعيان. ما رأيك فى إحياء الصّوفيّه والسلفية لمشكلات حاليا؟ النظرة الشمولية للصوفية أوسع افقا وأكثر انتشارا وأكثر قبولا لما تمثله من وسطية على العكس من المدارس الأخرى، التي لا ترى إلا أن الاخرين ليسوا على جادة الصواب ويحملون ذلك على محمل الجد مما يجعل الفرق الأخرى على المحك. هل التيارات الدينية تستغل الخلاف للترويج لنفسها؟ المتابع للساحة يرى وبعين بصيرة الاستغلال الواضح للفرق الدينية والدعوة لنفسها بعبدا عن الإسلام الوسطي الجامع. كيف يمكن الاستفادة من هذه الطاقة الإبداعيّة الموجودة فى التراث الصوفي فى شتّى المجالات ؟ التراث الصوفي، من أخصب ما تركته لنا الحضارة العربية الإسلامية، كتبهم شاهدة على ذلك ورجالهم، ونحن بحاجة ماسة لأخلاق الصوفية فى وقتنا هذا لما يمثلونه من فكر وسطي معتدل بعيدا عن التطرف المتسيد للساحة الإسلامية، وعلى كافة الصعد حيث باتت العنصرية والتعصب المذهبي سيد الموقف. كيف يمكن الاستفادة من البعد الروحي فى خدمة الإنسانيّة وتلقيح الثّقافات؟ الانسانية من اهم مظاهر الحضارة العربية الإسلامية والتصوف دعى اليها واعتمدها كمدخل للحياة، مثلا من يقراء الإمام عبد القادر الجيلاني يراه بعد كل هذه القرون يخاطب النفس الإنسانية وبكل خلفياتها ويضع الانسان قيمة عليا للمجتمع وشعاره القضاء على الفقر والجوع والتخلف. يتحدّث كثيرون عن وجود أزمة فى الخطاب الديني عموما. ما طبيعة هذه الأزمة فى رأيكم؟ وما ملامحها وتجليّاتها؟ الخطاب الديني المعاصر يعاني من التشرذم والتحزب والتنافر والتعنت، مما سبب فى بث روح التفرقة بين المجتمع الواحد، وتقسيم المجتمعات على اسس أثنية بغيضة، مما أدى إلى الاقتتال بسبب الجذر المذهبي الضيق بعيدا عن الإسلام الحضاري الجامع والذي جمع الأمة بمرمتها على مدى العصور الإسلامية. وكيف ترى آفاق الخروج منها وتجاوزها؟ «الخروج من عنق الزجاجة»، هذه يحتاج التوعية والتثقيف الجماهيري الجمعي، على تقبل الآخر مهما كان هذا الآخر وهذا كان من الاسس التي قامت عليها الحضارة العربية الإسلامية، والبعد عن الخلافات المستندة إلى الأساطير الشعبية والتي ليس لها أصل تاريخي إلا فى بعض العقول المستفيدة من الإحتراب بين الإخوة. هل هناك سُبل لتجاوز الحركات الإسلاميّة لهذه الأزمة؟ لو ارادت الحركات الإسلامية تجاوز الحاضر المر فما عليها إلا تغيير خطابها والاقتداء بالتجارب فى البلدان الإسلامية التي اعتمدت الإسلام الحضاري القائم على احترام الاخر والتجربة الماليزية ليست عنا ببعيد. هل يوجد تواصل مع قيادات التصوف بمصر؟ متابع جيد للساحة الصوفية عامة والمصرية وليست لي لقاءات مباشرة بل مراقب عن كثب للساحة وأرى مازالت هناك خطوات يجب اتباعها من قبل هذه القيادات حتى لا يكون التصوف حكرا على اتباع الطرق نفسها بل يكون لكل الناس. ما رأيك فى التصوف المعاصر ؟ التصوف بدأ بالنهوض بعد ملامحه تظهر بعدما انتشرت التيارات المتشددة فالجميع مل وضجر من التعصب البغيض وأصبح بحاجة ماسة للراحة النفسية والروحية وهذا هو عين ما يقدمة التصوف السليم فى الوقت الحالي، ولكن فى بعض الأحيان المظهر غلب الجوهر بالنسبة للتصوف؛ لأن فى البلدان العربية تعتمد على القشور وتركت اللباب من الحضارة الحديثة، ومن يقوم بزيارة للدول المتقدمة يدرك تأخر بلداننا عن العالم المتحضر وهذا واقع أليم جدا. لماذا انحصر دور بعض الصوفية فى الوقت الحالي فى الاحتفالات بالمولد وابتعدوا عن الدعوة والإرشاد؟ هذا التقوقع هو الذي جعل التصوف بعيدا عن الفعل المجتمعي، بعدما كان التصوف المدرسة التي خرجت العلماء والقادة مثل الغزالي والجيلاني والرفاعي والبدوي والدسوقي وصلاح الدين الايوبي عبد القادر الجزائري وعمر المختار وغيرهم من الإعلام، أصبح البعض يعتمد على المولد والحضرة فقط، وتجاهلوا عن أن التصوف هو الثورة الروحية فى الإسلام، وفيه من الطاقة الإيجابية أن يحول الإنسان إلى عاشق للدنيا ومن حوله وهذا من أهم مقاصد الدين الإسلامي الحنيف. لماذا لم تكن الصوفية قادرة على التصدي للأفكار المتطرفة؟ التصدي للافكار المنحرفة يحتاج إلى جهود مؤسساتية ومجتمعية تفوق جهود رجال التصوف وقدراتهم ولكن مساندة الصوفية الملتزمة المنضبطة يساعد إلى حد بعيد فى القضاء على الإنحراف الفكري. يوجد العديد من الطرق الصوفية فى مصر لم تلقى شهرة مثلما نجدها فى عدة من البلدان الآخرى كالقادرية؟ الطرق الصوفية كلها ترجع لطرق قليلة ومنها القادرية والمنتشرة شرقا وغربا ومازالت هي المتسيدة على المشهد الديني بين مسلمي الصين شرقا وحتى المغرب العربي، وكل الطرق الصوفية فى مصر هي امتداد طبيعي لها ولإخواتها. ما هي الفكرة الأساسية في كتابك الآخير" نهضة التصوف" ؟ نهضة التصوف ؛ هو دراسة تحليلية مقارنة فى التراث الصوفي الاسلامي، وكيف استطاع الفكر الصوفي القيام بنهضة فكرية وسياسية واجتماعية وسياسية فى العصر العباسي الأخير، وخصوصا إعداد جيل صلاح الدين الأيوبي الذي حرر القدس من الصليبين واهم القادة الصوفية فى العالم الاسلامي ودورهم فى أيامهم مثل عبد القادر الجزائري وعمر المختار. ماذا عن وضع الصوفية فى العراق فى الوقت الحالي ؟ يشهد التصوف فى العراق حاليا صعودا واضحا؛ وذلك بسبب كونه واجهة معادية للتطرف والبديل السليم للتشدد وما سببه هذا التشدد أنهيار مجتمعي معروف، والصوفية من الدعاة لإسللام عبر العصور وهذا تاريخ شرق أسيا وأفريقيا جنوب الصحراء شاهد على انتشار الإسلام على يدهم.