رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قراءات
الثلاثاء 10/يوليه/2018 - 11:28 ص

"التشيع العلوي والتشيع الصفوي".. لماذا يكرهون العرب؟

التشيع العلوي والتشيع
أحمد الشوربجي
aman-dostor.org/11972

يعد كتاب "التشيع العلوي والتشيع الصفوي"، للمفكر الإيراني الدكتور"على شريعتى" من الكتب الهامة التي تفرق بين فكرة التشيع المذهبي والتشيع السياسي، فالرجل شيعي المذهب ولكنه قدم رؤية نقدية عميقة للتشيع المعاصر، وبين دور السياسة وكيف تخفت وتلبست بالدين حتى أضرت بالمذهب فمحت معالمه الأساسية وغيرت وجهه تمامًا.

بدأ شريعتى في كتابه يدلل على صحة نظريته من التاريخ لينتهى منها عند أبواب السياسة فالحقائق التاريخية والواقعية تقول إن السياسة كانت العامل المهم فى ظهور المذهب الشيعى ابتداء، فمن السياسة بدأ وفى حضن التاريخ تحصن، وتقوقع وصارفرقة عقائدية مؤدلجة.


فللتاريخ والسياسة وقع مهم فى تكوين الفكر الشيعى ومن ثم يكون طبيعيًا أن يكون المؤلف أسيرًا لهذين العاملين يبدأ منهما وينتهى ليرسخ لهما ولأهميتهما فى تحول وتحور المذهب، لكن الجديد الذى يقدمه هو أن ما هو موجود ليس بتشيع حقيقى.

من خلال هذا النقد للتشيع السائد فى عصره يقترب المؤلف من المذهب السنى ويردم الهوة الواسعة التى حُفرت بين المذهبين وينتقل بالقارئ الشيعى لما هو أبعد، إذ ينقله مما هو عليه ويدعوه ويحفزه لنبذ ما هو سائد من تشيع وقبول الاختلاف مع المذهب السنى. 

شرح "شريعتى" واقع الأمة كما رأه فقال: فى أواخر عهد بنى أمية وأوائل عهد بنى العباس أحييت روح الزهو والتفاخر العربى مع احتقار القوميات الأخرى، وبالذات القومية الإيرانية، وكرد فعل برز الشعور العرقى فى نفوس الإيرانيين وتولدت تيارات تدعو لإحياء التراث الوطنى القومى والاعتزاز بالهوية الإيرانية واصطلح على تسمية هذه الحركة بالحركة الشعوبية، وقد حملت الشعوبية فى بداية ظهورها شعار التسوية، أى مساواة العجم بالعرب لكنها مع الوقت تحولت إلى حركة تفضيل تدعو لتفضيل العجم على العرب، وعملت عبر ترويج المشاعر القومية وإشاعة اليأس من الإسلام، وضرب سلطة الخلافة، وفصل الإيرانيين عن تيار النهضة الإسلامية المندفع إلى الأمام بقوة. 

يرى "شريعتى" أن الحركة الشعوبية نجحت نجاحا جزئيا فقط تمثل فى خلق بذور التمسك بالهوية الإيرانية التى حالت دون انصهار الإيرانيين بشكل تام مع جسد الأمة الإسلامية حتى جاءت الحركة الصفوية لتلعب الدور ذاته وتسلك الطريق ذاته فى تأجيج الشعور القومى الإيرانى فى مقابل مركز الخلافة الإسلامية فى استطنبول فلم تتورع أن تستعين بأوروبا وكالعادة فإن أوروبا الاستعمارية كانت مصالحها فى تفتيت العالم الإسلامى حاضرة. 

خطة الدولة الصفوية 

يوضح "شريعتى" خطة الدولة الصفوية لصناعة دولة ساسية خاصة بها على حساب الدين فيقول: عملت الدولة الصفوية على توطيد علاقتها بالشعب الإيرانى، وجعلته يستعيد نزعته الاستقلالية الانفصالية عن الجسد الإسلامى الكبير، وجعلته بدلًا من الاستناد للإسلام الذى يجمعه كإيرانى مع التركى والعربى– أعداء الصفوية – جعلته يستند إلى تراثه القومى، وانتمائه العرقى الإيرانى ولقد كانت الدولة الصفوية على قدر من الذكاء جعلها تدرك لماذا فشلت الحركة الشعوبية الأولى فى تحقيق هذه الأهداف وترسيخ هذه الأفكار؟

السر الذى عرفه الصفويون

وأضاف "شريعتى" وصلت الدولة الصفوية للسر إنه الدين الذى حال بين الإيرانيين وبين انسلاخهم من جسد أمتهم رغم تأثير هذه الأفكار فيهم، إذن فداونى بالتى هى داء؛ إذن يجب عجن هذه الأفكار بالدين، وخلطها بعقائد الناس، وإيمانهم فتدينت الحركة الصفوية بتدين الإيرانيين، وتشيعت بتشيعهم؛ لتضفى على حركتها طابعًا روحيًا ساخنًا تضمن بها انتفاضة الناس، ومسحة قداسة دينية تخضعهم بها، فلا يناقشون أينما وجهوا ساروا وتوجهوا، ومن هنا كان مولد الحركة "الشعوبية الشيعية" التى غيرت التشيع العلوى الذى يقتدى بعلى كإمام فى الصبر على هضم حقه -كما يعتقدون- من أجل وحدة الأمة وعدم تفرقها فكان شعاره الأول والأهم هو والأئمة من بعده لا للفرقة وتفرقة الأمة، وإن كان ذلك على حسابهم.

يكشف شريعتى كيف فعل الصفويون خطة واستغلوا الدين وأين بدأوا فيقول: بدأوا من خلال استغلال العاطفة الدينية بإظهار التعصب والإخلاص الشديد للمذهب الشيعى، وفى عبارة أحد حكامهم "عباس شاه" الذى لقب نفسه بـ"كلب حضرة على" خير دليل على ذلك الاستغلال الذى مكنهم من التزوير، والتلفيق فحولوا الدين الإسلامى وشخصية "محمد" و"على" إلى مذهب عنصرى وشخصيات فاشية تؤمن بأفضلية التراب والدم الإيرانى والفارسى منه على وجه الخصوص وبالذات السلالة الساسانية من بين الفرس واختلقوا رواية مضحكة. 

نجح المخطط المدروس المبنى على إظهار عمررضى الله عنه"الذى قضى على الدولة الساسانية" بمنزلة العدو رقم واحد لعلى والمناوئ الأول للحلقة الأولى فى سلسلة أبى الأئمة من آل البيت لولا دفاع على ووقفته، وإظهار الخلافة بأنها تعادى الأمامة (الساسانية) منذ الأزل، وأن إيران لم تهزم، أو تغزى إنما جاء النبى إليها ليخطب بنت ملكها وتنجب الأئمة لتكون السلطة الساسانية هى الحاضرة من الخلف.

بهذه الطريقة تمكنت الصفوية من توظيف المشاعر الصادقة فى خدمة أهداف حركة شعوبية فرضت على إيران طوقا من القومية عزلها عن العالم الإسلامى، وأقامت بين الشعب الإيرانى المسلم وسائر شعوب الأمة الإسلامية جدارا أسود من الحقد والضغينة وسوء الظن بالآخر والتهمة والإفتراء والطعن واللعن والتحريف والتزييف والتفسيق والتكفير، وظل هذا الجدار يتعالى يوما بعد يوم بالجهود المريضة التى يبذلها بسخاء عملاء الاجهزة الدعائية الدينية التابعة لقصر الحكم الإيرانى إنها السياسة حين تستغل الدين فتنجح ويخسر الدين دائما. 

الفرق بين التشيع العلوى والصفوى 

تحت عنوان الأسس الاعتقادية للمذهبين يفرق الكاتب من الناحية الاعتقادية بين التشيع العلوى، والتشيع الصفوى، ومن خلال قراءة هذه الفروق التى وضعها ينتهى الكاتب لنتيجة مفادها أن ما هو موجود الآن ليس له أدنى صلة بالتشيع الحقيقى أو العلوى كما يسميه الكاتب. 

لخص الكاتب هذه الفروق بين المذهبين من خلال أعمدة التشيع المعتمدة والمشهورة داخل المذهب الشيعى وحددها فى 13 فكرة وأخذ يفرق بين عقيدة التشيع العلوى فى كل فكرة من هذه الأفكار والتشيع الصفوى ويبين كيف انحرف التشيع الصفوى بهذه الأفكار.

بدأ "شريعتى" بفكرة "العترة" إذ يرى شريعتى أن فكرة "العترة" فى نظر التشيع العلوى ليست في مقابل السنة ولا في مقابل القرآن، بل ولا في مرتبتهما وإنما هي طريق مباشر ومأمون للوصول إلى القرآن والسنة فقط . 

أما التشيع الصفوي فالعترة عنده هي أسرة، وهي وسيلة لتعطيل العمل بالقرآن وسنة النبي وتشويه الوجهة الحقيقى، للرسالة وإرساء قيم مبتدعة تقوم على أساس العنصر والدم والوراثة.


يرى "شريعتى" أن فكرة العصمة فى المذهب العلوى تعنى أن قائد الأمة ومن بيده أمور الناس والمجتمع والذى يتحمل أعباءهم الدينية يجب أن يكون بعيدًا كل البعد عن الفساد، والخيانة، والضعف، والخوف، والمداهنة على الحق. 

أما في التشيع الصفوي، فقد جعل العصمة حالة خاصة لدى الأئمة تمنعهم من ارتكاب الذنوب والمعاصي، وتساويهم بالأنبياء والرسل.

على هذا المنوال يستمر "شريعتى" فى التفرقة بين عقائد التشيع العلوى والتشيع الصفوى فيشرح معنى الوصية من قبل النبى بالأئمة فيثبته كما أثبتته الشيعة الأوائل، لكنه يرى أن التشيع الصفوي حول هذا المفهوم لنظام وراثي، وسلالات حكم تنتقل القيادة فيها من الأب إلى الابن ومن الأخ لأخيه ومن جيل إلى جيل يليه، وعلى ضوء هذا الفهم الخاطئ للوصاية، يقال إن الإمام الأول صار إمامًا أول لأنه ابن عم النبي وصهره وأول السلسلة، أما الإمام الثاني فصار إمامًا ثانيًا لأنه ابن للإمام الأول، والإمام الثالث صار إمامًا لأنه أخ الإمام الثاني ومن ثم استمرت الإمامة نسلًا بعد نسل.

يصل شريعتى فى نهاية رحلته من كتابه إلى أن هناك فرقا شاسعا بين "التشيع العلوى"، وبين "التشيع الصفوى" الذى حفربحارًا واسعة بين الشيعة وجموع المسلمين واقتطع الشيعة من جسد الأمة الإسلامية وعزلهم تمًامًا عنها وزرع العدواة بينها وبين هذه الأمة، لقد بذل حاول المؤلف جهدًا واضحًا فى تبييض وجه مذهبه وتقريبه من السنة فهل نجح فى ذلك؟

مات على شريعتى عام 1977م وكان مشعل الثورة الإيرانية ضد الشاه، ولكنه لم يحضروقائعها ولم يشهدها فهل ينسحب كلامه على ما هو قائم الآن؟ وهل تغيرالواقع الذى كان يصفه أم مازال كما هو وإنما تغيرت اللافتات فقط؟ اسئلة متروك أجوبتها لكل من يقرأ الواق ويستطيع الحكم عليه.