رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الجمعة 06/يوليه/2018 - 04:52 م

منتدى التكامل الإقليمي في بيروت: دعوة إلى السلام

منتدى التكامل الإقليمي
بقلم: قاسم قصير
aman-dostor.org/11822

تم بعد ظهر الخميس في 5تموز-يوليو إطلاق منتدى التكامل الإقليمي في مقر الإدارة المركزية في الجامعة اللبنانية بحضور حشد كبير من الشخصيات السياسية والاعلامية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحزبية والدبلوماسية والقيت كلمات لكل من الزميلة اليانا بدر وممثلة رئيس الجامعة اللبنانية الدكتور فؤاد ايوب والزميل سعد محيو والدكتور عبد الحسين شعبان وتم عرض فيلم عن مشروع المنتدى وجرى حوار مع الحضور ومن ثم اقيمت وقفة رمزية ضد الحروب في المنطقة والدعوة للتعاون والتكامل
واقيمت في مدينة روما في ايطاليا وقفة رمزية تضامنا مع إطلاق المنتدى وضد الحروب بدعوة من عدد من الجمعيات والهيئات

وقد دعا المنتدى إلى تحويل بيروت إلى منبر للحوار بين القوى الإقليمية المتصارعة، بهدف نقل إقليم المشرق من أتون النزاعات والحروب المدمرة، إلى رحاب السلام والتعاون والتكامل.

وخلال المؤتمر، حُدِّد أهداف هذا المنتدى، الذي هو الأول من نوعه في الشرق الأوسط من حيث شموله كل العناصر التاريخية المشكّلة للمنطقة، كالآتي:

أولا، ثمة فرصة حقيقية للمشرق المتوسطي (وهي تسمية تهدف إلى شمول منطقة المغرب الكبير الذي تطل كل دوله على السواحل المتوسطية) كي ينهض من جديد ككتلة حضارية- استراتيجية واحدة، بفعل بدء انحسار الهيمنة المُطلقة للغرب على النظام العالمي، وعودة تركيا وإيران إلى كنف الحضارة المشرقية ومطالبتهما بحصة في نظام إقليمي جديد للشرق الأوسط، وحلول النزعة الإقليمية في العالم مكان مفاهيم الدولة- الأمة بفعل العولمة والثورة التكنولوجية الرابعة.

ثانياً، هذه الفرصة قد تأتي وتذهب كما أتت، ما لم تستغلها شعوب ودول المنطقة، كي تعيد بناء الوحدة الجيو- ثقافية والجيو- استراتيجية للإقليم، من خلال الحوار والتعاون ووقف مسلسل الحروب والدمار.

ثالثا، انطلق المنتدى من خطاب الرئيس ميشال عون أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر 2017، والذي دعا فيه إلى "تحويل لبنان إلى واحة يمكن للعالم أن يلتقي فيها ويحاور"، وأعلن أن المشاورات التي أجراها مع أطراف إيرانية وتركية وكردية وعربية أكدت وجود موافقة جماعية على أن تكون بيروت عاصمة للحوار الإقليمي، كما بروكسل عاصمة للعمل الجماعي الأوروبي.

يذكر أن الشرق الأوسط بدأ يشهد في الآونة الأخيرة حركة ملفتة تقوم فيها هيئات مجتمع مدني (خاصة في لبنان وتونس والأردن والعراق وغيرها) بالدعوة إلى حوار وتعاون إقليميين. وعلى رغم أن مثل هذه الخطوات لاتحظى حتى الآن بتجاوب من بعض الدول العربية الخليجية، إلا أن مصادر منتدى التكامل الاقليمي قالت أنها "تتوقّع أن تتغيّر هذه الصورة في مراحل لاحقة، حين يتبيّن للجميع أن الحصيلة صفر ستكون هي نتيجة كل الحروب والصراعات الراهنة، والتي لن ينتج عنها سوى الدمار المشترك والشامل لكل الأطراف الإقليمية المنضوية فيها".

وقدّرت هذه المصادر كلفة هذه الحروب والصراعات بنحو 12 تريليون دولار خلال 20 سنة فقط، إضافة إلى ملايين القتلى والجرحى والمشردين واللاجئين.

وهذه كلمة عضو الهيئة التأسيسية للمنتدى الاستاذ سعد محيو خلال المؤتمر الصحفي:

أول ما يتبادر إلى الأذهان حين الحديث عن تكامل إقليمي بين الشعوب التاريخية الأربعة لإقليم المشرق المتوسطي، الأتراك والإيرانيون والأكراد والعرب، هي أن هذه مجرد أضغاث أحلام. وبما أن الحلم لا يأتي إلا إذا كنا نياما، فهذا يعني أن من يتحدث عن حلم التكامل في المنطقة لا بد أن يكون نائما.

لكن الصورة على غير هذا النحو. وهذا ليس تصديقاً لما قاله أحد الفلاسفة بأن "من يحلم يكون إلهاً، ومن يفكّر يكون متسوّلا"، بل لوجود مؤشرات موضوعية حقيقية تؤكد أنه تتوافر الآن لإقليم المشرق فرصة تاريخية هائلة كي ينهض من كبوته، ويستأنف دوره الكبير، بصفته مهد معظم الحضارات البشرية وكل أديانه السماوية.

بعض مؤشرات هذه الفرصة:

*أولا، بدء الانحسار الواضح للغرب عن قمرة الزعامة العالمية التي انفرد بها على مدى خمسة قرون منذ معاهدة وستفاليا 1648، بفعل التمزقات الضخمة التي تحدثها الآن العولمة النيوليبرالية والثورة التكنولوجية الرابعة(وعلى رأسها الاتمتة والذكاء الاصطناعي) في نسيج مجتمعاته. وهذا التراجع يترافق مع صعود العمالقة الاسيويين الثلاثة الصين والهند واليابان للمرة الأولى معاً في التاريخ، ما بدأ يرسم بالتدريج معالم نظام عالمي جديد متعدد الحضارات.

بالطبع، لن تعني هذه التطورات بأي حال غياب الغرب عن قمرة الزعامة العالمية، إلا أنه بات في حكم المؤكد أن الغرب لم يعد قادراً على أن يكون الثاني للا شيء، بل سيتعيّن عليه أن يقبل (سواء سلماً أو حربا أيضاً) نشوء نظام عالمي جديد مُتعدد الحضارات، بمشاركة الحضارات الشرقية القديمة.

العامل الثاني في هذه الفرصة، هو عودة تركيا وإيران إلى الاقليم بعد غربة فكرية- ثقافية مديدة دامت أكثر من 100 سنة، وبدء مطالبتها بالمشاركة في بناء نظام إقليمي جديد على رفاة نظام 1967 الإسرائيلي- الاميركي.

العامل الثالث، اكتساح مفهوم النزعة الاقليمية كل العالم ليحل مكان مفاهيم الدولة- الأمة، والسيادة والحدود القومية، وحتى مكان الامبرطوريات الامبريالية. وهذا عكس نفسه في الاقليم انهياراً أو ضعفاً لمفهوم الدولة- الأمة الذي استحدثه الغرب في الاقليم غداة الحرب العالمية الأولى، من سوريا والعراق واليمن إلى ليبيا والسودان، وحتى في تركيا وإيران بعد تهاوي منطق الدولة القومية الكمالية التغريبي ليس فقط فيهما بل أيضاً في كل انحاء العالم. وهنا كان صموئيل هانتيغتون محقاً، على الاقل في هذه النقطة، حين تحدث عن تهاوي الفلسفة الكمالية التغريبية في العالم النامي.

العامل الرابع، بوادر التراجع الفعلي للدور والنفوذ الاقليمي الإسرائيلي على وقع كلٍ من أزمة السلطة العالمية الغربية الذي نشأ الكيان الصهيوني في كنفها، واصطدام الاستراتيجية العسكرية الاسرائيلية بحاجز الصواريخ والمجتمعات المسلّحة حولها. وهذا يعني أنه لم يعد من السهل على إسرائيل تقويض أي جهد لإقامة نظام إقليمي مشرقي جديد، على الأقل بالسهولة التي كان عليها الأمر غداة حرب 1967.

علاوة على كل ذلك، هناك دوافع اسراتيجية واقتصادية دولية عديدة تدفع إلى توحّد الإقليم. فطيلة الخمسين عاماً المنصرمة، كانت تتوالى مشاريع التوحيد الاقليمية من كل الانواع، من المشاريع الاميركية والاسرائيلية في الشرق الأوسط الجديد، ثم الموسّع، ثم الكبير، إلى المبادرة المتوسطية والاتحاد المتوسطي الاوروبيين، إلى دعوة هنري كيسينجر مؤخراً لأميركا لفرض نظام إقليمي بالقوة على المنطقة (وهذا ربما يتجسد الان في "صفقة العصر" لكوشنر).

ماذا يعني كل ذلك؟.

إنه يعني شيئاً واحدا: إما أن تقيم الشعوب التاريخية الأربعة نظامها الاقليمي الخاص، المستند إلى تراكماتها الحضارية الخاصة ومصالحها الاقتصادية والثقافية الخاصة، عبر السلام والتعاون والتكامل بينها، أو يفرض عليها هذا النظام بالقوة من خلال التقسيم والتفتيت والتدمير والحروب الطائفية والمذهبية والجيو- سياسية الدائمة، التي كلّفت المنطقة ملايين القتلى والجرحى والمشردين واللاجئين، و12 تريليون دولار خلال 20عاماً فقط. ويمكن لنا أن نتخيّل في أي منطقة كان سيعيش أولادنا وأطفالنا، لو أن هذه الامكانات وظّفت في مجالات العلم والتكنولوجيا والتنمية الاقتصادية والرساميل الاجتماعية في إقليم المشرق.

لقد بدأنا نتلمّس مؤخراً بوادر، وإن خجولة حتى الآن، لمثل هذا التوجّه لدى أطراف المثلث الاستراتيجي التاريخي الثلاث، تركيا وإيران ومصر، نحو هذا المصير الإقليمي، بعد أن أدركت استحالة قدرة أي منها على الانفراد في إقامة نظام إقليمي. بيد أن هذا الخيار الأخير، دونه متطلبات في غاية الأهمية:

أولا، الخروج من أنانيات الدولة القومية السائدة الآن، واعتراف دول وشعوب المشرق المتوسطي بأن الصراعات بدل التعاون سيدمّرها معا، ويمهّد الطريق مجدداً امام استعمارها بعد تفتيتها وتقسيمها.

ثانيا، أن تعود إلى الجوهر الروحاني التوحيدي للأديان السماوية وحضاراتها السامية. وهذا يتطلب انموذجاً جديداً ووستفاليا روحانية جديدة، تستند إلى القيم المشرقية التي تحتفي بالتضامن الاجتماعي، والتعددية في إطار الوحدة، والتوازن بين المادة والروح، وبين الفرد والجماعة، وبين العلم والإيمان.

نحن في منتدى التكامل الإقليمي، الذي سنعلن عما قريب عن مجلسه الاستشاري الذي يضم نخبة رائعة من المفكرين والباحثين والمثقفين في الإقليم، علاوة على المؤتمرات والندوات والنشاطات التي ننوي القيام بها، نؤمن إيماناً عميقاً بأن المستقبل سيكون للنهوض التاريخي للمشرق ولانبعاث حضارته المشرقة مجددا. بيد أن السؤال الآن هو: هل سيتم ذلك بعد جلجلة عنف مرعبة(كما يحدث من أسف الآن) أم عبر العقل والحكمة والحوار والتسامح، والقيادة الجماعية لأي نظام إقليمي جديد؟

هنا يبرز دور بيروت، بما تمتلكه من تراث ثقافي وتشريعي تاريخي، وما تتمتع به من حريات، كمركز محايد مُقترح للحوار بين القوى الاقليمية، بحيث تكون بيروت للمشرق المتوسطي ماهي عليه بروكسل للقارة الأوروبية. وهذا دور يحظى، كما لاحظنا من اتصالاتنا مع كل الأطراف الإيرانية والتركية والكردية والعربية، بموافقة حماسية. هذا علاوة على أن لبنان الرسمي أعلن من أمام منبر الأمم المتحدة استعداده التام لممارسة هذا الدور. ففي أيلول/سبتمبر العام 2017 أشار الرئيس ميشال عون، خلال خطابه أمام الجمعية العامة، إلى الآتي:

"أولى أهداف منظمة الأمم المتحدة هو حل النزاعات سلمياً بين الدول ومنع الحروب، فهل تمكّنت من تحقيق هذا الهدف؟ لبنان، سواء بتنوّع شعبه وثقافته، أو بحضارته التي هي عصارة

حضارات متراكمة، يستطيع أن يكون واحةً يمكن للعالم أن يلتقي فيها ويتحاور. ونحن نرشّح لبنان ليكونَ مركزاً دائماً للحوار بين مختلفِ الحضارات والديانات والأعراق".

منتدى التكامل الاقليمي، وبفعل استقلالته التامة، السياسية والفكرية والمالية، عن كل محاور الصراعات في الإقليم، يمكن أن يكون، مع باقي المنتديات والهيئات الشقيقة في لبنان والاقليم، نقطة انطلاق نحو هدف تحويل بيروت إلى مركز للحوار الاقليمي. وهذا يفيد الإقليم، كما يفيد لبنان نفسه، لأنه ستكون له آثار إيجابية كبرى على طبيعة المفاهيم والممارسات السياسية اللبنانية.

____________

نعود إلى مسألة الحلم لنقول: أن تحلم وحدك، فهذا هو الحلم. اما حين نحلم جميعاً، فهذه بداية تحقق الحلم على أرض الواقع.

شكراً لكم