رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
قضايا
الخميس 09/نوفمبر/2017 - 11:17 م

إعادة قراءة أفكار «المعتزلة».. الحلقة الأولى

إعادة قراءة أفكار
aman-dostor.org/1129

لماذا من الضروري إحياء أفكار المعتزلة بين المسلمين الآن؟ هل واقعة جلسة «مرتكب الكبيرة» بين واصل بن عطاء والحسن البصري هي السبب الحقيقي لنشأة المعتزلة بالفعل؟! لماذا أسباب نشأة وظهور «المعتزلة» تحتاج مراجعة وقراءة جديدة؟ كيف نأخذ أفكار المعتزلة من خصومهم دون إعمال العقل في طريقة عرض هذه الأفكار؟ لا أستطيع أن أخفي إعجابي الشديد بفرقة المعتزلة، فأنا أعتبرها من أهم الفرق في تاريخ المسلمين، بغض النظر عن اختلافي مع كثير أو قليل من أفكارها، وإن جاز لي أن ألخص تقديري وإعجابي لتلك الفرقة فهو لانحيازها الواضح والقوي للعقل والحرية أكثر من أي فرقة أخرى في الإسلام، ولهذا بالتحديد نرى إعادة قراءة معالم الفكر الاعتزالي في هذه الأيام أمر بالغ الأهمية لكل من يتصورون الآن أن الإسلام محصوراً بين السنة والشيعة فقط، وليس هدفنا من هذه القراءة بالتأكيد زيادة المذاهب الحالية مذهباً جديداً، بقدر ما نهدف إلي محاولة إعادة الاعتبار لقيمة العقل والحرية في حياتنا، فنحن نُفضل أن يكون الإسلام بلا مذاهب رغم إيماننا الشديد بالتعدد والتنوع والاختلاف. لمن لا يعرف مسألة المذاهب والفرق في الإسلام، فالمذاهب في الإسلام نوعان؛ مذاهب في الفقه والتشريع كالمذهب الحنفي والملكي والشافعي والحنبلي، ومذاهب أخري في العقيدة كالأشاعرة والمعتزلة والمرجئة والخوارج والشيعة وغيرهم، ودائماً ما تُقدم فرقة «المعتزلة» باعتبارها فرقة من الفرق التي اهتمت بأمور «العقائد» أكثر من اهتمامها بأمور «الفقه»، وهو أمر متداول ومشهور بين المفكرين والباحثين والمهتمين بقضايا الفكر والمذاهب في تاريخ المسلمين، وهو في الحقيقة أمر يحتاج منا إعادة نظر عند قراءة أفكار المعتزلة وتمايزها عن غيرها من الفرق...، فقد تكونت المعتزلة من أول طبقة مثقفة بجدارة من المفكرين المسلمين، فهي من أول الفرق التي اهتمت بحركة الترجمة من الثقافات والحضارات الأخرى، وهي السبب الأول والحقيقي لظهور نشاط عقلي وحياة فكرية وثقافية بين المسلمين، بل هي المدرسة الوحيدة التي قدمت العقل والرأي علي النقل والنص، وهي المدرسة التي خرج من بينها أوائل الفلاسفة وعلماء الطبيعة في تاريخ المسلمين؛ أمثال الجاحظ والكندي والفارابي وابن الهيثم وابن سينا والرازي والخوارزمي والبيروني وابن رشد، فكل هؤلاء العلماء الذين نفخر بهم الآن في تاريخ المسلمين خرجوا من تحت عباءة المعتزلة، حتى أوائل الملحدين واللادينيين العرب أمثال ابن الراوندي والمعري وأبو حيان التوحيدي كانوا في الأصل معتزلة. وعلي الرغم من هذا كله، فللأسف لا توجد معلومات دقيقة تمثل أفكار «المعتزلة» وأسباب نشأتها ودواعي ظهورها بصورة كاملة ودقيقة!، فقد كانت هناك حملة منظمة من السلطة عبر التاريخ لتصفية كل المعتزلة والقضاء عليهم، فضلاً عن حرص خصومهم علي تشويههم وتقديمهم باعتبارهم مجموعة من الشياطين المنحرفين عن الإسلام حتى يُرهبوا الناس ويُبعدوهم عن اعتناق أفكار المعتزلة، حتى أغلب المعلومات التي تُقدم الآن باعتبارها خلاصة أفكار المعتزلة تأتي في الغالب من طريق خصومهم هؤلاء، فقد ظل تراث المعتزلة في طي الكتمان فترة طويلة من الزمن، حتى تم اكتشاف مجموعة من كتبهم مصادفة في اليمن عام 1951م علي يد بعثة مصرية في اليمن كانت تحت إشراف الدكتور طه حسين، حيث اكتشفت عديد من المجلدات من كتب القاضي «عبد الجبار الهمذاني»، بالإضافة إلي رسائل ومخطوطات وكتب أخري لغيره من مفكري المعتزلة، ويفسر ذلك أن «زيد بن علي» - إمام الشيعة الزيدية باليمين - كان صديقاُ أو تلميذاً لواصل بن عطاء، مؤسس المعتزلة، ومن يومها وهناك علاقة مشتركة بين المعتزلة والزيدية أدت تلك العلاقة إلي حرص الزيدية علي الحفاظ علي كتب وتراث المعتزلة الذي ظل غامضاً وضبابياً ومشوهاً ومشوشاً عند كل من يبحث عنه ويحصل عليه من بين سطور كتب الأشاعرة والحنايلة خصوم المعتزلة، حتى كُتب القاضي عبد الجبار التي تم اكتشافها في اليمن لا تمثل بدقة أفكار المعتزلة بشكل دقيق، فالرجل قد تنازل عن كثير من أفكارهم حتى يستطيع التعايش مع الخصوم. على هذا فإنه يوجد اضطراب كبير في الروايات التي تتحدث عن أسباب ظهور ونشأة المعتزلة شأنهم في ذلك شأن ما جاء عن نشأة كل الفرق الإسلامية الأخرى؛ فهناك من قال إن بداية ظهور المعتزلة كانت من اعتزالهم الفتنة الكبرى والحرب مع علي بن أبي طالب والحرب عليه، وهناك من قال إنهم كانوا جماعة من أتباع علي وابنه الحسن، وقد اعتزلوا في المساجد والبيوت للعلم والمعرفة بعد تنازل الحسن بالخلافة لمعاوية، وهناك من قال إنهم كانوا زهاداً صالحين اعتزلوا الدنيا طلباً للآخرة، وهناك من قال إنهم جماعة قالت بأن مرتكب الكبيرة يعد معتزلاً للمؤمنين والكافرين معاً، وهناك بالطبع القول التقليدي الذي يقدمه جميع أتباع المذاهب باعتبار كل منهم مذهبه هو الامتداد الطبيعي والوحيد للإسلام الممتد والمتصل بالنبي محمد مباشرة. لكن تظل القصة الأشهر التي يقدمها الجميع باعتبارها القصة الحقيقية لنشأة وظهور المعتزلة؛ ما جاء من دخول رجل - غير معلوم الاسم أو الصفة - إلي مجلس «الحسن البصري» يسأله عن مرتكب الكبيرة: «أمؤمن هو أم كافر؟» فقال الحسن: «هو منافق». وهو بالمناسبة قول يخالف به المذهب السني، وعند ذلك قال «واصل بن عطاء»: «أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً ولا كافر مطلقاً، بل هو في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر». ثم قام واعتزل واصلا مجلس الحسن، وتبعه صديقه «عمرو بن عبيد»، فقال الحسن: «اعْتَزَلَنا واصل». وهذا أشهر سبب في ظهورهم وتسميتهم بالمعتزلة، حيث اعتزال واصل بن عطاء لمجلس الحسن البصري، و«واصل بن عطاء» هذا لمن لا يعرفه، ولد في المدينة سنة 80هـ، وتوفي سنة 131هـ، وكنيته أبو حذيفة، وسُمي «الغزال»، وكان يعيب عليه خصومه طول عنقه!، كما كان أيضاً ألثغ في الراء، وكان يملك مهارة عجيبة في تجنب حرف الراء في كلامه وخطبه!، وهو من تلامذة أبي هاشم عبد الله بن محمد ابن الحنفية، ابن علي بن أبي طالب من زوجته الأخرى «الحنفية» التي تزوجها بعد وفاة فاطمة، والمشهور أيضاً أن واصل كان من تلامذة الحسن البصري، وله كتب عديدة لا وجود لها الآن، ومع ذلك تُقدم قصة اعتزاله لمجلس الحسن البصري هذه باعتبارها السبب الأول في ظهور ونشأة المعتزلة، ولعل «الذهبي» في «سير أعلام النبلاء» يقدم قراءة مختلفة قليلاً لهذا المشهد عن الجميع، بقوله عن واصل: «طرده الحسن عن مجلسه لما قال: الفاسق لا مؤمن ولا كافر». فإذا كان واصلا قد اعتزل مجلس الحسن البصري بإرادته في الروايات الشهيرة، فالذهبي يتحامل عليه ويدعي أن الحسن البصري هو من طرده، وهناك رواية أخري تقول إن هذا المشهد كان لعمرو بن عبيد وليس لواصل!، وهي كلها قراءات آتية من خصوم المعتزلة لا من المعتزلة أنفسهم، فالمعتزلة يطلقون علي أنفسهم اسم «أهل العدل والتوحيد»، وفي نفس الوقت لا يرفضون اسم المعتزلة، باعتباره صفة حقيقة لأفكارهم ومواقفهم من خصومهم، وباعتباره أيضاً قد جاء في القرآن كتوصيف يشير إلي موقف النبي إبراهيم من خصومه كما عبرت آية: «وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ». فهذا الاسم والصفة لا يستنكرها المعتزلة كما يستنكرون أسماء وصفات أخرى لهم، فبجوار اسم المعتزلة يُطلق خصومهم عليهم أيضاً اسم القدرية والعدلية والجهمية والوعيدية والمعطلة، وهي في الحقيقة أسماء لفرق أخرى تتفق مع المعتزلة في بعض التفاصيل فقط. وتظل الحقيقة التي يهرب منها الجميع هي أن جميع المذاهب والفرق الإسلامية ما هي إلا وليدة وصناعة الظروف السياسية والاجتماعية التي أنتجت قراءات دينية مختلفة للأحداث حتى تكوّنت عند كل فرقة الأصول والقواعد التي تمايزت بها عن غيرها وصنعت بذلك مذهباً خاصاً بها، ولذلك نحن لا نميل إلي اعتماد كل هذه الأسباب السابقة لفهم سبب نشأة وظهور المعتزلة، فمن الصعب أن تكون نشأتهم ناتجة عن حادث فردى وحيد، حتى إن كان هذا الحادث معبر عن فكرة من أفكارهم الحقيقية بالفعل كفكرة «المنزلة بين المنزلتين»، ونحن أكثر ميلاً إلي أن هناك أبعاداً سياسية عديدة أدت إلي ظهور المعتزلة وتشكيل أفكارهم، وهي أبعاد سبقت جلسة الحسن البصري هذه بكثير، فالمعتزلة منهم مَن ينكر واقعة اعتزالهم للحسن من الأصل!، بل ويعتبرون الحسن إلي الآن واحداً منهم، وفي مرتبة علمية أعلي من مرتبة واصل نفسه!، وحتى إن سلمنا بحدوث واقعة جلسة الحسن هذه، فهو تسليم من باب أنها المناسبة التي استقل فيها واصل وبدأ من خلالها تكوين المعتزلة، لكن هذا لا يمنع من وجود أسباب وأبعاد سياسية أخرى سابقة علي هذا المشهد تستحق منا التأمل في المقال المقبل.