رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
وجهات نظر
الأربعاء 13/يونيو/2018 - 01:03 م

الباحث المغربي منتصر حمادة يكتب: التباين "الجهادي" في توظيف الثورة الرقمية

الباحث المغربي منتصر
منتصر حمادة
aman-dostor.org/11283

نحن نعيش في حقبة يمكن الاصطلاح عليها بـ"زمن الثورة الرقمية [révolution numérique]، ومعلوم أن الحديث عن الثورة الرقمية وثورة الاتصالات يندرج إجمالاً في سياق الحديث عما اصطلح عليه بالجيل الثالث من الثورات المعرفية الكبرى التي عرفتها البشرية: الثورة الزراعية، الثورة الصناعية، ثم الثورة المعرفية التي نعيش في ذروتها اليوم، مع الثورة الرقمية ضمن ثورات أخرى مُصاحِبة، كما يُحيلنا على مفهوم "القوة الإلكترونية"، ويُفيد، حسب جوزيف ناي، "القدرة على الحصول على النتائج المرجوة من خلال استخدام مصادر المعلومات المرتبطة بالفضاء الإلكتروني، أي القدرة على استخدام الفضاء الإلكتروني لخلق مزايا، والتأثير في الأحداث المتعلقة بالبيئات الواقعية الأخرى وذلك عبر أدوات إلكترونية" .

ومعلوم كذلك أن الفضاء الإلكتروني يتميز بعدة خصائص مادية وزمنية وأداتية تجعله ساحة للتوظيف والتأثير في مشاريع المعني بالتوظيف والتأثير، فقد ساهمت "مواقع التواصل الاجتماعي في تكسير قواعد الصناعة في كل مجالات الحياة، وأحدثت طفرة في هذا المجال وليس ثورة وحسب، مخلخلة مجموعة من القواعد [البديهيات] ومن يُدرك هذه القواعد سيتغلب"،  ولذلك هناك من يرى أن "التحولات الشاملة للثقافة والأخبار في عصر الإنتاج الرقمي، ليس فقط تحولاً ثقافياً كبيراً ولكنها تحولات حضارية" .

لقد صدرت العديد من المؤلفات والدراسات حول الظاهرة الإسلامية الحركية بشكل عام، ولكننا لا زلنا نعاين تواضعاً في كم ونوع الأعمال التي اشتغلت على تفاعل الظاهرة الإسلامية الحركية مع "الثورة الرقمية"، وكان علينا انتظار أحداث الحراك في المنطقة، حتى نعاين صدور بعض المقالات أو الدراسات التي تتطرق للموضوع، وبيان ذلك أن المادة الخام للاشتغال على ملف تدبير الحركات الإسلامية لثورة الاتصالات والثورة الرقمية موجودة، بما في ذلك المادة المرتبطة بحقبة ما بعد اندلاع أحداث "الحراك"، وواضح أن التفاعلات التي صاحبت الحراك في شمال إفريقيا على الخصوص والخليج العربي، منذ مطلع يناير 2011، أكدت على أهمية رهان الفاعلين الإسلاميين وتوظيفهم لعامِل الفضائيات والعالَم الرقمي (مواقع شبكة الإنترنت، مواقع التواصل الاجتماعي)، في "نُصْرة" هذا الحراك وصرف النظر عن حراك آخر، في إطار صراعات وتدافعات بين صناع قرار أمني وسياسي وبالتالي استراتيجي، يهم الساحة العربية؛ كما أن أهمية التوقف عند هذا الفارق الجوهري والمفصلي، تكمن في تسليط الضوء على تفاعل الفاعل الإسلامي الحركي مع إحدى أهم أدوار الإعلام، والتي لا يمكن اختزالها فقط في الأدوار المتداولة لدى المتلقي، من قبيل الإخبار، التثقيف، التربية، التحليل، نقل المعلومة، التضليل، الدعاية ، التربية، التأثير، التواصل.. ولكن، كما خَلُصَ إلى ذلك أحد خبراء التواصل الرقمي، تكمن أيضاً في "التحكم السيطرة" ، والاستقطاب، وهذه ميزة ارتبطت بالعديد من الحالات "الجهادية"، العربية والغربية (الأوروبية على الخصوص)، التي ذهبت إلى مقام شد الرحال نحو الديار السورية والعراقية من أجل القتال إلى جانب تنظيم "داعش"، بخلاف ما جرى مع الحالة "الجهادية" في الجزائر، التي لم تكن حينها الثورة الرقمية في الفورة التي تمر منها اليوم؛ كما ذهبت حالات الاستقطاب هذه، إلى مقام تورط فاعلين شباب ومراهقين أوروبيين، في اعتداءات داخل الفضاء الأوروبي، كما جرى في أكثر من محطة خلال السنتين الأخيرتين (2015 و2016)، وهي التطورات التي صاحبتها عدة تفاعلات بحثية بله إعلامية بوتيرة أكبر بكثير مقارنة مع التفاعلات البحثية والإعلامية مع الظاهرة "الجهادية" في الجزائر، إلى أن درجة أن وتيرة حضور سؤال "الدين"، "العنف"، "الإسلام"، "التطرف"، "الجهاد" في أبزر المجلات الفكرية الفرنسية مثلاً ، كانت جلية وصريحة مقارنة أولاً مع مرحلة ما قبل ظهور الحالة "الداعشية"، ومن باب أولى، أكثر في حقبة "الجهادية" الجزائرية.

تطرف الشباب المسلم في بعض دول القارة الأوروبية، بشكل أكبر بكثير مقارنة حالات التطرف الإسلامي في حقبة "الجماعة الإسلامية المسلحة" في الجزائر، كان مناسبة بحثية فريدة لكي نعاين صدور العديد من الأعمال النوعية لأسماء غربية وعربية، متخصصة في الموضوع، مقابل صدور أعمال متهافتة، طغت عليها ثقافة "العناوين الكبيرة المصاحبة للمضامين المتواضعة"، بسبب غَلَبة العقلية التجارية، أو لأنها مُحرريها ينهلون وينتصرون لنموذج تفسيري اختزالي، أو أخيراً، لأنهم ينتمون إلى مرجعيات عنصرية.نقول هذا أخذاً بعين الاعتبار مضامين أعمال أوليفيه روا وميشيل أونفريه ودونية بوزار  وإيمانويل طود  وكريم باوز  وغيرهم من الأسماء التي انخرطت بشكل بحثي رصين في متابعة الظاهرة "الجهادية" في شقها الأوروبي، وخاصة الفرنسية، حيث تقيم أكبر جالية مسلمة في القارة العجوز، بنسبة تناهز ستة ملايين مسلم.