رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
ads
قراءات
الأربعاء 16/مايو/2018 - 12:03 م

في مذكرات «الأمن والسياسة».. اللواء أبوباشا يُجيب: كيف نواجه الإرهاب؟ (5)

أبو باشا
أبو باشا
أحمد الشوربجى
aman-dostor.org/10618

تحمل جعبة اللواء "حسن أبو باشا"، الكثير من الأسرار لقربه الشديد من مناطق صنع القرار في مصر في فترة من أكثر فترات البلاد حساسية وزخما في الأحداث، حيث تخرج الرجل في كلية الشرطة عام 1945م، وتدرج فى مناصب جهاز أمن الدولة حتى عين نائبًا للمدير فى مايو سنة 1971م، ثم مديرًا للجهاز عام 1975م، ثم وزيرًا للداخلية سنة 1982م، حتى عام 1984م، ثم وزيرا للحكم المحلى حتى عام 1986.

كل هذه المعطيات تجعل "مذكرات في الأمن والسياسة"، العنوان الذي اختاره أبو باشا لمذكراته شيئًا يستحق القراءة والوقوف أمامها لكل من أراد أن يعرف حقائق الماضى ويقرأ المستقبل.

تحدث أبو باشا عن خطأ الأنظمة المتعاقبة فى توظيف الإخوان تحديدًا وما سمى بالتيار الإسلامى بصفة عامة من قبل الأنظمة المتعاقبة، بدءًا من النظام الملكى مرورًا بثورة يوليو "محمد نجيب"، و"جمال عبد الناصر"، ثم جاء الرئيس "السادات"، وفيه لم يقتصر الأمرعلى الإخوان، وإنما تعداه إلى إخراج مارد ما سمى بالتيار الإسلامى وصناعته على عين السلطة الساداتية وتحت رعايتها، وانتهت هذه التجربة بكارثة اغتيال الرئيس "السادات" ونجاة البلاد من محاولة انقلاب كان مخطط لها أن تتم لولا عناية الله تعالى وحفظه لهذه البلاد.

فى هذا الجزء يكشف اللواء "أبو باشا" وجهًا جديدًا من الإستخدام لهذا التيار يتم هذه المرة بواسطة أحزاب المعارضة، ثم يتطرق بحديثه ليضع من خلال تجربته الطويبلة مع هذا التيار روشتة العلاج من الاساس التى يرها هو لهذه الظاهرة.

رؤية اللواء أبوشا للتعذيب فى مصر
أفرد اللواء "أبوباشا" جزء كبير من مذكراته فى شرح تفاصيل مؤامرة اكتوبر لسنة 1981م، والتى انتهت باغتيال الرئيس "السادات" رحمه الله، ولكننا سنقفز على هذه التفاصيل ونكتفى منها بأخذ هذه الجزئية المتعلقة بدعاوى التعذيب من قبل المتهمين فى قضية اغتيال الرئيس "السادات" اثناء محاكمتهم، حيث أدعى عدد من هؤلاء المجرمين أن ضباط أمن الدولة قاموا بتعذيبهم وانتزعوا اعترافاتهم بشأن الأحداث تحت التعذيب والأكراه.

حققت النيابة العامة بناء على أمر وجه إليها من المحكمة فى هذه الشكاوى، وانتهت بإحالة 44 ضابط إلى محكمة الجنايات لمحاكمتهم عما نسب إليهم من وقائع التعذيب للمتهمين، وكان هذا الإدعاء مع ظروف اخرى سببًا فى تخفيف الأحكام من قبل المحكمة على بعض المتهمين رغم اعترافاتهم الواضحة، لتبقى رؤس الإرهاب تنفث سمها فى أجواء البلاد المفاجأة أن المحكمة التى احيل إليها هؤلاء الضباط خلصت فى اخر أمرها إلى الحكم ببراءة جميع الضباط من التهم التى نسبت إليهم بعد أن تأكدت أن عددًا من هؤلاء المتهمين هم من افتعلوا هذه الإصابات لتكون سببا فى تخفيف الأحكام عليهم وهو ما حدث بالفعل كما ثبت أن عددًا اخر اصيب اثناء مقاومه اثناء القبض عليه.

فى هذا الصدد ينقل اللواء "أبوباشا" كلمة يرها مهمة من كتاب "معالم الاسلام" للمستشار "محمد سعيد عشماوى" ويقدم لها بقوله: إن إيراد مثل هذا الكلام ليس بقصد تبرير التعذيب، فالوصول إلى الحقيقة له اساليبه العلمية، والقانونية، والفنية التى تغنى عن أى اساليب اخرى، ولكنه يرى أن كلمات المستشار "سعيد عشاوى" مهمة خاصة وأنها صادرة من قبل رجل من رجالات القضاء إذ يقول: التعذيب والإرهاب وجهان لعلمة واحدة وإذا كان التعذيب إرهابًا لفرد أو لعصبة، فإن الإرهاب هو تعذيب لامة باسرها، إن التعذيب فى أى طرف أمر مرفوض وممجوج، والإرهاب تحت أى مسمى أمر مرفوض وممجوج كذلك، غير أن الذى يحدث فى مصر عادة ألا تؤخذ المسائل غالبًا من وجهة نظر متاكاملة تربط النتائج بالاسباب وتحكم على رد الفعل بعد ربطه بالفعل الذى اثاره، ونتيجة لترسبات الماضى حين كانت السلطة الحكومية اداة فى يد المستعمرين فلقد صار من المعتاد أن ينظر الى مجرد الادعاء بالتعذيب بعيدًا عمن استثاره ومجردًا عن كل ظروفه واعتباره ظاهرة عامة محققة حتى من قبل صدرو حكم قضائى.

خطة مبارك لاستقرار مصر
بدأ الرئيس الأسبق مبارك حكمه بعد مرحلة لم تمر على البلاد من قبل، ومن ثم فقد كان يحمل على كتفه مسئولية نقل البلاد إلى الاستقرار الدستورى الكامل والمستمر بعد مرحلة الرئيس "السادات" التى تخللها كثير من العقبات، والتى انتهت بقرارات سبتمبر، ثم دخول البلاد فى مرحلة حرجة بعد اغتيال الرئيس "السادات"، وما صحبه من محاولة الإنقلاب الفاشلة، وكان الرئيس مبارك يرى أن السبيل للوصول لهذا الاستقرار لايقوم على إلا بترسيخ الشرعية الدستورية وهذا يلزمه استقارا داخلى ثم بناء ديمقراطى.

أجرى "مبارك" مصالحة مع القوى السياسية المختلفة بدأت بالافراج عنهم واستقبالهم فى قصر العروبة استقبالا أزال من النفوس ما علق بها من شوائب الفترة الماضية وبعث روح جديدة من التفائل، ثم شكل أول وزارة برئاسة الدكتور "فؤاد محى الدين" ضمت كثيرًا من الوجوه الجديدة، وهى الوازرة التى دخل فيها اللواء "أبوباشا" إلى ساحة العمل السياسى لأول مرة باختياره فيها وزيرًا للداخلية.


وضع مبارك، أربع خطوات لتحقيق هذا الأستقرار ممثلة فى، حرية مطلقة للصحافة الحزبية والقومية، ثم حرية كاملة للأحزاب فى حركتها السياسية فلا قيود، ولا عوائق أمام أى حزب فى حركته بين الجماهير، دعم قنوات الاتصال بين القيادات الحزبية والمستقلة وبين السلطات المسئولة ليكون الحوار اساس التفاهم فيما ينشأ من مشكلات، أو خلافات فى وجهات النظر.

غلق باب لعبة التوازنات مع التيار الإسلامى
يواصل اللواء "أبوباشا" كشف أسس الاستقرار وإعادة الشرعية الدستورية للبلاد فيأتى لأهم هذه الأسس، وهو ما اسماه غلق الباب أمام لعبة التوازنات السياسية، تلك اللعبة التى كانت تمثل ظاهرة غير صحية فى مراحل سابقة، والتى كان محصلتها فى جميع الأوقات تعثر الحركة السياسية.

بدأ المسرح السياسى نتيجة لهذه السياسة يخلو من تلك الظاهرة التى بدأت قبل ثورة يوليو، وامتدت إلى قرب نهاية السبعينات، فاختفى من المسرح السياسى الشرعى أى دور سياسى للتيار الدينى بأكمله.

أحزاب المعارضة تستخدم الإخوان أيضًا
ظل وضع التيارات الدينية هكذا خارج إطار الشرعية وخارج اطار لعبة التوازنات السياسية حتى كانت المفاجأة اللافتة للنظر حينما سعت الأحزاب الموجودة آنذاك على الساحة السياسية بعمل ما يسمى بـ" لجنة الدفاع عن الديمقراطية" وضمت إليها ممثلين عن جماعة الإخوان المسلمين ثم ممثلين عن الماركسيين، وكان متناقضًا حقًا أن تجمع هذه اللجنة أقصى اليمين مع أقصى اليسار فى موقف واحد تحت دعوى الدفاع عن الديمقراطبية، وكان متناقضًا أكثر أن تتجاهل القوى السياسية الشرعية أحد الاعتبارات الأسياسية للمضمون الديمقراطى نفسه الذى يقوم أحد دعائمه الرئيسة على الشرعية فتتحالف مع قوى ليس لها وجود شرعى على الساحة السياسية فى تجمع واحد خاصة.

لم يكن هناك أى مبرر لهذه الخطوة من جانب الأحزاب فليس هناك أى بوادر لأى أزمة سياسية، ولم يشك أى حزب من أى عقبة وضعت أمامه.

قرر اللواء أبو باشا أن يفعل سياسة الحوار وأن يناقش القوى السياسية حول دخول الإخوان لهذه اللجنة، وبدأ حواره مع رئيس حزب الوفد "فؤاد سراج الدين"، وهو ما أدى إلى انسحاب حزب الوفد من المشاركة، ثم لحق به حزب الأحرار وكانت هذه الانسحابات سببًا فى انهيار هذه اللجنة المزعومة.

حزب الوفد أول من أدخل أعضاء الجماعة البرلمان
أجريت انتخابات 1984م والتى شهد لها الكثيرون بالنزاهة والحيدة الكاملة وكانت نسبة الحضور فيها 43.3% وفاز فيها الحزب الوطنى بنسبة تقترب من 73% وكانت مفاجأة هذه الانتخابات، عندما قرر حزب الوفد التحالف مع جماعة الإخوان المسلمين ليكون حزب الوفد هو من أعاد جماعة الإخوان للعبة التوازنات السياسية مرة آخرى، متناسيًا تاريخه الطويل وصراعه مع هذه الجماعة فى الفترة الملكية، وما بعدها حينما شجعت الجماعة ضباط الثورة فى حل الأحزاب ودفعت لهذا نكاية فى حزب الوفد صاحب الأغلبية الأولى فى مصر ليكون بذلك حزب الوفد متناقضًا، وهو يؤكد حفاظه على الدستور والشرعية الدستورية، وعلى سلامة الممارسة الديمقراطية ثم يتحالف فى نفس الوقت مع جماعة الإخوان التى ليس لها وجود شرعى ويفتح لها الباب ليتحقق لها الوجود البرلمانى لأول مرة لها فى التاريخ ومن عجائب القدر أن يكون هذا الوجود على يد وبواسطة العدو التاريخى للجماعة.

فتح حزب الوفد هذا الباب الواسع لجماعة الإخوان المسلمين لستمر اللعبة التى عانت منها مصر كثيرًا هذه اللعبة التى أعاقت مسيرة الديمقراطية وأثرت على المناخ الأمنى والسياسى العام.

حزب العمل يندمج مع الإخوان
ثم يأتي حزب العمل ليحول هذا التحالف الذى كان بين جماعة الإخوان، وحزب الوفد إلى اندماج كامل مع الجماعة فى انتخابات 1987م ليفوق عدد أعضاء الإخوان فى البرلمان عدد أعضاء حزب الوفد؛ إذ وصل عدد أعضاء الإخوان إلى 39 عضو بينما كان عدد أعضاء حزب الوفد فى هذه الإنتخابات 22 عضو فقط حتى حزب العمل المندمج مع الجماعة لم يفز في هذه الانتخابات سوى 17 عضوًا من أعضائه الأصليين.

فهل تقف الأحزاب المصرية ضد الأراهاب أم معه هذا ما قاله الكاتب الكبير "خالد محمد خالد" فى مقاله الأسبوعى بجريد الوفد الصادرة يوم 28 ابريل غام 1988م حيث يقسم بالله قائلًا: "أقسم بالله أننى حتى اليوم لم اتبين تماما هل المعارضة مع الإرهاب أم ضده، أما الكاتب الكبير صلاح الدين حافظ فيتسائل لماذا تفعل الأحزاب ذلك؟ هل بسبب أنها عاجزة عن العمل السياسى ومنفصلة تماما عن الجماهير بحيث لا تملك الا توكيل المحامكين لكسب قضاياها فى المحكمة بدلا من كسبها فى الشارع".

كيف نواجه الإرهاب؟
كيف نواجه الإرهاب؟، عنوان مهم وضعه اللواء "أبو باشا" فى مذكراته لكنه لم يسهب كثيرًا فى الإجابة على هذا التسائل إذ اكتفى بعرض تجربتة التى قام بها اثناء قيادته لوزارة الداخلية، والتى وصفها بأنها التجربة الأولى، والتى لم يسبقه إليها أحد فى مصر وهى تجربة الحوار مع هذه الجماعات ليس بهدف التفاوض، ولا مساومة هذه الجماعات، والكيانات، وإنما كان يهدف للوصول إلى الجذور الحقيقة لهذه الأفكار ومدى اتفاقها مع الشرع من عدمه.

يقرر اللواء "أبوباشا" أنها كانت مجرد بداية فى الاتجاه الصحيح ولا يصح أبدًا أن نكتفى بها فقد كان الغرض منها هو استكشاف هذا الفكر ومواجهته بالمناقشه.

يضع اللواء "أبوباشا" المسئولية على الجميع فى اطار المكافحة الفكرية لهذه التيارات كما ناقش وأكد على ضرورة توضيح مسألة تطبيق الشريعة وهى المسألة التى يجب تجليتها وتوضيحها ومناقشتها فهى المسألة التى تنطلق منها كل هذه الجماعات وتنتهى إليها.

كان اللواء "أبوباشا" هو أول من أدار الحوار مع هذه الجماعات وأخرجهم من السجون ليأتيه ردهم الواضح على هذه الحوارات ويقرروا مكافأته على خروجهم بعد أن خرج من الوزارة وانتهت علاقته بالسياسة وفى مساء يوم 5 مايو لعام 1987م، واثناء عودته من وليمة افطار رمضانية عند السيدة كريمته أمطرته مجموعة غادرة بموجة عاتية من الرصاصات القاتلة ليعود بعدها اللواء "أبوباشا" للحياة من ثقب إبرة كما قال الطيب الألمانى الذى وصل كثيرًا لليأس من علاج هذه أثناء رحلة العلاج الطويلة فلما عاد اللواء "أبوباشا" واستقرت حياته قال: إن "حسن أبو باشا" عاد للحياة من ثقب إبرة وحينما عاد اللواء "أبوباشا" قال: كنت أتصور أن أكون آخر من يفكر أمثال هؤلاء فى اغتيالى.

اقرأ أيضًا: