رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
ads
قراءات
الثلاثاء 15/مايو/2018 - 11:47 ص

فى مذكرات الأمن والسياسة.."أبوباشا" توظيف الجماعات الإسلامية سياسياً.. الخطر والخطأ المكرر(4)

فى مذكرات الأمن والسياسة..أبوباشا
أحمد الشوربجى
aman-dostor.org/10594


تحمل جعبة اللواء "حسن أبو باشا" الكثير من الأسرار لقربه الشديد من مناطق صنع القرار في مصر في فترة من أكثر فترات البلاد حساسية وزخما في الأحداث، حيث تخرج الرجل في كلية الشرطة عام 1945م، وتدرج فى مناصب جهاز أمن الدولة حتى عين نائبًا للمدير فى مايو سنة 1971م، ثم مديرًا للجهاز عام 1975م، ثم وزيرًا للداخلية سنة 1982م، حتى عام 1984م، ثم وزيرا للحكم المحلى حتى عام 1986م.


كل هذه المعطيات تجعل "مذكرات في الأمن والسياسة" العنوان الذي اختاره أبو باشا لمذكراته شيئًا يستحق القراءة والوقوف أمامها لكل من أراد أن يعرف حقائق الماضى ويقرأ المستقبل. 

وفى معرض حديثه عن أحداث المنصة التى راح ضحيتها الرئيس السادات عام 1981م راح اللواء "أبوباشا" يؤصل لهذا الحادث بحديث طويل عن جذوره وعن الظروف التى أدت إليه وكيف أن الدولة لعبت على إحداث توازنات سياسية مع الماركسيين فأخرجت الإسلاميين فكانت النتيجة أن يغتال الرئيس بأيدى من رباهم صغارً، كل هذا  يواصل اللواء "أبوباشا" كشفه لنا. 

السادات يكرر اللعبة مرة أخرى 

بعد تولى الرئيس "السادات" مقاليد الحكم عام 1970م حدث تحول هام وتاريخى فى موقف نظام الحكم من التيار الدينى؛ إذ يكاد التاريخ يعيد نفسه، فكما حدث فى بداية ثورة يوليو عندما دعت اعتبارات التوازن السياسى الثورة إلى الالتقاء المرحلى بين الثورة، وجماعة الإخوان لكى تكون سندا شعبيًا لها فى أولى مراحلها، تصور الرئيس السادات أنه يمكن أن يلعب نفس اللعبة التى لم تكن آمنة أبدًا مرة أخرى واقعًا تحت تأثير ذلك الوهم فى لعبة التوازنات السياسية.

تلك اللعبة التى يلجأ الحاكم فيها إلى ضرب قوى سياسية بقوى أخرى تختلف معها فى الفكر والمنهج تصورًا منه بأن ذلك يمكن أن يؤدى إلى نوع من التوازن السياسى ويحقق له الاستقرار السياسى العام.

كيف تشكلت الجماعة الإسلامية؟

كانت الخطوة الأولى التى اتخذها "السادات" بعد صدامه مع مراكز القوى هى إعطاؤه الضوء الأخضر لتشكيل ما يسمى بالجماعات الإسلامية فى الجامعات للدرجة التى كان يتصل علينا "محمد عثمان إسماعيل" أمين الاتحاد الاشتراكى طالبًا أن نجهز عربات الإسعاف غدًا مثلا لأن الإسلاميين سوف يقومون بضرب الماركسيين فى الجامعة.

فعل الرئيس "السادات" ذلك ليحقق له هذا التيار التوازن مع التيار الماركسى المزعج سياسيًا والذى وقف ضد نظامه منذ اللحظة الأولى وكاد أن يقود الأمور إلى مايشبه الثورة عليه عام 1977م فيما عرف بانتفاضة الحرامية. 

لكن اللواء "أبوباشا" لم يذكر لنا معنى إعطاء السادات الضوء الأخضر لتشكيل ما يسمى بالجماعات الإسلامية وكأن الرجل لا يريد التفاصيل فبدا الأمر أن حلقة مفقودة لا تجعلنا نرى المشهدة جيدًا.. ولا أدرى لماذا فعل الرجل ذلك؟
هذا الأمر جعلنا نحاول أن نكمل الصورة من أطراف أخرى ونبدأ من هذا الرجل المفتاح، الرجل الذى ذكره اللواء "أبو باشا" "محمد عثمان اسماعيل" رجل "السادات" القوى فى الاتحاد الإشتراكى ومستشاره المقرب منه والمسئول والمشرف الفعلى على نشأة هذه الجماعات وهو يحكى لنا ذلك فى مذكراته التى جاءت بعنوان "محمد عثمان إسماعيل يتذكر: الرجل الذى كلفه السادات بتكوين الجماعات الإسلامية"، وهو عنوان واضح، ومعبر عن الحقيقة تماما.

فى هذه المذكرات يقول محمد عثمان إسماعيل: فى بداية عام 1972م ازداد نشاط الشيوعيين وخاصة فى الجامعات وعلى الأسر الجامعية وكان أبرز نشاطه فى مجلات الحائط نشروها فى كل مكان فى الجامعات وكانت تحتوى ليس فقط على نقد للرئيس السادات بل على ألفاظ بذيئة وصور كاريكاتورية ضد الرئيس بشخصه فضلًا عن نظامه، وفى أحد اللقاءات التى جمعتنى بالرئيس السادات سألنى الرئيس هل تعرف ما يحدث فى الجامعة؟ قلت: أعرف ياريس، فعاد ليسألنى: وأين دور التنظيم السياسى؟ - يقصد الاتحاد الاشتراكى- فأجبته وهل سيادتك متصور أن هناك تنظيمًا سياسيًا؟ أعضاء الاتحاد الاشتراكى يا ريس أناس لا عقيدة لهم، فقال: ماذا تقصد بالعقيدة؟ قلت له: يا سيادة الرئيس هذه تنظيمات يدخلها الداخلون لمجرد أن يكونوا قريبين من السلطة للاستفادة منها لكن فى قرارة أنفسهم لا يؤمنون بعقيدة سياسية ما، وأضفت أذكر يا ريس عندما كنت طالبًا بجامعة فؤاد الأول وكانت كل الأحزاب ممثلة بين الطلبة ولها زعامات وكذلك كانت جماعة الإخوان لكن أعضاء هذه الجماعة يختلفون فلكونهم يؤمنون بعقيدة كان يكفى أن يقف واحد منهم ويقول بصوت عال "الله أكبر ولله الحمد" وفى ثانية واحدة تجد حوله الآلاف وكأن الأرض انشقت وأخرجتهم من بطنها بينما يختفى فى نفس اللحظة وجود الأحزاب الأخرى. 

وما أن قلت ذلك للرئيس حتى سألنى بذكائه المعهود: ماذا تقصد؟ قلت له: فى الحقيقة يا ريس أقصد عودة جماعة الإخوان المسلمين؛ فذلك من مصلحتك ومصلحة النظام لأنه لا أحد يستطيع أن يتصدى لهذا الكلام إلا أناس عندهم عقيده، فأطرق الرجل يفكر قليلًا ثم فوجئت به يقول: وأنا موافق بس بشروط، سألته: ما هذه الشروط؟ قال: أن يعودوا بمسى آخر غير مسمى الإخوان المسلمين، وألا يكون من بينهم أحد من أعضاء التنظيم السرى، فقلت: يعنى أتكلم معاهم يا ريس، قال: آه اتكلم. 

يقول "محمد عثمان إسماعيل": ولا أخفى أننى سعدت بموافقة الرئيس لكننى كنت دائما ولا زلت أومن بأنه لا صلاح للأمة إلا بالإسلام تطبيقًا ومنهجًا.

اتصل "محمد عثمان إسماعيل" بـ"عمرالتلمسانى" مرشد جماعة الإخوان المسلمين فى ذلك الوقت، وحضر التلمسانى فى بيت "محمد عثمان إسماعيل" وعرض عليه الأمر لكن التلمسانى اعترض على تغيير الاسم.

يقول "محمد عثمان إسماعيل": لم أخبر الرئيس السادات برفض "التلمسانى" حتى لا يتغير عليه، وحينما قابلته قلت له: أنا غيرت رأيى يا ريس. قال: خير، قلت له: بدلًا من تغيير اسم الإخوان وخلافه أنا بقترح أن نشكل جماعات إسلامية فى الجامعة، فسألنى ومن الذى يقول بذلك؟ فأجبته: لو وافقت على الفكرة أنا على استعداد لتنفيذها، فقال: أنا موافق
طلب محمد عثمان اسماعيل من الرئيس السادات أن نأخذ عمارات سكنية فى القاهرة لنجعل منها مدينة طلابية يسكنها من نختارهم من الطلاب ليتلقوا برنامجًا اسلاميًا فوافق وكلف محافظ القهرة حمدى عاشور بتنفيذ المهمة وتوفير هذه العمارات، وتكونت فى كلية الهندسة جامعة القاهرة أول أسرة إسلامية باسم "شباب محمد" وانتقلت من كلية الهندسة إلى باقى الكليات فى وقت قصير جدًا وما لبثت جامعة القاهرة أن امتلأت بهذه الفكرة ومنها خرجت لجامعة أسيوط والإسكندرية
يقول "محمد عثمان إسماعيل" إن الفكرة نجحت وسيطرت الجماعات الإسلامية على الجماعات المصرية وأنشطتها حتى فازوا بالاتحاد العام للطلاب. 

أقلق هذا التنامى المهول لهذه التيارات كل من يتابع الأحداث جيدًا.. فهل قصرت أجهزت الأمن؟ 

أجهزة الأمن تدرك خطورة اللعبة 

يقول اللواء "أبوباشا" فى عام 1976م كنت أشغل منصب مدير جهاز مباحث أمن الدولة، وهالنى النمو السريع الذى حققته هذه الجماعات وقدرت من جانبى أن المشكلة ليست مشكلة أمن فقط وإنما لها أبعاد أخرى يجب أن تكون فى بؤرة اهتمام كثير من الجهات المعنية هذا جعلنى أجرى حديثا فى مجلة أكنوبر عام 1976م لأطلق صفارات الإنذار فقلت: الأجراس تنذر وتدق بشدة لتصل إلى إلى آذان العلماء من رجال الدين والاجتماع والفكر والتربية والأعلام ليتصدوا لهذه الظاهرة الخطيرة.. إنه سرطان يسرى بسرعة، ولكن أيًا من الأجهزة المعنية لم يحرك ساكنًا. 

ويقول اللواء "فؤاد علام" في كتابه "الإخوان.. وأنا": إننا حذرنا السادات مما يقع تحت سمع وبصر محافظ أسيوط "محمد عثمان إسماعيل" وكنا نعرض عليه التجاوزات التي تحدث أولًا بأول على الرئيس السادات ومنها شكاوى الإخوة المسيحيين في أسيوط من تصرفات الجماعات الدينية وجماعة الإخوان، وحذرنا من تنامي بذور الفتنة الطائفية والتي بدأت باعتداءات فردية على الكنائس ووصلت ذروتها بحوادث الزاوية الحمراء.

لم يكترث الرئيس السادات لهذه التحذيرات بل وجدد لـ"محمد عثمان اسماعيل" ثلاث فترات متتالية وعينه برتبة وزير رغم أن المحافظين وقتها كانوا برتبة نائب وزير، وهذا يعني أن محمد عثمان كان ممثلًا لسياسات السادات وتوجهاته، وهذا أيضا ما قاله نصًا واعترف به "محمد عثمان إسماعبيل" فى مذكراته.

يقول اللواء "أبو باشا": فى عام 1973م كان حادث الفنية العسكرية بقيادة "صالح سرية" فيه دلالة واضحة على خطورة هذه اللعبة، ثم كانت أعمال العنف المتتابعة حتى وصلنا إلى حادث اغتيال الشيخ الذهبى عام 1977م، كل هذه الأحداث مع تنامى الظاهرة أجراس أنذر لم تُسمع من قبل السلطات المعنية ليكون حادث المنصة الذى كاد أن يؤدى الى انهيار المجتمع بأكمله نتيجة طبيعية لأسباب منطقية.