رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
رئيسا التحرير
ماهر فرغلي
صلاح الدين حسن
قراءات
الجمعة 11/مايو/2018 - 09:12 م

مذكرات الأمن والسياسة.. "أبو باشا" يواصل كشف لعبة توظيف الإخوان سياسيًا (3)

 اللواء حسن أبو باشا
اللواء "حسن أبو باشا"
أحمد الشوربجى
aman-dostor.org/10503

تحمل جعبة اللواء "حسن أبو باشا" الكثير من الأسرار لقربه الشديد من مناطق صنع القرار في مصر في فترة من أكثر فترات البلاد حساسية وزخما في الأحداث، حيث تخرج الرجل في كلية الشرطة عام 1945م، وتدرج فى مناصب جهاز أمن الدولة حتى عين نائبًا للمدير فى مايو سنة 1971م، ثم مديرًا للجهاز عام 1975م، ثم وزيرًا للداخلية سنة 1982م، حتى عام 1984م، ثم وزيرا للحكم المحلى حتى عام 1986م.
كل هذه المعطيات تجعل "مذكرات في الأمن والسياسة" العنوان الذي اختاره أبو باشا لمذكراته شيئًا يستحق القراءة والوقوف أمامها لكل من أراد أن يعرف حقائق الماضى ويقرأ المستقبل.

وكنا قد وصلنا معه إلى مؤامرة أكتوبر 1981م، وقبل أن يتحدث عن تفاصيلها قال: إنه ليس من المنطقى أن نتحدث عن أبعاد أحداث أكتوبر، وكأنها كانت أحداثًا مفاجئة أوأفرزتها عوامل وقتية.

إذ يرى أنها كانت نتائج صحيحة وحقيقة لمقدمات وتراكمات امتدت بجذورها عبر منطق ساد الحركة الدينية والسياسية فى مراحل سابقة أوصلتنا لهذه اللحظة الخطيرة فى عمر المسيرة الوطنية، هنا يخوص أبو باشا في قلب التاريخ، يشرح لنا كيف وصلنا من قلب التاريخ إلى هذه اللحظة، لحظة المنصة التي راح ضحيتها الرئيس الراحل محمد أنور السادات، بالإضافة لعدد ضخم من الشخصيات العامة ورجال الشرطة

فيقول صدر قرار من مجلس قيادة الثورة بحل جميع الأحزاب السياسية، وتحايل على موقف الأخوان من الحل بأن جعلهم جمعية دينية ليستثنيها من الحل، وهو ما تم بالفعل فهل تم هذا الاستثناء لاحداث التوازن اليساسى الذى كان يحظى به حزب الوفد فينسحب هذا التأييد لصالح جماع ة الإخوان وتعمل الجماعة على امتصاص هذه الشعبية وارثها؟ أم أن الثورة كانت تتخوف من دور الجهاز السرى لجماعة الإخوان وتخشى أن يقوم باغياات سياسية على نطاق واسع تؤدى لعدم الأستقرار المطلوب فى بداية الثورة؟ أم أن الثورة كانت تؤمن بسلامة أهداف الجماعة وأغراضها الدينية؟

فى معرض الإجابة على هذه الأسئلة من المهم أن نقول أنه كان الواضح جداص أن قيادات الجماعة قد انطلقت فى تأييد الثورة بشكل حاسم ولافت منذ اللحظة الأولى لماذا؟

أطماع جماعة الإخوان
بعد نجاح الثورة أعتقدت قيادات الإخوان أنه حان الوقت لتتصدر الجماعة المشهد السياسى وتتسيده بلا أدنى كلفة وبنت هذه الأحلام على علاقتها الخاصة والمتميزة مع الثورة، وخاصة بعد حل الأحزاب وحدوث فراغ سياسى كبير وهائل أعتقدوا أنهم يستطيعوا أن يتمددوا فيه ويعملوا على ملئه، ومنشأ هذه العلاقة الخاصة مع ضباط الثورة أن بعض قيادات الثورة كانت تربطهم علاقات تنظيمية بجماعة الإخوان، وكان لهم دور بارز فى تأكيد وتوثيق هذه العلاقة بين الثورة وجماعتهم، وضح ذلك تماما حينما استعانت الثورة ببعض رجال الإخوان ودعتهم للمشاركة فى أول وزارة تشكل من قبل الثورة فذهب خيال الجماعة لأبعد من المشاركة حيث أنهم اعتقدوا أنهم الأحق بالسلطة والأجدر بها كلها وليس مجرد المشاركة.

الإخوان فى قلب الجهاز الأمنى
أمتد هذا التعاون بين الثورة والإخوان حتى إلى مجال الأمن السياسى فى خطوة غير مسبقوقة ومخالفة تمامًا لكل الأعراف الشرطية؛ حيث التحق اثنين من ضباط الشرطة المرتبطين تنظيميًا بجماعة الإخوان بجهاز مباحث أمن الدولة، وقد اختار هذا العضوان أن يعملا فى قسم الأرشيف، وهو القسم الذى يحتوى على جميع الملفات الخاصة بهذه الجماعة ونشاطها.

إختراق الإخوان
فى المقابل ركزت قيادة الثورة على الجهاز السرى للتنظيم واستطاعت أن تستقطبه، وكان هذا سببا رئيسا من قبل الجماعة فى تغييره بآخر - وقد قيل أن عبد الحمن السندى كان لديه قناعة أن المرشد الهضيمى ومن معه لا يمثلون حقيقة الجماعة بعد البنا بينما جمال عبد الناصر يمثلها بالفعل ولذا انحاز اليه-
يقول اللواء "أبو باشا": ومن هنا نقول إن استثناء جماعة الإخوان من قرارات الحل التى اتخذتها الثورة لم تكن راجعة إلى قناعة قيادت الثورة بسلامة أغراض هذه الجماعة، أو أنها جماعة دينية بحته؛ إنما مرجعه فى الحقيقة هدف سايسى مبنى على تقديرات خاطئة، ومن ثم جاءت بوادر الصدام بين الثورة والإخوان بعدما تكشف لكل طرف الأهداف الحقيقة للطرف الآخر وبان بوضوح أن هذا الألتقاء كان فى الحقيقة التقاء مظهرى فقط.

لعب الإخوان على الخلاف الدائر بين الرئيس "محمد نجيب"، وضباط الثورة، وانحازت الجماعة لـ"محمد نجيب" وركن هو إليها ليخوض صراعة مع مجموعة الضباط الأحرار معتمدا على الإخوان باعتباره الحصان الأسود الذى يمكن اللعب عليه ورأت الجماعة نفس الشيئ فى "نجيب" رجل وحيد تنصره وتتخلص من جميع هؤلاء الضباط لتحكم وتسيطر من خلاله بعد ذلك.

بدأ الصدام إذن ودارت رحاه فأصدر الضباط قرارًا بحل الجماعة عام 1954م، واعتقال قادتها ومع صعوبة هذه القرارات لكن سرعان ما عادت الأمور إلى حالة صلح مرة اخرى بين الجماعة والثورة، فالغى قرار الحل وأفرج عن المعتقليين بعد مرور شهر واحد فقط من تفجر الأزمة.

لكن الحقيقة أن هذا التصالح كان تأجيلًا للإنفجار الذى بات آتيا لا محالة والذى يدركه الطرفان تماما.

الاختفاء المريب لجماعة الإخوان
كنت أعمل فى ذلك الوقت من عام 1954م ضابطًا بجهاز مباحث أمن الدولة بالجيزة، وكان التوتر يسود العلاقة بين قيادات الثورة والإخوان بالرغم من إلغاء قرار حل الجماعة والإفراج عن قيادتها.

وفى هذه الأثناء اختفى قيادات الجماعة، وعلى رأسهم المرشد العام للجماعة وامتنعوا عن الظهو، وقد تبين فيما بعد أنهم جميعا انتقلوا إلى شقق مفروشة بالقاهرة، والجيزة، والأسكندرية، استأجروها لهذا الغرض مما يعنى أن هذا الاختفاء يحمل وراءه شيئًا ما تدبره الجماعة لم يكن معروفًا كنه ولا مداه، فصدرت التعليمات لكشف هذا الغموض وتحديد الأماكن التى يختفون بها على وجه الدقة والتحديد، وبدأت حملات التفتيش لعلنا نصل لشيئ.

اسند لي شخصيًا تفتيش منزل أحد عناصر التنظيم السرى الذين تم رصدهم، ولم يكن معروفًا مستواه التنظيمى على وجه التحديد وتبين فيما بعد أنه المسئول عن السلاح فى هذا الجهاز على مستوى الجمهورية، واثناء التفتيش عثر على مظروف به مسودة لخطاب موجه للمرشد العام للجماعة بقول فيه: اذكركم بالقرارات السرية التى اتخذت فى المؤتمر العاشر، والتى كان من بينها أن الجماعة يجب ألا تسعى الى القيام أى عمل انقلابى إلا بعد أن تتحقق لها قاعدة قوية فى الجيش والشرطة وأن الجماعة لم تحقق هذه القاعدة إلى الآن، وان القيام بأى عمل الآن لن تكون نتيجته إلا بحورًا من الدماء يغرق فيها الإخوان" ولا شك أن هذا الخطاب لم يكن يعنى سوى تأكيدًا اخر مفاده أن الجماعة تعد لشيئ كبير.

جماعة الإخوان تخرج من اللعبة بشكل نهائى
خسر "محمد نجيب" المعركة تماما مع الضباط الأحرار وخسرت معه جماعة الإخوان، هنا سارعت جماعة الإخوان كما فى لعبة الشطرنج لنقل قطعة تقود بها زمام المبادرة لعلها تكسب المعركة، فقررت أن تلعب اللعبة الخطر فالمكاسب تأتى على قدر المخاطر وكلما ارتفعت التكلفة ارتفعت المكاسب هذه حسابات الجماعة، فدبرت حادث إغتيال "جمال عبد الناصر" بميدان المنشية بالأسكندرية أنقذت الأقدار"جمال عبد الناصر"، فنجا من هذا الحادث وخرج يرد على حراك الإخوان ليضعهم بلعبة ذكية وخطوة مبررة فى خانة "كش ملك".

لكن اللعبة لم تنتهى فمازال "الجيم" مستمر حتى عام 1965م، وهو العام الذى كونت فيه الجماعة تنظيم "65" بقيادة "سيد قطب"، وهو التنظيم الذى كان يخطط لاغتيال قيادات الثورة، واغراق الدلتا بعد تفجير القناطر الخيرية وضرب أبراج الكهرباء، لتسود حالة من الفوضى تمكنها من قلب نظام الحكم، ومرة اخرى تتدخل الأقدار، فيكتشف التنظيم اكتشافًا يضع كلمة النهاية فى هذه اللعبة السخيفة فتنهى جماعة الإخوان من ساحة الوجود فى هذه الفترة.