رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
رئيسا التحرير
ماهر فرغلي
صلاح الدين حسن
قراءات
الخميس 10/مايو/2018 - 08:52 م

مذكرات الأمن والسياسة.. أبو باشا يكشف لعبة توظيف الإخوان سياسيًا (2)

مذكرات الأمن والسياسة..
أحمد الشوربجى
aman-dostor.org/10479

تحمل جعبة اللواء "حسن أبو باشا" الكثير من الأسرار لقربه الشديد من مناطق صنع القرار في مصر في فترة من أكثر فترات البلاد حساسية وزخما في الأحداث، حيث تخرج الرجل في كلية الشرطة عام 1945م، وتدرج فى مناصب جهاز أمن الدولة حتى عين نائبًا للمدير فى مايو سنة 1971م، ثم مديرًا للجهاز عام 1975م، ثم وزيرًا للداخلية سنة 1982م، حتى عام 1984م، ثم وزيرا للحكم المحلى حتى عام 1986م.

كل هذه المعطيات تجعل "مذكرات في الأمن والسياسة" العنوان الذي اختاره أبو باشا لمذكراته شيئًا يستحق القراءة والوقوف أمامها لكل من أراد أن يعرف حقائق الماضى ويقرأ المستقبل. 

وفي الحلقة الثانية لقراءة مذكرات أبو باشا، يصل إلى مؤامرة أكتوبر 1981م، ولكنه يرى أنه ليس من المنطقى أن نتحدث عن أبعاد أحداث أكتوبر، وكأنها كانت أحداثًا مفاجئة أوأفرزتها عوامل وقتية.

 ويرى أنها كانت نتائج صحيحة وحقيقة لمقدمات وتراكمات امتدت بجذورها عبر منطق ساد الحركة الدينية والسياسية فى مراحل سابقة أوصلتنا لهذه اللحظة الخطيرة فى عمر المسيرة الوطنية، فهى المرة الأولى فى تاريخ مصر الحديث،  يتم فيها اغتيال حاكم البلاد إذا تم استثناء تلك المحاولة التي تمت عام 1954م لاغتيال الرئيس الرحل عبدالناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية، ولم يكتب لها النجاح ويشاء القدر أن تتم المحاولة الثانية الناجحة على يد جناح آخر متطرف ينتمى لنفس التيار بعد أن أعطى له الرئيس الراحل السادات الضوء الأخضر فى بداية ولا يته ليحقق به توازنا سياسيًا مع التيارين الماركسى والناصري.

كما كانت المرة الأولى التى يتم فيها اغتيال هذا العدد الضخم من الشخصيات ومن رجال الشرطة الذين تجاوزوا المائة قتيل وما يتجاوز مائتي جريح، ثم ضاعف من خطورة هذه المؤامرة، أن اغتيال رئيس الجمهورية لم يكن هو الهدف النهائي لمن خططوا وقاموا بالتنفيذ، وإنما كان هذا الاغتيال مجرد حلقة من سلسلة حلقات أخرى متعددة كان من المقرر أن تتم حلقة بعد أخرى؛ لكى تؤدى تداعياتها في نهاية الأمر إلى إسقاط النظام بأكمله، وإشعال ما سماه المخططون بالثورة الإسلامية وصولًا للاستيلاء على الحكم.

ويكمل أبو باشا، "وتشاء الحكمة الإلهية ألا تصل هذه المؤامرة إلى غايتها وإنما تتهاوى حلقاتها واحدة بعد الأخرى وتتجنب البلاد أعاصير كثيرة كانت ستهب وتقتلع استقرارها ووحدتها".

 هنا يخوص أبو باشا في قلب التاريخ، يشرح لنا كيف وصلنا من قلب التاريخ إلى هذه اللحظة، لحظة المنصة التي راح ضحيتها الرئيس الراحل محمد أنور السادات، بالإضافة لعدد ضخم من الشخصيات العامة ورجال الشرطة 


خلفيات نشأة الإرهاب في مصر 


مع نمو القواعد العلنية لتشكيلات جماعة الاخوان كان يتنامى معها فى ذات الوقت جهازها السرى من حيث الإعداد التنظيمى والتدريب والتسليح، من هنا بدأت قيادات الجماعة تستشعر تماما القوة المضافة التى حققها لها الجهاز السرى على المسرح السياسى وبدأت على الفور تمارس اللعبة السياسية فى مواجهة القوى الأخرى الموجودة على الساحة، والتى تركزت فى القصر والمستعمر ثم حزب الوفد وأحزاب الأقلية .


بدأت جهات متتعددة تضع قوة جماعة الإخوان فى حساباتها سواء بالتعاون معها أو بالحصار لها دفاعا عن ثقل كل طرف على المسرح السياسى أولا، ثم تأكيدا لتوازنات سياسية تراها الأطراف فى مصلحتها.


الإخوان مع الملك ضد الشعب 


ولكن الجماعة فى غالبية الوقت كانت تتعاون مع جانب الملك وأحزاب الأقلية وكان منافسها الرئيسى هو حزب الوفد، وكثيرا ما تكررت بينهما الحوادث والمصادمات داخل الجماعات المصرية وخارجها حتى وصل الحال إلى الاعتداء بالعصى والأسحلة البيضاء بل والقنابل فى بعض الأحيان.


كان الوفد ينظر للجماعة طوال الوقت على أنها المنافس المشاغب وأن نموها فى أغلب الوقت يسحب من رصيده الجماهيرى، وقد ساعدها على ذلك تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ويقول "طارق البشرى" فى كتابه "الحركة السياسية فى مصر": "المهم أن الجماعة بوضعها هذا فى امتصاص جزء كبير من حيوية الشعب السياسية وأبقتها بعيدة عن المشاركة الإيجابية فى أحداث الفترة، وكانت قيادات الجماعة تطلق حماس رجالها وتشغلهم بالأحاديث والاجتماعات والمواكب والتدريبات، وكان يمكن أن يستخدم ذلك فى إعداد جماهيرها إعدادًا صلبا تفيد الجماعة بهم الحركة الوطنية ولكنها وجهتهم الى أهداف غيرلا معلومة إلا لقيادتها فكان جهد جماهير الإخوان حيوية مبددة توجه لأهداف علنية غير واضحة لهم ".


الإخوان وحرب فلسطين 48 

شاركت الإخوان فى حرب 48 لسببين أساسيين أولها: "تدريب عناصرها وخاصة أعضاء من الجهاز السرى على العمليات العسكرية واستمالات الأسلحة والقنابل باعتبار ذلك هدفا يخدم استراتيجية الجماعة على المدى البعيد".


أما ثانى هذه الأهداف وفقا لأبو باشا، هو "تأكيد دور الجماعة القومى على المستوى المحلى والعربى".


الإخوان والثورة ولعبة التوازنات السياسية 

يدعى بعض السياسيين ومن قبلهم أعضاء جماعة الإخوان وأتباعهم ومن يدور فى دائرتهم بغرض تزييف الحقائق بوعي أو بدون وعى أن عمليات العنف وإنشاء الأجهزة السرية جاءت نتيجة العنف الذى تعرض له الإخوان فى السجون والمعتقلات، والحقائق التاريخية تشير إلى أن الإخوان أنشأوا تنظيمهم الخاص دون أى صدام بينهم وبين السلطة.

على العكس تماما لقد نشأ الصدام بين الدولة والإخوان بعد اكتشاف هذا التنظيم السرى، بل وقيامه بعمليات عسكرية ضد الدولة.


ثورة يوليو تختار التحالف مع الإخوان 


وحينما جاءت ثورة يوليو تحالفت مع الإخوان ولم يبدأ الصدام إلا بعد محاولة اغتيال عبد الناصر سنة 1954م، وبتعبير "أبوباشا" كانت جماعة الإخوان تمثل رغم الإجراءت التى اتخذت ضدها فى الأربعينيات مازالت تمثل الحصان الأسود الذى يمكن اللعب عليه فى لعبة التوازنات السياسية فى مواجهة حزب الوفد بصفة خاصة وهو دور كانت له أهميته فى السنوات الأولى للثورة بل واستمر هذا الدور بعد الثورة أيضا رغم صدام رجال الثورة معها.


ورغم أنه كان واضحًا منذ اللحظة الأولى لثورة يوليو 52 أنها حظيت بتأييد شعبى جارف، كان من المنطقى أن يكون هذا التأييد وحده كافيا ليكون سندا وظهيرا شعبيا فى المواجهة التى خاضتها الثورة مع الأحزاب السياسية الموجودة آنذاك، إلا أن اللافت للنظر أن قيادات الثورة قد نظرت لجماعة الإخوان المسلمين نظرة مختلفة تماما عن تقديرها لدور الأحزاب الأخرى، وفى مقدمتها حزب الوفد الذى كان ما زال يحظى بشعبية ملحوظة أظهرتها انتخابات 1950م بوضوح حيث حصل فيها على الأغلبية الساحقة، إلا أن قيادات الثورة وجهوا له نفس الاتهامات التى وجهت للأحزاب الأخرى فيما يتصل بالفساد السياسى وغيره من الاتهامات.


ثورة يوليو تتحايل لصالح الإخوان


 صدر قرار من مجلس قيادة الثورة بحل جميع الأحزاب السياسية، وتحايل على موقف الإخوان من الحل بأن جعلهم جمعية دينية ليستثنيها من الحل، وهو ما تم بالفعل فهل تم هذا الاستثناء لإحداث التوازن الساسى الذى كان يحظى به حزب الوفد فينسحب هذا التأييد لصالح جماعة الإخوان وتعمل الجماعة على امتصاص هذه الشعبية، أم أن الثورة كانت تتخوف من دور الجهاز السرى لجماعة الإخوان وتخشى أن يقوم باغتيالات سياسية على نطاق واسع تؤدى لعدم الاستقرار المطلوب فى بداية الثورة؟، أم أن الثورة كانت تؤمن بسلامة أهداف الجماعة وأغراضها الدينية؟.