رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
ads
قضايا
السبت 28/أبريل/2018 - 07:54 م

«الحقيقة والشريعة».. أسرار العلوم «الروحية» عند الصوفية

أرشيفية
أرشيفية
محمد يسري
aman-dostor.org/10161

يقسم الصوفية الإسلام إلى شريعة وحقيقة، أو علوم ظاهرية وباطنية، فعلوم الظاهر تختص بالعبادات والعقائد والأخلاق والآداب والسلوك وغيرها، وتسمى لديهم علوم الشريعة التي يحتاجها أهل الظاهر من العوام وهي عبارة عن نصوص الكتاب والسنة التي يعلمها الكبير والصغير، أما علم "الحقيقة"، فهو علم الخاصة، الذي يأتي عن طريق الوهب ويسمونه العلم اللدني الناشئ عن الكشف الرباني والفيض الرحماني، ويعبر أكثرهم عنه بأنه خاص بمن وصل إلى درجة الإحسان التي جاءت في سؤال جبريل عن الإسلام والإيمان والإحسان والذي أجابه النبي صلى الله عليه وسلم عنه في الحديث الصحيح: "... قال فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) صحيح مسلم 102.

وللصوفية توجيه خاص لإجابة النبي صلى الله عليه وسلم عن سؤال جبريل، حيث يعتبرون الإحسان درجة الخاصة الذين يأتي إليهم العلم الروحي مباشرة من الله دون الحاجة إلى واسطة، وفي ذلك يقول المنوفي في "جمهرة الأولياء، الجزء الأول، ص 156":

"إن القوم يرجعون بسند طريقهم إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم-، من حيث أن جبريل عليه السلام نزل بالشريعة أولا، فلما تقررت ظواهر الشريعة واستقرت نزل إليه بالحقيقة المقصودة والحكمة المرجوة، فخص الرسول -صلى الله عليه وسلم- بباطن الشريعة بعض أصحابه دون البعض..... وأول من أظهر علم القوم وتكلم فيه سيدنا علي -رضي الله عنه-، وذكر السلسلة الصوفية في تلقي العلوم اللدنية إلى أن وصل إلى الجنيد الذي قال عنه أنه صحب الشافعي في علوم الظاهر، ثم صحب وأخذ عن خاله "السري السقطي" علوم الباطن، وعن الجنيد أخذ المحاسبي، ثم انتشر هذا الطريق انتشارا لا ينقطع حتى ينقطع عمر الدنيا".

ويعتبر المنوفي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد اختص بشيء من الوحي أقواما هم "الصفوة"، وهو عبارة عن "علم الحقيقة" أو العلوم اللدنية الباطنية التي يتوارثونها في سلسلة تبدأ من علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولا تنقطع هذه السلسلة المصطفاة من الصوفية إلى يوم القيامة.

ورغم النزاع حول الأدلة التي يعتمدون عليها، في هذه العلوم من حيث الضعف، إلا أن الصوفية يعتبرونها أصل الدين ويقدمونها على الفرائض وأركان الإسلام والإيمان باعتبار أنها لخاصة الخاصة من أهل "المعرفة" وهي عبارة عن أسرار لا يعرفها إلا من ذاق لذة المعرفة.

وقد ذكر ابن عجيبة في "الفتوحات الإلهية شرح المباحث الأصلية" أثرا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله فإذا نطقوا به لا ينكره إلا أهل الغرة بالله عز وجل) وهو عينه الأثر الذي ذكره الإمام أبي حامد الغزالي في إحياء علوم الدين.

وقال عن هذا الأثر النبوي": قال بعضهم في شرح هذا الحديث: هي أسرار الله يبديها الله إلى أمناء أوليائه وسادات النبلاء من غير سماع ولا دراسة وهي من الأسرار التي لم يطلع عليها إلا الخواص فإذا سمعها العوام أنكروها ومن جهل شيئا عاداه".
(انظر: الفتوحات الإلهية شرح المباحث الأصلية، ابن عجيبة، الجزء الأول، ص29)

ويعتبر الصوفية أن الناس يقفون من هذه العلوم على درجات، يمكن أن تراها في تقسيمهم إلى ثلاث مراتب تبدأ بمرحلة العُبّاد، وهم العوام الذين لم يسلكوا الطريق، ويسمونهم الفقراء لاعتمادهم فقط على علوم الشريعة الظاهرة، ثم مرتبة العارفين، ويفرق ابن سينا بين العابد والعارف فيقول في "الإشارات والتنبيهات": "المواظب على فعل العبادات من القيام والصيام ونحوهما يسمى العابد، والمنصرف بفكره إلى الله مستديما لشروق نور الحق في سره يخص باسم العارف.

ويحتفي الصوفية بمنزلة العارفين باعتبار أن لهم الولاية، ويشرح ابن عربي المعرفة في الفتوحات المكية فيقول:

'' فكل شرع ظهر وكل علم، إنما هو ميراث محمدي. أما نحن (أهل الكشف) إنما لنا علم وحكمة وفهم عن الله فيما شرعه الله... واللهِ ما كتبتُ من حرف إلا عن إملاء إلهي وإلقاء رباني ونفـْثٍ روحي في روعِ كياني... مع كوننا لسنا برسل مُشَرِّعِين ولا أنبياءَ مُكلفين، لأن التشريع والنبوة قد انقطعا عند رسول الله: وإنما هو علم وحكمة وفهم عن الله... فأهل الله معلومون بالمقام ومجهولون بالشهود".

يعتبر ابن عربي أن العلوم اللدنية شيء وهبي لمن سلك الطريق وهو عبارة عن وحي مباشر من الله تعالى يمليه عليه، ويؤكد أن جميع ما كتبه عبارة عن إملاء إلهي مباشر لأهل الله.

ويعتبر الصوفية أن "الحقيقة" أو العلوم اللدنية حالة خاصة بالعارفين منهم، ويعبرون عنها بألفاظ ذات معانٍ باطنية منها المشاهدة والحضرة القدسية والفيض ونحوها، ومن ذلك تقسيم الشيخ مصطفى العلوي لعلوم الصوفية في كتاب "إفادة التجاني" قال:

"سئل سيدنا رضي الله عنه عن الفرق بين الحقيقة والطريقة والشريعة، فأجاب رضي الله عنه بقوله:

الحقيقة هي رفع الحجب عن مطالعة الحضرة القدسية، وهي المعبر عنها بالمشاهدة، وعلومها المنسوبة إليها تارة تطلق على ما يبرز للمشاهد من الحضرة القدسية من العلوم والمعارف والأسرار والفيوض والحكم وأحوال اليقين إلى غير ذلك، وتارة تطلق على علوم الحقيقة على ما يلزم العبد في وقت المشاهدة من علوم الآداب وعلوم الخطاب، وعلم ما يلزمه اجتنابه في وقت المشاهدة ، فهذه حقيقة الحقيقة.

وحقيقة الشريعة هي الأمر الذي جاء به الشارع صلى الله عليه وسلم أمرا ونهيًا وإباحة ما نص عليه صلى الله عليه وسلم، ونص الله عليه في كتابه من جميع الأمور، ومما يؤول إلى ذلك استنباط المجتهدين، فهذه الشريعة وعلومها.

وأما الطريقة فهي واسطة بين الشريعة والحقيقة، فإنما هي الشريعة اللازمة لأرباب الوصول والحقائق، وهي غير الشريعة التي يخاطب بها العوام وأرباب الرسوم وحدها الجامع لها هو قولهم :" حسنات الأبرار سيئات المقربين".

وعلوم الطريق هي كل علم يدعو إلى انسلاخ العبد من حظوظه وشهواته، وتبرّيه من مشاهدة حوله وقوته، ومباعدته عن كل ما يقتضي جلب مصلحة لنفسه أو لغيرها، ودفع مضرة عن نفسه أو غيرها بإيوائها إلى جانب الحق سبحانه وتعالى، وبالعلم بكل ما يدعو إلى وقوف العبد مع الله تعالى في صميم التوحيد، وخروجه عن الغير والغيرية علما وعملا وحالا وتخلقا، والرسوخ في مقام الرضا والتسليم، والغرق في بحر التفويض والاستسلام، فهذه هي الطريقة وعلومها".
(انظر: إفادة التجاني، للشيخ مصطفي علوي).

وقد فتحت هذه المصطلحات التي تبدو مبهمة أبواب النقد على الصوفية خاصة تلك المتصلة بالتوحيد والغيرية والشهود ونحوها لخروجها عن منهج الزهاد الأوائل.